الرئيسية / أخبار / الاستاذ كمال الجزولي يكتب : للمرَّةِ الألفْ: كونفِدراليَّةُ السُّودانَيْنِ! ..

الاستاذ كمال الجزولي يكتب : للمرَّةِ الألفْ: كونفِدراليَّةُ السُّودانَيْنِ! ..

Sudan voices

(1)
لا يكفي أن يعبِّر مظاهرو “إعلان باريس” المبرم بين حزب الأمَّة وجبهة القوى الثَّوريَّة، في الثَّامن من أغسطس الجَّاري (2014م)، عن كامل تأييدهم له، وإنما يلزمهم الإسهام النشط في تعميق ما يجترحه من معالجات للأزمة السُّودانيَّة، خصوصاً ما لم يجر الطرق عليه، من قبلُ، أو نادراً ما جرى، في هذا النوع من المواثيق. فقد شدَّد الطرفان، مثلاً، ضمن الفقرة قبل الأخيرة من “الإعلان”، على أن “دولة جنوب السُّودان هي الأقرب للسُّودان والسُّودانيين، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، (و) .. أكدا على تطلع السُّودانيين لاتحاد سوداني بين دولتين مستقلتين”.
ما حدث في يوليو 2011م قد حدث، وما ترتَّب على استفتاء يناير 2011م قد ترتَّب، وانفصال الجنوب قد صار واقعاً لا ريب فيه، وأيَّة نتيجة بخلاف ذلك كان ينبغي لمن “يتمنُّونها” أن يدفعوا، قبل ذلك، باتِّجاه تحقيقها، فلا جدوى، الآن، يقيناً، من البكاء على اللبن المسكوب! لكن ها دوننا انتباهة لا يمكن تجاهلها، ولعلها الأولى، في سياق تواثقات الأطراف الوطنيَّة، التي تشير، بمثل هذا الإفصاح، إلى ضرورة رتق ما انفتق من الوطن الواحد، فأحاله إلى سودانَيْن متوزِّعَيْن بين دولتين مستقلتين، شماليَّة وجنوبيَّة.
إن دوافع الإصرار، في هذا النَّص، على عدم الاستكانة لمآل الانفصال البئيس، وعلى استعادة “الوحدة”، ولو بصورة “كونفِدراليَّة”، لا تحتاج، قطعاً، إلى فانوس ديوجينس لإضاءتها. فقد ظلَّ الأمل معقوداً، دائماً، بالمدى الذي نفيق فيه، جميعاً، إلى أن ما اصطلحنا عليه، ردحاً من الزَّمن، بـ “مشكلة الجَّنوب” هو، في حقيقته، محض ملمح، وإنْ كان أعلى صوتاً، لمشكلة بنائنا الوطني كله؛ وأن من تمام الغفلة اعتبار نموذجه غير قابل للتكرار! بل من سداد الرأي، وحسن التدبير، أصلاً، الإقرار بأنه، ما لم نسارع لتدارك الأمر، ليس سوى النموذج الأكثر ترشيحاً لأن يحذو حذوه، في نهاية المطاف، كلُّ إقليم أو تكوين قومي بلغت روحه الحلقوم! ولذا، فإن الوحدة ستكفُّ، يقيناً، عن أن تكون خيارنا المصيري إذا لم نكفَّ نحن، مرَّة وللأبد، عن المفاضلة البائسة، من “الجنوب”، إلى “دارفور”، إلى “أبيي”، إلى “النيل الأزرق”، إلى “جنوب كردفان”، بين التَّهديد بـ “انفصال” مأساوي، أو التهليل لـ “وحدة” لا نملك لأجلها غير حفنة تدابير عجفاء نتبضع بها من عاصمة لعاصمة، ومن وسيط لوسيط، ومن جولة مفاوضات لأخرى!
(2)
ولأن ذلك كذلك، فقد حقَّ الابتهاج بورود هذا النصِّ ضمن “إعلان باريس” لكلِّ من يرفض أن يرى في “انفصال الجَّنوب” نهاية “الكون السُّوداني”، أو النقطة في آخر سطر “الوحدة”، خصوصاً تلك المجموعة من المواطنين، من ذوي السَّبق، الذين تشرَّفنا بأن كنا، وما زلنا، ضمنهم، وفي مقدِّمتهم مفكرون، وأدباء، وفنانون، وكتاب، وصحفيون، وناشطون حقوقيون، وقادة مجتمع مدني، بادروا، حتى قبل استفتاء يناير 2011م الذي أفضى للانفصال، ليس فقط بإعلان أطروحتهم التي سنوردها أدناه، والتي التمسوا فيها، رجالاً ونساءً، سدَّاً لذرائع اليأس، حالَ نجحت، على كلا الجَّانبين، الشَّمالي والجَّنوبي، في بلورة حراك شعبي مرموق يُؤمَّل في أن يفضي لتبنيها كسياسة رسميَّة في كلتا الدَّولتين، لدى قيامهما، مستقبلاً، حسب ما كان متوقعاً، بل قاموا، أيضاً، بتسويقها لمختلف الأطراف، كفكرة قابلة للتفكير فيها جيِّداً thinkable thought، وإجراء حوار مثمر حولها معهم، ومن بينهم وفد من الحركة الشَّعبيَّة المشاركة في الحكم، أوان ذاك، بقيادة ياسر عرمان، نائب أمينها العام، والأمين العام لقطاعها الشَّمالي الذي يشكل، الآن، ثقلاً معتبراً بين مفردات الجبهة الثَّوريَّة، الطرف المقابل لحزب الأمَّة في “إعلان باريس”.
