الرئيسية / أخبار / “ملطشة” القاهرة .. من تأذَى!!

“ملطشة” القاهرة .. من تأذَى!!

Sudan voics

ما حدث للرئيس البشير في مصر قد حدث، فالإهانة التي لحقت بالرئيس كانت ولا شك متعمدة ومقصودة، وما يؤكد ذلك أن الرئيس السيسي بعد أن كثُر عليه الكلام جبر بخاطر الرئيس البشير وأعاد له العلم خلفه في جلسة المباحثات الختامية وفي قاعة بدون الخريطة المسيئة على الحائط قبل يوم من سفره لبلاده، وما لحق بالرئيس البشير من “ملطشة” على الصعيد الرسمي لم تكن أقل مما فعلته به الصحافة المصرية التي سخرت منه وجعلت منه مضحكة بالكلام والرسوم الخادشة للحياء، وتفاصيل ذلك معروفة وليس هناك ما يدعو لسردها من جديد.

بيد أن الذي يستحق الوقوف عنده فعلاً ودراسته هو رد فعل المواطن السوداني على إهانة رئيسه بتلك الكيفية، فقد قوبل ذلك بشيئ من النشوة والحفاوة بواسطة كثير من أفراد الشعب الذين كانوا يتبادلون الرسائل التي تحمل الصور والمقاطع المصورة التي تحوي تفاصيل هذه الفضيحة كما يتبادلون تهاني العيد.

لا يُمكن تجاهل هذا الواقع الملموس حول هذا النوع من ردة الفعل التي يحدث مثلها لأول مرة في تاريخ السودان، فقد وقف الشعب والأحزاب إلى جانب الرئيس نميري برغم معارضته له حينما بلغته إهانة مبطّنة من العقيد القذافي بمعايرته للسودان بالقرض الذي كان قد قدمه إليه، فغضب الشعب الذي قام في بحر أيام بجمع قيمة القرض في الحملة التي عُرفت ب “جنيه الكرامة” التي شارك فيها كل أهل السودان وتم تسديد القرض، فما الذي حدث حتى صار الشعب يطرب وهو يرى الرئيس الذي يمثل بلده وهو يُمثّل به وتُمسح به الأرض بواسطة دولة أجنبية !! والواجب أن تُؤخذ دراسة هذا الأمر بجدية وموضوعية حتى من قِبل حزب المؤتمر الوطني وهو يُقدم بعد أيام على ترشيح بطل هذه المهزلة لفترة رئاسة قادمة.

ما يلفت النظر أن النظام نفسه لم يبدر منه ما يُشير بتأثره بما حدث، والعكس هو الصحيح، فقد ذكر الرئيس في المقابلة الصحفية التي أجريت معه بالطائرة في طريق العودة أنه لم يشعر براحة نفسية في زيارة له لمصر مثلما حدث له في هذه الزيارة، وبمثل هذا المعنى صرّح بقية المسئولين الذين ذكروا بأن الزيارة كانت تاريخية وناجحة، برغم أن أي منهم لم يفتح فمه بكلمة حول موضوع الخلاف الرئيسي بشأن منطقة حلايب.

هذا الحالة من اللامبالاة بعد كل الحقارة التي تعرض لها الوطن والرئيس نفسه يُقال لها باللغة االبلدي “تلامة” و “تخانة جِلد”، وهي حالة تستمد أصلها من كثرة المهانة التي تعرّض لها النظام حتى تراخى عنده الشعور بفداحة الأذى الذي يقع عليه، فقد أخذ النظام على مثل هذه “الملطشة” بحيث لم تعد تُحرّك فيه شعرة، وضربة البداية في ذلك كانت يوم أن أصبح الرئيس البشير أو رئيس دولة في العالم الذي يصدر في حقه “أمر قبض” وهو لا يزال في سدة الحكم، وأصبح طريداً للعدالة بما جعله حبيس القارتين (آسيا وأفريقيا) والحري، جزء منهما، وفي كل مرة خرج فيها الرئيس في زيارة خارجية عاد منها بفضيحة، فقد أعيدت طائرته من أجواء دولة، ورُفض لها العبور بأجواء أخرى، وإمتنع رؤساء دول عن مصافحته، وآخرون رفضوا مقابلته وهو ضيف على بلادهم، وقطع زيارته لدول وركض منها راجعاً قبل أن يتم تنفيذ أمر القبض عليه…الخ.

