الرئيسية / أخبار / رئيس عارٍ وإعلامٌ متفسخ !

رئيس عارٍ وإعلامٌ متفسخ !

Sudan voices

عبد المنعم سليمان

الطرفة القديمة تحكي عن رجل أراد الزواج فاستصحب معه مدّاحاً شهيراً كي يعلي شأنه ويرفع قدره لدى والد العروس حتى يقبله زوجاً لابنته ، فبلغا بيت العروس وجلسا مع والدها ، عندها بدأ المدّاح المُستأجر عمله فشرع في مديح العريس مُحدثاً عن نسبه وحسبه معدداً كريم خصاله ومآثرة الفريدة .

وبينما والد العروس ينصت إليه في إهتمام ، فجأة داهمت العريسَ (رِيح) فما كان له بدٌ سوى إطلاقها محدثة صوتاً عالياً ، فما كان من المدّاح المستأجر إلاّ وأن أثنى على (ضرطة) العريس ، موجهاً الكلام لوالد العروس : ( أنظر إلى ضرطته ما بربرها وما قرقرها ، وما أطنّها وما أرّنها) ، فلم يجد والد العروس طريقة لإيقاف ذلك السيل الجارف من القبح والقرف سوى الصراخ في وجه العريس طالباً ايقاف المّداح : ( قل له كفى ، لقد زوجتك بنتي ولو خرئت على نفسك).

وبتمثيل معاصر للقصة القديمة فإن المداح المُستأجر هو وزير الاستثمار” مصطفى عثمان اسماعيل” والعريس الذي أطلق الريح هو “عمر البشير”، أما والد العروس الذي أزكمت أنفه رائحة القرف من “ضراط” العريس حتى صرخ موافقاً على الزواج هو المشير “عبد الفتاح السيسي”.

شعرت بمزيد من الإساءة والإهانة وانا إستمع اليوم إلى “مصطفي عثمان اسماعيل” وزير استثمار حكومة البشير ، وهو يستفرغ تصريحاتٍ مادحة لزيارة رئيسه الفضيحة إلى مصر ، واصفاً إياها بـ (الناجحة بكل المقاييس) !

ظللت دوماً ، احاول بقدر ما استطعت تجنب الكتابة عن المادح “مصطفى عثمان اسماعيل” لأن الكتابة عنه تجبرني على النزول بالألفاظ إلى مستواها الأدنى وهذا مما لا يجوز كتابته ، لذا دعوني اكتفي بالسؤال : ألم يقرأ ويشاهد هذا الوزير السمسار تقييم الزيارة في وسائل الإعلام المصرية ، والتي فرط إحتقارها لرئيسه وزيارته نزعت عنه حتى ملابسه الداخلية ، في رسم كاريكاتيري برغم انه رسم عن “رئيس” عارٍ من الشرعية ومن الأخلاق والفضيلة ، إلا انه ومع ذلك فإن أقل ما يقال عنه إنه كاريكاتير صادم وبشع وخادش ويفتقد للأدب والذوق ، ويعبر تماماً عن المزاج الافتراسي المتوحش للإعلام الخديوي الجديد، المتوثب للانقاض على كل ما هو سوداني دون فرز أو تثبت !

لست هنا للشماتة من البشير ووزراءه ولا من حالة الذل والاحتقار الأسيفة والكسيحة التي وصلوا إليها ، ولكنني وبدون مبالغة شعرت بحالة هي مزيح من الألم والقرف من المهاوي السحيقة التي أوصلونا وأوصلوا بلادنا إليها ، وذلك حين مشاهدتي الطريقة المُهينة التي عرضت بها وسائل الاعلام المصرِّية إستقبال الرئيس السيسي للبشير عندما أظهرته فى قاعة إجتماعات على خلفيتها خريطة كبيرة لمصر وهي تضم مثلث حلايب وشلاتين !

ليس هذا وحده ما جعلني أشعر بالإشمئزاز ، بل التناول الإعلامي المصري للزيارة الذي تحول فجأة من زيارة البشير إلى حفلة ماجنة وفاحشة في الهواء الطلق .. حفلة شواء وشتيمة وردح ضد السودان كوطن ، واسكيتشات حشد وتجييش لمشاعر المصريين ضد كل السودانيين ، وبالطبع تخلل الحفل فواصل عزف للمقطوعات (إياها) من خبراء (استراتيجيين) في تزييف التاريخ خرجوا علينا من شاشات التلفاز المختلفة ليصوروا بلادنا وكأنها جمهورية موز وحديقة خلفية لبلادهم تنتظر القطف ، وها حان الآن وقت قطافها !

وهنا لا بُدّ من توجيه كلمة عتاب للعقلاء من المصريين وبعض شرفاء وشريفات الإعلام المصري : فهلا نصحتم إعلامكم الفاجر هذا بالاستماع لنصيحة الرئيس السيسي بعدم الإساءة للشعوب والحط منها ومن تاريخها ؟ وهلا أسكتُم أصحاب الحلاقيم الكبيرة من إعلامييكم الذين يهتبلون الفرص للإساءة للسودان والسودانيين ، ومنهم ذلك العتل – ولا أقصد “عمرو أديب” – إذ انني استنكف مخاطبة السفهاء من متدنيي اللغة ومُنحطي الفكر، بل أقصد ذلك المعتوه الذي خرج علينا معلناً بأن السودان – أرضاً وتاريخاً – ما هو إلاّ محض هدِّية مصرية قدمها الملك فاروق لشعبه هناك !

إذا كانت زيارة البشير بالنسبة لبعض الإعلاميين المصرييين فرصة للإساءة للسودانيين وتاريخهم فإنها بالنسبة لنا مناسبة لتذكير الشعب المصري بأن الخطر الماثل الذي يجب أن تتضافر جهودنا لمحاربته هو خطر الإسلام السياسي وحركاته المتطرفة ، وإن البشير الذي توجهون له الدعوات لكي تكيلوا لنا البذاءات ، هو المهدد الحقيقي لحاضر ومستقبل العلاقة بين بلدينا ، وإن لا إستقرار ولا أمن ولا مصالح ولا علاقة ولا إتفاقيات ستتحقق لمصر بالتعاون مع نظام فاشي في السودان ، وإن الحل والاستقرار الدائمين يكمنان في التعاون مع القوى الديمقراطية الحقيقية في بلادنا ، وإن إعلام الصخب والتفسخ مهما فجر وتعهر لن يستطيع تزوير التاريخ وهزيمة إراداة الشعوب !

إنتهت الزيارة التي كيلت لنا بسببها الشتائم والإساءات ، وها هو البشير يعود خائباً إلى الخرطوم بعد أن خرج من زيارته لمصر بأقل وأذل مما خرج به ذلك الاعرابي من (حنين) صاحب الخُفّ – الحذاء – الشهير ، فالإعرابي كما في قصص المطالعة أضاع بعيره ولكنه عاد إلى بيته بـ (خُفّي حنين) بينما البشير أضاع بعيره وبيته بعد ان لعق حذاء (حنين) !

abdoalsudan@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*