وكان مِمَّا استثار شهيَّتنا للاستبشار، على نحو خاص، بجدوى تلك الأطروحة، تصريح عرمان، بعد أشهر قلائل من ذلك اللقاء، بل ومن الاستفتاء نفسه، تعليقاً على زيارة وفدهم إلى الولايات المتَّحدة، بأنهم ركزوا، في محادثاتهم هناك، على “إعادة (توحيد) السُّودان على أساس طوعي، بدءاً من تحقيق (وحدة) بين دولتين مستقلتين ذاتَي سيادة في الجَّنوب وفي الشَّمال على غرار (الاتِّحاد الأوربي)، أو تحقيق كونفِدراليَّة تجمع بين الدَّولتين وجيران السُّودان عرباً وأفارقة” (وكالات؛ 28 مارس 2011م).
(3)
على أن عيوننا، في الأثناء، لم تغفل، لحظة، عن “متلازمة المرض السُّوداني” المتمثِّلة في أن حكومات “الجَّلابة” المتعاقبة في الخرطوم ظلت أسيرة النقوش التي وسمت صورة الذَّات كما تشكلت، تاريخيَّاً، لدى الجَّماعة المستعربة المسلمة على طول الشَّريط النيلي شمالاً، وامتداداتها إلى مثلث الوسط “الخرطوم ـ كوسـتي ـ سنار”، والتي انبثقت، في الأصل، من جذور نوبيَّة، ثمَّ استعربت، وأسلمت، عبر القرون، ولم يعُد لنوبيَّتها أيُّ معنى لديها. لقد بلورت تلك النقوش هويَّة الوعي الزَّائف بالذَّاتيَّة لدى هذه الجَّماعة ونخبها، والقائم في العِرْق العربي الخالص، واللسان العربي الخالص، والثقافة العربيَّة الإسلاميَّة الخالصة، وإن كان لحيثيَّات حركة التحرُّر الوطني الأفريقي، خصوصاً منذ أواخر خمسينات ومطالع ستِّينات القرن المنصرم، أثرها في الدفع بأقسام مهمَّة منها لاستشعار نبض العنصر الأفريقي الآخر، الزنجـي والنوبي والبجـاوي وغيره، ضمن مكوِّنات وعيها هـذا، رغـم البطء والخفوت اللذين يسِمان هذا الاستشعار.
لكن ذلك أمر آخر، فأكثر ما يعنينا، هنا، هو اليسر الذي يمكن به التماس ملامح من هذه الصُّورة الملفقة للذَّات في أساسيَّات المنهج الذي اتبعته، عام 1956م، لجنة التحقيق في أحداث توريت وغيرها عام 1955م. لقد ركزت تلك اللجنة، كما لاحظ فرانسيس دينق، بحق، على ما يفرِّق، تحت تأثير المبالغة في تقدير النتائج التاريخيَّة لعمليَّات “الأسلمة والتعريب” في الشَّمال، وتضخيم الفوارق التي ترتَّبت عليها بين الشَّمال والجَّنوب (فرانسيس دينق؛ مشكلة الهويَّة في السُّودان ـ أسس التكامل القومي، ترجمة محمد على جادين، مركز الدِّراسات السُّودانيَّة، القاهرة 1999م، ص 122 ـ 123). لقد أضحت تلك الفوارق بمثابة العُمَد التي يقوم عليها أيُّ “مرشد” لعمل أيَّة حكومة مركزيَّة تجاه الجَّنوب، عسكريَّة كانت أم مدنيَّة، إلى حدِّ التَّيئيس، قولاً واحداً، من “الوحدة”. ويمكن حصر تلك الفوارق في خمسة:
أوَّلها: أن الشَّمال، عرقيَّاً، عربي، والجَّنوب زنجي، وأن الشَّمال، دينيَّاً، مسلم، والجَّنوب وثني، وأن الشَّمال، لغويَّاً، يتكلم العربيَّة، والجَّنوب يتكلم أكثر من ثمانين لغة.
ثانيها: أن الجَّنوبيين يعتبرون الشَّماليين، لأسباب تاريخيَّة، أعداءهم التقليديين.
ثالثها: أن السِّياسة البريطانيَّة دفعت، حتى 1947م، نحو تقييد تطوُّر الجَّنوبيين على خطوط أفريقية زنجية، وإعاقة أيِّ تقارب بينهم والشَّماليين، مستعينة في ذلك بأداة القانون، كالتشريعات المار ذكرها، مثلما عمل النشاط التعليمي للإرساليَّات التبشيريَّة على تغذية هذه السِّياسة.
رابعها: أن الشَّمال تطوَّر سريعاً في مختلف المجالات، لعدَّة أسباب اقتصاديَّة وسياسيَّة وجغرافيَّة وغيرها، بينما ظلَّ الجَّنوب على تخلفه المزرى، مِمَّا أورث أهله شعوراً بأنهم ضحايا خداع واستغلال وهيمنة من الشَّماليين.
خامسها: أن الجَّنوبيين، لهذه العوامل، يفتقرون للشُّعور بالمواطنة المشتركة مع الشَّماليين، ويفتقرون، من ثمَّ، إلى الشُّعور بالوطنيَّة “لاحظ الإحالة المستعلية إلى الشمال في ما يتصل بمعيار المواطنة!”، وحتى الوعي الذي برز مؤخراً، أي عشيَّة الاستقلال، هو وعي “إقليمي” وليس “وطنيَّاً”.
باختصار كان ذلك التقرير نعياً حقيقيَّاً لكلِّ مقوِّمات “الوحدة”، كونه جاء نتاجاً طبيعيَّاً للذِّهنيَّة النخبويَّة المستعلية بمركزويَّة “الذَّات” في علاقتها مع “الآخر”، والمنطلقة من معياريَّة قائمة في وَهْم نقاء العرق، وفصاحة اللسان، وتفوُّق الثقافة! وفى هذا تكمن التأثيرات المأساويَّة اللاحقة للتقرير، حيث شكل، عمليَّاً، المعطيات المعتمَدة في خلفيَّة جُلِّ السِّياسات المتعاقبة بشأن الجَّنوب، منذ الاستقلال، باستثناء القليل من الشَّواهد التاريخيَّة الإيجابيَّة، كبيان 9 يونيو 1969م، وجهود وزارة شئون الجَّنوب على أيَّام جوزيف قرنق (1969م ـ 1971م)، وما انعكس منها في اتفاقيَّة أديس أبابا 1972م.