التفسير السليم للشماتة التي أظهرها الشعب لما حدث في حق حكومة ترفع علم بلاده، هو أن المواطن لا يعترف بتمثيل الإنقاذ له ويعتبر أن ما يصيب الإنقاذ يصيبها كحزب ولا ينال من السودان كشعب ووطن، فقناعة الشعب أن البشير رئيس جماعة وليس رئيساً لكل السودانيين، وأن بقية الشعب يجلس “فِرّيجة” لهذه الجماعة التي تقاسمت فيما بينها خيرات البلاد وتستأثر لوحدها بالوظائف العامة وغيرها من الحقوق، وأنه شعب من “البدون”، يقع عليه فقط القيام بالواجبات، وأن الإنقاذ لا تذكر الشعب إلاّ في مثل هذه الملمّات.

يُخطئ من يعتقد بأن عدم وضع علم خلف الرئيس أو رسم صورته بمؤخرة عارية يُمكن أن يكون سبباً في مناصرته لمجرد أنه قد أجلس نفسه بنفسه في مقعد الرئاسة، فهناك من فصائل هذا الشعب من ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بمطالبة الرئيس السيسي بإلقاء القبض عليه وتسليمه للمحكمة الجنائية، فالشعب يُدرك أن الوطن نفسه – لا العلم – هو الذي يتهدده الزوال إذا ما استمر هذا النظام في حكم البلاد.

ما حدث في مصر يكشف عن عُمق الجرح الذي خلّفه هذا النظام بالشعب حتى بات الشعب يغمض عينيه عن جنس هذا الأذى الذي كان حتى وقت قريب يقدم فيه الأرواح لدرئه، والمصيبة أن المؤتمر الوطني لا يريد الإعتراف بهذه الحقيقة برغم وضوحها، فها هي الأنباء تكشف عن ترتيبه لإعادة ترشيح البشير لمقعد الرئاسة مرة خامسة، وهو ترشيح – كما سبق لنا القول – يُشبه الصورة الكاريكاتيرية التي كانت تُجسدها الأفلام المصرية القديمة التي كانت تعتمد على عنصر المفارقة بين إسم الشخصية وحقيقتها لخلق الكوميديا، فكان يُطلق إسم “الرفيع” على شخصية الممثل البدين، و”فضيلة” على فتاة الليل، فالبشير آخر من يصلح لهذا المنصب بحكم الظروف التي يعيشها السودان، ذلك أن نصف مشاكل السودان سوف تزول تلقائياً بنهاية حكم البشير وتولّي أي شخص غيره لدفة الحكم، ذلك أن غيابه عن الصورة سوف يتسبب تلقائياً في رفع الحظر السياسي والإقتصادي عن السودان وعودة رئيسه للظهور في المحافل الدولية بما يحقق معالجة ملف الديون ..ألخ.

إن واجب صيانة كرامة الوطن تقع على أصحابه لا على الغرباء، كما أن واجب الشعب أن يقوم بإزالة الأسباب التي تحمل الآخرين على الإنتقاص من كرامة الوطن، فالفريق الذي تتوالى الأهداف على شباكه يقوم بتبديل حارس المرمى و المدافعين الذين تسببوا في هزيمته ولا يرمي باللوم على مهاجمي فريق الخصم، نعم فقد أخطأ المصريون في حقنا، ولكننا نحن الذين أخطأنا في حق أنفسنا، و “جِبنا لروحنا الكلام”.

سيف الدولة حمدنالله
saifuldawlah@hotmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*