وإذن، فقد أشاع ذلك “التقرير/المرشد” وهماً لدى الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال بأن تكريس “الوحدة” لا بُدَّ أن يعني، ميكانيكيَّاً، وبصورة تبسيطيَّة مُخِلة، الانطلاق على طول الخط المعاكس لترتيبات الإدارة البريطانيَّة السَّابقة؛ فأصبحت خطة “الأسلمة والتعريب” المتلازمين، ضربة لازب، في المنظور الإجرائي البحت، والقائمَين في رموزيَّات القوَّة المادِّيَّة، وشطط التفوُّق العِرقي والثقافي، وإهدار حقِّ الآخر في التميُّز، هي البديل “الوطني الحُرِّ المستقل” للسِّياسات الاستعماريَّة تجاه الجَّنوب حتى لم تترك له من سبيل سوى “الانفصال” يوم الاستفتاء!
وقد فاقم من ثقل ذلك البديل، لأقصى حدٍّ، توهُّم الجَّماعة السُّودانيَّة المستعربة المسلمة، أو بالأحرى نخبها، واجب وفائها، في هذه التخوم من العالمين العربي والإسلامي، بمهمَّة “مقدَّسة” تلقت التكليف بها من الجَّماعة العربيَّة المسلمة الكبرى في مركز القلب من هذين العالمين؛ وفحوى هذه المهمَّة “تجسير” الهوَّة التي تعيق حركة “العروبة” و”الإسلام” نحو عالم الأفارقة الوثنيين، لتنساب الحضارة باتجاه واحد: من الشَّمال إلى الجَّنوب، مِمَّا ولد لدى غالب النخب الشَّماليَّة، وبالأخص النخبة الإسلامويَّة التي تسيِّدت اقتصاديَّاً، وسياسيَّاً، واجتماعيَّاً، منذ 1989م، ذهنيَّة “رساليَّة” تجاه الجنوب، تقصي أيَّ مشروع لمثاقفة متكافئة، كي تستعيض عنه بمناهج وآليَّات الإخضاع والاستتباع subordination، مثلما ولد لدى قطاعات عريضة من النخب الجَّنوبيَّة ردود فعل شديدة العنف والحِدَّة تجاه كلِّ ما هو عربي وإسلامي، مِمَّا يتمظهر، غالباً، في الميل إلى تضخيم الانتماء للرُّموزيَّات الثقافيَّة والعرقيَّة “الأفريقانيَّة”، وللديانة “المسيحيَّة”، وللغة “الإنجليزيَّة”، رغم أنف الحقيقة القائلة بأن 60% من العرب موجودون، أصلاً، في “أفريقيا”، ورغم أنف “عربي جوبا” الذي لا تعرف التكوينات القوميَّة الجَّنوبيَّة نفسها، بلغاتها الثمانين، لغة غيره للتواصل فيما بينها lingua franca.
(4)
لسنا البلد الوحيد الذي تلاقحت فيه الأعراق؛ على أنه ما من بلد مثلنا كذب فيه فريق من أهله على أنفسهم، زاعمين الانتساب إلى عرق “خالص” يستعلون به على بقيَّة الأعراق، فوجد الآخرون أنفسهم منخرطين، أيضاً، في الكذب على النفس، مجابهة لهذا الاستعلاء باستعلاء مساو له في المقدار، ومضاد له في الاتجاه!
ولسنا البلد الوحيد الذي قام على تعدُّد وتنوُّع أحوج ما تحتاجه مكوِّناتهما هو الحوار التاريخي الهادئ، والمثاقفة التلقائيَّة الرَّائقة؛ غير أنه ما من بلد مثلنا كابرت فيه جماعة من مواطنيه بتفوُّقها الثقافي والديني واللغوي، طالبة تنازل الآخرين لها عمَّا بأيديهم، وتسليمهم بريادتها المطلقة عليهم، فلم تحصل منهم على غير الإيغال في الكراهيَّة المختلقة، والدَّم المفتعل!
ولسنا البلد الوحيد الذى أدَّى استلحاقه القسري بفلك السُّوق الرَّأسمالي العالمي، وهو، بعد، في مرحلة سابقة على الرَّأسماليَّة، إلى تفاوت قسمة الثروة، وحظوظ التنمية والتطوُّر، بين مختلف أقاليمه؛ سوى أنه ما من بلد مثلنا انطمست بصائر نخبه الحاكمة عن رؤية المخاطر التي يمكن أن تحيق بسلطتها نفسها، فيما لو تحوَّلت هذه المظالم إلى “غبينة” تاريخيَّة!
مع ذلك فإن رهاننا على أطروحتنا، التي سنعرض لتفاصيلها أدناه، قد تركز بالأساس، في أن المقومات الثقافيَّة/النفسيَّة/التاريخيَّة لـ “الوحدة” تبقى، بالنسبة للجَّنوبيين عموماً، وأكثر مثقفيهم خصوصاً، أقوى من دواعي الانفصال المتهومين به في مستوى الوعي الاجتماعي الزائف، والسَّائد في الشَّمال. وقد تكفي أعجل نظرة مستبصرة لتاريخنا الحديث والمعاصر لالتقاط مؤشِّرات جليَّة على سداد ذلك الرِّهان؛ ومن نماذجها الوضيئة*:
(1) أن ذاكرة الرِّق التاريخيَّة لم تحُل، بكلِّ تأثيراتها السَّالبة على صورة العربي المسلم عموماً، والمستعرب السُّوداني المسلم خصوصاً، دون أن تتبلور صورة الإمام المهدي، عليه السَّلام، كابن للرُّوح المقدَّس “دينق” لدى الدينكا، مثلاً، فانخرطوا، من ثمَّ، خلف قيادته في الحرب الثوريَّة ضدَّ الأتراك، وتأسيس أوَّل دولة سودانيَّة موحَّدة.
(2) وأن دينكا نقوك، في منطقة أبيي، قد خُيِّروا، عام 1905م، بين الانضمام إلى مديريَّة “بحر الغزال” في الجَّنوب أو إلى مديريَّة “كردفان” في الشَّمال، فاختاروا الأخيرة، تغليباً لخبرتهم التي راكمت، لاحقاً، ولما يناهز القرن، تحت قيادة سلطانهم دينق ماجوك، مع المسيريَّة بزعامة ناظرهم بابو نمر، نموذجاً فريداً في إمكانيَّة التساكن بين القوامات السُّودانيَّة ذات الأصول المختلفة إثنيَّاً، أي عرقيَّاً وثقافيَّاً.
(3) وأنه، برغم ما عُرف بـ “السِّياسة الجَّنوبيَّة” التى أسَّستها الإدارة البريطانيَّة على ترسانة من قوانين الفصل بين شطري البلاد، كـ “قانون الجوازات والتراخيص لسنة 1922م”، و”قانون المناطق المقفولة لسنة 1929م”، و”قانون محاكم زعماء القبائل لسنة 1931م”، وفرض الإنجليزيَّة لغة رسميَّة في الجَّنوب، وتحديد نهاية الأسبوع فيه بالأحد، وتحريم ارتداء الأزياء الشَّماليَّة على أهله، وابتعاث طلابه لإكمال تعليمهم بيوغندا، برغم ذلك كله لم يحتج الأمر لأكثر من وعد شمالي بتلبية أشواق الجَّنوبيين للفيدراليَّة، كي يصوِّت نوابهم، في أوَّل برلمان سوداني، مع إعلان استقلال السُّودان الموحَّد من داخل البرلمان.
(4) وأنه، برغم المواجهات الدَّمويَّة منذ 1955م، واستمرار “العدائيَّات” الناشئة عن خراقة السِّياسة الشَّماليَّة التقليديَّة تجاه الجَّنوب، وقصر نظر المواقف النخبويَّة الجَّنوبية تجاه الشَّمال، فإن صوت التعبيرات الوحدويَّة، على نحو أو آخر، لم يخفت قط، سواء عقب ثورة أكتوبر، في “مؤتمر المائدة المستديرة /أو/ لجنة الاثني عشر 1965م”، أو في “اتفاقيَّة أديس أبابا 1972م”، أو على هامش العمليَّات الحربيَّة (1983م ـ 2002م)، أو في أقصى ما بلغته “اتفاقيَّة السَّلام الشامل، 2005م” بهذه التعبيرات الوحدويَّة.
(5) وأنه، برغم مكابرة أقسام مهمَّة من الإنتلجينسيا الجَّنوبيَّة بالإصرار على تضمين الدُّستور نصِّاً بأن الإنجليزيَّة هي لغة الجَّنوب الرَّسميَّة، بل واقتراح بعضهم السَّواحيليَّة، كالشاعر سِر أناي كلويلجانق (Sir Anaye, Nile Mirror, Feb. 1974)، فإن كلمة “الثقافي” الحاسمة قد مضت في هذا الأمر، فانحصر استخدام الإنجليزيَّة بين النخب المتعلمة، وهى ليست لغة أفريقيَّة بأيِّ معنى، بينما واصلت اللغات المحليَّة رسالتها، من جهة، ومن جهة أخرى تكرَّس “عربي جوبا”، لغة للتواصل lingua franca بين التكوينات القوميَّة المختلفة في الإقليم، على غرار “عربي أم درمان” في الوسط وشتَّى مناطق الشَّمال؛ ولا غرو، فالعربيَّة لغة أفريقيَّة حملها “الجَّلابي .. إلى الجَّنوب .. منذ 1878م، ووزَّع مفرداتها وصيغها مع بضائعه، ووجـدت فيها قبائل الجَّـنوب .. لغة تتفاهم بها في ما بينها” (عبد الله على إبراهيم؛ الماركسيَّة ومسألة اللغة في السودان، عزة للنشر، الخرطوم 2001م، ص 40). ومع الإقرار بأن هذا كله لا يزال أقصر من قامة المعالجات المطلوبة فى إطار أيِّ تخطيط ثقافي ديموقراطي راشد، إلا أننا “.. لسنا بحاجة إلى اعتساف هذا التطوُّر الحُرِّ والموضوعي بصيغ دستوريَّة .. تنطوي على الإكراه”(نفسه).
(6) وأن الكثير من التحليلات لاحظت، عن حق، نزوح أغلب الجَّنوبيّين شمالاً، أوان حصار الحرب والفاقة لهم، مقارنة بمَن لا يلجأ منهم إلى بلدان الجوار الأفريقي إلا مضطراً.
(7) وضمن الملاحظات السَّديدة للشاعر سِر أناى كيلويلجانق، في هذا الإطار، استخدام كلِّ اللغات الجَّنوبيَّة تقريباً لمفردة “جور”، بمعنى “الغريب”، إشارة إلى اليوغندي أو الكيني أو الزائيري مثلاً، مقابل استخدام مفردة “مندوكورو” في الإشارة إلى المستعرب المسلم الشَّمالي “الجلابي” (كمـال الجـزولي؛ الآخـر، مدارك للنشر، القاهرة 2006م، ص 24)؛ وكذلك إحساس الجَّنوبي، أوان تجواله في مدن الشَّمال وقراه، بأنه إنما يتجوَّل في أرض تخصُّه، بعكس إحساس الغربة الذي ما يلبث أن يلفه بمجرَّد أن تطأ قدماه أرض أيِّ بلد آخر، حتى لو كان في الجِّوار الأفريقي (نفسه، ص 25)؛ واستطراداً، فإنه لا يعود سائغاً، بالنظر إلى هذه الملاحظة الأخيرة، التأويل العدائي الذي ساقته غلظة كبد الإعلام الرَّسمي، وجلافته، لعبارة الرَّاحل جون قرنق بأنه كان “يشتهي أن يشرب القهوة في المتمَّة”!
(8) وأنه، على الرغم مِمَّا كان يلوح، أحياناً، أثناء مفاوضات السَّلام في كينيا، من ميل “مظهري”، لدى جنوبيي الحركة الشَّعبيَّة، إلى “المفاصلة”، إلا أن “عين السَّخط” وحدها هي التي لم تكن تلمح، من وراء ذلك، طيوف رغبة جنوبيَّة حقيقيَّة في الوحدة، وإنْ بأشراط أكثر غلظة تحت شعار (السُّودان الجَّديد)!
(9) وأن النوايا السَّيّئة وحدها، أيضاً، هي التي لا تستطيع أن تلتقط الدَّلالات الوحدويَّة الصَّادحة في حدثين بسيطي المظهر، عميقي المخبر، وقعا خلال أبريل 2009م:
أ/ أوَّلهما لمسة الوفاء التي سجلها اتحاد الطلاب الجَّنوبيين لمدرسة الشَّيخ لطفي الثانويَّة برفاعة، والتي ظلت تحتضن، منذ 1984م، وبجهد أهلي مرموق، الآلاف من طلاب الجَّنوب النازحين من ظروف الحرب، فتوفر لهم فرص التعليم المجَّاني، حتى بلغ عدد الذين تخرَّجوا منهم فيها 13 ألفاً، وتشمل اللمسة خطة إعادة تأهيل المدرسة من حُرّ تبرُّعات الخرِّيجين، وحثَّ حكومة الجَّنوب على إطلاق اسم الشَّيخ لطفي على أحد أكبر شوارع جوبا، فضلاً عن إنشاء مدرسة في إحدى مدن الجَّنوب توازي مدرسته، فتستوعب الطلاب الجَّنوبيين والشَّماليين دعماً لـ “الوحدة الوطنيَّة”.
ب/ الحدث الآخر هو تفويج أندية الاستوائيَّة لكرة القدم 300 من الشَّباب، من الجِّنسين، بقافلة بصَّات من جوبا إلى كمبالا، يلوِّحون بأعلام السُّودان، مؤازرة لفريق “المريخ” الأمدرماني في مباراته أمام فريق “كمبالا ستي” اليوغندي، ضمن بطولة الأندية الأفريقيَّة، مِمَّا شكل أهمَّ عوامل انتصاره في ذلك اليوم.
(10) وأن الكثير من الشَّماليين أصبحوا أكثر تذوُّقاً لمشغولات العاج والأبنوس اليدويَّة الجَّنوبيَّة handicraft، كما وأن الكثير من سائقي السَّيارات وأصحاب الكناتين في الجَّنوب يضبطون مؤشّرات راديوهاتهم على إذاعة “أم درمان”، لتصدح، ليس فقط بأغاني وردي وكابلي وزيدان وإبراهيم عوض، بل حتى النعام آدم ومحمَّد كرم الله وسائر طنابير الشَّمال النيلي!
(5)
وإذن فلا يأس. بل ليس من قبيل المعجزات، أصلاً، إن نحن تدجَّجنا بما يلزم من الوعي، وما يكفي من الإرادة السِّياسيَّة، أن يفضي بنا الانتباه لإيجابيات تساكننا، وحقائق صراعاتنا نفسها، فضلاً عن حركة التدافع، وطنيَّاً وإقليميَّاً وعالميَّاً، إلى مستقبل “تستعيد” فيه بلادنا “وحدتها”، لا على خط الانحدار السَّابق، وإنما على أسس وطنيَّة جديدة وراسخة، حيث تنعم بدرجة معقولة من توازن التطوُّر، وتساوي الأعراق، وتعايش الأديان، وتحاور الثقافات، وتساكن التكوينات القوميَّة المختلفة. وما من شكٍّ في أننا سنكون أكثر قرباً من هذا المستقبل، بقدر ما سيراكم تاريخنا من معطيات موضوعيَّة تتيح لكل مفردة في منظومة تنوُّعنا وتعدُّدنا أن تعي ذاتها، في نسق علاقاتها بالمفردات الأخرى، دونما أوهام؛ وأن تدرك مصالحها، في لجج هذا الصراع والتدافع، بصورة أفضل وأكثر واقعيَّة، الأمر الذي سيجعل من التوازن، والتكافؤ، والنديَّة، والمساواة، والحوار، والتعايش، والتساكن، ليس، فقط، حالة بديلة عن حالة الاحتراب التي أسلمتنا إلى الانفصال، بل ضرورة لا غنى عنها لوجودنا نفسه!
هذا هو التحدِّي الشاخص في أفق تطوُّرنا، في الوقت الراهن، والذي يَفترض أن نعكف، منذ الآن، على إتقان مجابهته بإحسان تدبُّر أخطائنا السَّابقة التي أودت، في أبشع مآلاتها، بوحدة الوطن؛ فالمستقبل المأمول ليس محض طور من أطوار الارتقاء التلقائي، بحيث يقع حتماً، في كلِّ الأحوال، سواء عملنا أم لم نعمل لأجله، وإنما تلزمه حركة دفع قصديَّة جادَّة باتجاهه، تستهدف تحقيق درجات عليا من “التنمية”، وليس مجرَّد “النمو”، وتسعى لبلوغ هذه الدرجات في مستوياتها “البشريَّة”، لا مجرَّد “المادِّيَّة”، وتخرج بها من احتكار “مثلث الوسط الذهبي”، و”المركز” في قلبه، إلى رحاب الوطن بأسره، و”هوامشه” كافة، مِمَّا يمكن إجماله فى ثلاثة محاور أساسيَّة:
(1) الانطلاق من مجرَّد الإقرار بواقع التنوُّع إلى تصميم برامج للتنمية المتوازنة بين مكوناته كافة، مع إعطاء الأولويَّة لإعادة استثمار الموارد القوميَّة، بما في ذلك البترول حيثما وجد داخل الوطن، في القطاعين الزِّراعي والصِّناعي، وفي كلِّ مجالات التنمية القوميَّة الاقتصاديَّة ـ الاجتماعيَّة، كخطة ذات جدوى أكبر من مجرَّد الاقتصار على “قسمة العائد” البائسة التي سبق لحكومة الإنقاذ أن اتفقت عليها مع مجموعتي رياك مشار ولام أكول، ضمن ما عُرف، وقتها، بـ “اتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام لسنة 1997م”، فما لبثت أن غدت، لاحقاً، “عجلاً مقدَّساً” لم يكن من الممكن تجاوزه ضمن مفاوضات السَّلام الشَّامل في ضواحي كينيا! غير أن من المهم، أيضاً، وفي نفس الوقت، تخصيص ما يكفي من الموارد للإسراع في ردم فجوة “التَّهميش” التي تعانى منها مناطق شاسعة من الوطن، وذلك بتفعيل نظام “التَّمييز الإيجابي positive discrimination”، حيث لا بُد من إيلاء الاعتبار الكافي لمبدأ “المعاملة التفضيليَّة” للمناطق التي تمثِّل منابع الثروات القوميَّة، وإعادة استثمار عائدات هذه الثَّروات، كالبترول، والذهب، والإنتاج الزِّراعي والحيواني، مثلاً، لأغراض الارتقاء بخدمات الصحَّة والتعليم وغيرها في هذه المناطق، سواء كان ذلك من خلال ما تخصِّصه الميزانيَّة السَّنويَّة العامَّة، أو ما يُرصد ضمن ميزانيَّة التنمية.
(2) ولأن العامل الاقتصادي غير قمين، وحده، بكفالة حلِّ مشاكل التساكن القومي، ولنا الأسوة غير الحسنة، رأسماليَّاً كان أم اشتراكيَّاً، في ما وفرت، على سبيل المثال، خبرة الاتحاد السُّوفيتي وبعض بلدان الدِّيموقراطيَّات الشَّعبيَّة سابقاً، فضلاً عن المُشاهَد، عياناً بياناً، من مشاكل الباسك في أسبانيا، والبريتان في فرنسا، والكويبك في كندا، على سبيل المثال، فلا مناص من التواضع على بناء دولة مدنيَّة ديموقراطيَّة مؤسَّسة جيِّداً على مبادئ المواطنة، والعدالة الاجتماعيَّة، والحُرِّيَّات العامَّة، وحقوق الإنسان كافة، كما نصَّت عليها المواثيق الدَّوليَّة، لتكون حاضنة وطنيَّة لهذه العمليَّات، ليس في مستوى الإطار الدُّستوري والقانوني، فحسب، وإنما بالمراجعة التاريخيَّة المطلوبة بإلحاح لمحدِّدات الهُويَّة الوطنيَّة في السِّياسات الثقافيَّة، ومناهج التربية والتعليم، وبرامج الراديو والتلفزيون، وغيرها من أجهزة الإعلام، ووسائط الاتصال الجَّماهيريَّة ذات الأثر الحاسم في صياغة بنية الوعي الاجتماعي العام، بما يشيع مناخاً صالحاً لازدهار كلِّ المجموعات القوميَّة داخل الوطن، بمختلف ثقافاتها، وأديانها، ومعتقداتها، ولغاتها، ويهيئ لانخراطها في مثاقفة ديموقراطيَّة هادئة في ما بينها، فـ “ليس أمرُّ من صدام الثقافات .. وأدمَى”، على قول حكيم للمرحوم جمال محمد أحمد. خطوة كهذي يستحيل إنجازها عبر صفقة منفردة بين نخب في “الهامش”، مهما بلغ نفوذها، ونخبة في “المركز”، بالغاً ما بلغ فلاحها في بسط سلطانها، بل لا بُدَّ من إنجازها عبر أوسع مشاركة للجَّماهير المنظمة، على مستويي “المركز” و”الهامش”، في أحزابها، وتنظيماتها السِّياسيَّة، ونقاباتها، واتحاداتها المهنيَّة والنوعيَّة، ومؤسَّساتها المدنيَّة الطوعيَّة، وروابطها الإقليميَّة والجهويَّة وغيرها.
(3) وإلى ذلك لا بُدَّ من انخراط الجَّماعة المستعربة المسلمة في حوار داخلي سلمي وحُر بين جميع أقسامها، لتأتي إلى كلمة سواء بشأن فهومها المتعارضة، هي نفسها، لدينها الواحد، في علاقته بالدَّولة وبالسِّياسة، الأمر الذي لطالما شكل، منذ فجر الحركة الوطنيَّة، بؤرة نزاعات خطرة لم يقتصر أثرها السَّالب على معظم هذه الأقسام، فحسب، بل وامتدَّ ليطال، عموماً، علاقات هذه الجَّماعة بمساكنيها من أهل الأعراق والأديان والثقافات الأخرى، بما أعاق وما زال يعوق “الوحدة الوطنيَّة” من كل جانب.
تفصيل هذه المعالجات ما يلبث أن يكشف عن أنها سيرورة تاريخيَّة باحتمالات برامجيَّة لانهائيَّة. ولذا من الصَّعب، بل من العبث، محاولة حصرها، هنا، أو تقييدها بمدى زمني محدَّد، أو بحكومة بعينها. وقد تتعرض هذه البرامج لانتكاسات حتى بعد التواضع عليها، وقد تبلغ هذه الانتكاسات حدَّ تكرار تجربة “الانفصال” نفسه في المديين القريب والمتوسِّط. على أن جملة عوامل “التوحيد” التي أشرنا اليها تدفعنا إلى التفاؤل بأن خيار “الوحدة”، أو “إعادة التوحيد”، سوف يشكل الخيار النهائي في المدى البعيد. وربما زودتنا بالمزيد من التفاؤل عبارة سـِر أناي الشَّـاعرية الحكـيمـة، عـليه رحـمـة الله ورضوانه: إن الآلام التي يعانيها وطننا الآن هي، يقيناً، آلام “الطلق”، لا “المرض”!
(6)
نطلُّ، بعد ذلك، من فوق هذه الرَّبوة الفكريَّة/التاريخيَّة، على متن أطروحتنا نفسها، والتي نستبشر، الآن، خيراً بنفض الغبار عنها ضمن حزمة الأفكار الرئيسة في “إعلان باريس”. ونحن إذ نعيد التذكير بها، هنا، فإنما نوردها بنفس الصِّيغة التي كنا طرحناها بها أوَّل مرَّة، وإنْ بتصرُّف طفيف اقتضته الضَّرورة، مساهمة منا في تعميق أهميَّتها في الأذهان. وقد شملت تلك الأطروحة مستويين، الأوَّل رسمي والآخر شعبي، وذلك على النحو الآتي:

أوَّلاً: في المستوى الرَّسمي:
(1) ينبغي أن يقرَّ الطرفان، وبالأخص الطرف الشَّمالي، بنتيجة الاستفتاء بشكل سلمي، فعلاً لا قولاً، مِمَّا ييسِّر نشأة دولتين مستقلتين استقلالاً تاماً، في الشَّمال والجَّنوب، بحيث تصبح حدود 1956م الإداريَّة القديمة بينهما حدوداً دوليَّة؛
(2) وأن يتفقا، فوراً، على توأمة هتين الدَّولتين بإنشاء “اتحاد” بينهما، أساسه سوق مشتركة، وعملة موحَّدة، وجنسيَّة مزدوجة، ولو جزئيَّاً في البداية؛
(3) وأن تكون لهذا “الاتحاد” أجهزة مشتركة لخدمة المسائل المحدَّدة أعلاه، وغيرها مِمَّا يُتفق عليه؛
(4) وأن تشرف على عمل هذه الأجهزة مفوضيَّة يُتفق على طريقة تكوينها وتشكيلها؛
(5) وأن تكون لهذه المفوضية رئاسة وأمانة عامة تداوليتان متفق عليهما؛
(6) وأن تكون (أبيي)، التي ينبغي أن تتمتع، بعد مشورة أهلها، بشكل يُتفق عليه من الحكم الذاتي، سواء أتبعت إلى الجَّنوب أو إلى الشَّمال، منطقة تمازج، وعاصمة إداريَّة لـ “الاتحاد”؛
(7) وأن تتفق الدَّولتان على أن يتمتَّع مواطنوهما بالحُرِّيَّات الأربع “التنقل ـ الإقامة ـ العمل ـ التملك” داخل “الاتحاد”. وحتى لا تبدو هذه المسألة، بالذَّات، عصيَّة على القبول، للوهلة الأولى، نورد جانباً من المواقف المتشابهة، واللغة المتقاربة، التي انتثرت، لاحقاً، في تفاهمات وخطابات أطراف أساسيين من المعنيين بالأمر، على النحو الآتي:
أ/ شمل البروتوكول الذي وقَّعته الدَّولتان بأديس أبابا، في الثَّالث عشر من مارس 2012م، ضرورة أن يتمتَّع مواطنو كلٍّ من الدَّولتين في الدَّولة الأخرى بـالحرِّيَّات الأربع “التَّنقُّل ـ الإقامة ـ العمل ـ التَّملك”، تأكيداً، حسب منطوق البروتوكول، علـى “رغبة الشَّعبين فـي التَّعايش السِّلمي وبناء علاقات متناغمة بينهما”؛
ب/ ورغم الخلاف الذي نشب، لاحقاً، حول ذلك البروتوكول داخل النُّخبة الحاكمة، فأودى به، إلا أن عودة سريعة إليه ما لبثت أن جرت عندما وقَّع الطرفان اتفاقيَّة السَّابع والعشرين من أغسطس 2012م التي تتضمَّن، أيضاً، موضوعة “الحرِّيَّات الأربع”؛
ج/ وقد دافع مفاوضو الحكومة عن تلك الاتِّفاقيَّة دفاعاً مجيداً في وجه الانتقادات العنيفة التي وجهت إليها وإليهم من داخل حزبهم وحكومتهم، حيث تمنَّى كبيرهم، إدريس عبد القادر، مثلاً، “أن ترتفع الحرِّيَّات مع الجَّنوب إلى 40 وليس مجرد 4″، واصفاً رافضيها بأنهم “خارج التَّاريخ” (الصَّحافة؛ 3 أكتوبر 2012م)؛
د/ كما صرَّح سيِّد الخطيب، عضو الوفد الحكومي المفاوض، بأن “الجَّنوبيين إخواننا، والعجرفة كلفتنا كثيراً”، واصفاً رافضي “الحرِّيَّات الأربع” بـ “الافتقار للثِّقة بالنَّفس” (الجَّريدة؛ 4 أكتوبر 2012م)؛
هـ/ أما حزب الأمَّة القومي فقد طرح، قبل سنتين، مشروعاً متطابقاً تماماً مع أطروحتنا تلك، حيث دعا، في ذلك الوقت، لإبرام “اتفاقيَّة توأمة” بين الدَّولتين تقوم على أسس أهمِّها الجِّنسيَّة المزدوجة، والحرِّيَّات الأربع، وآليَّات التَّعاون والتَّنسيق المشتركة (أنظر: كتيِّب الحزب بعنوان “مؤتمر السَّلام السُّوداني”، 11 يوليو 2012م، ص 14 ـ16)؛
و/ وأما الحركة الشَّعبية بالشَّمال، فقد شدَّد رئيسها مالك عقار، لدى مخاطبته اجتماع مجلسها القيادي، أواخر أغسطس 2012م، بكاودا بجبال النوبا، على ضرورة “الوحدة الكونفدراليَّة بين السُّودان وجنوب السُّودان” (البيان؛ 29 أغسطس 2012م).
(8) وشملت الأطروحة، من جانب آخر، وفي المستوى الرَّسمي أيضاً، ضرورة أن تتفق الدَّولتان على أن تمتنع “الدَّولة السَّلف Predecessor State” عن إسقاط جنسيَّتها عمَّن اكتسبوها أو استحقوها بالميلاد أو التجنُّس، قبل حصولهم على جنسيَّة “الدَّولة الخلف Successor State” بالاختيار، تفادياً لخلق أيَّة حالة “بدون Statelessness”؛
(9) وأن يتفقا على أن يشتمل النظامان القانونيَّان في البلدين على السَّماح باكتساب الجِّنسيَّة المزدوجة، ولو جزئيَّاً، مع مراعاة أولويَّة منحها للمجموعتين الآتيتين:
أ/ الشَّماليين الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم بالجَّنوب، والجَّنوبيين الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم بالشَّمال، تزاوجوا أم لم يتزاوجوا. فإحساس هؤلاء أو أولئك بتهديد الانفصال لحياتهم ومصالحهم قد يؤدي إلى العنف، وربما استعادة مناخ الحرب؛
ب/ القبائل الحدوديَّة بين الدَّولتين، من أقصى الغرب إلى أقصى الشَّرق، ويقدَّر عدد أفرادها بـ 9 ملايين شمالي، و4 ملايين جنوبي، أي قرابة ثلث إجمالي سُّكان الدَّولتين. فإذا علمنا، مثلاً، أن قبيلة المسيريَّة الشَّماليَّة وحدها، والموزَّعة على 9 أفرع، ويبلغ عدد أفرادها زهاء الـ 135 ألف شخص يمارسون الرَّعي، بالأساس، ويمتلكون 10 ملايين رأس من الأبقار التي ترتبط حياتها بالتوغَّل وراء الماء والكلأ، في موسم الجَّفاف، إلى الجنوب من بحر العرب، وصولاً إلى بانتيو، لأكثر من 6 أشهر في السَّنة، وفي مناطق تتبع لقبيلة دينكا نقوك الموزَّعة على 9 أفرع، أيضاً، والبالغ عدد أفرادها زهاء الـ 75 ألف شخص يمارسون الرَّعي، بالأساس أيضاً، إلى جانب الزِّراعة والتجارة في مدينة أبيي، لأدركنا، إذن، حجم الخطر الذي يمكن أن ينجم، غداً، عن مجابهة هؤلاء أو أولئك لحقيقة عدم استطاعتهم ممارسة رحلتهم “الجَّنوبيَّة/الشَّماليَّة” هذه بسبب حظرها غير المستبعد غداً، فجأة، من جانب هذه الدَّولة أو تلك!
صحيح أن القاعدة المرعيَّة في القانون الدَّولي، وقد نبَّه إليها قرار تحكيم أبيي بلاهاي في سبتمبر 2009م، أن القبائل الحدوديَّة ينبغي ألا تضار من أيِّ إجراءات ترتِّبها الدُّول في ما بينها! لكن هذه القاعدة التي يمكن النطق بها في عبارة موجزة، وكلمات قلائل، قد يحتاج تطبيقها إلى أعمار أجيال بأكملها تضيع ما بين التفسير، والتقاضي، والجُّهود الدِّبلوماسيَّة، واللجوء إلى المنظمات والمحاكم الإقليميَّة والدَّوليَّة، مِمَّا لا يُتصوَّر أن تتحمَّله القطعان المحرومة، فتنفتح، هنا أيضاً، ذريعة أخرى للحرب!
ثانياً: في المستوى الشَّعبي:
(1) أن يجري دفع شعبي واسع، في كلا البلدين، باتجاه خلق وضعيَّة ذهنيَّة ونفسيَّة تحاصر “الانفصال” في “قمَّة هرم” السُّلطة في الدَّولتين، بحيث لا تتأثر به “القواعد” إلا في أدنى الحدود؛
(2) ولأجل هذا يتمُّ استنهاض حركة واسعة تستوعب النشاط الحزبي والنقابي والمدني، ويحدوها الإبداع الأدبي والفنِّي الهادف، في كلا الدَّولتين، لـ “توحيد” الطموحات الشَّعبيَّة نحو هذه الغاية.
(3) وفي هذا الإطار يجري، على سبيل المثال، “توحيد”، أو، على الأقل، تنسيق جهود الاتحادات الدِّيموقراطيَّة لعمَّال البلدين، ومزارعيهما، ومهنييهما، ونسائهما، وشبابهما، وطلابهما، ورياضييهما، ومبدعيهما، وصحفييهما، وما إلى ذلك، بالأخص ما يتصل من هذه الجُّهود بالتمثيل الخارجي.

(7)
وبعد، فإن انتباه الكيانين الكبيرين “الأمَّة والجَّبهة الثَّوريَّة” لتضمين الإشارة إلى أطروحة “كونفِدراليَّة الدَّولتين المستقلتين” في “إعلان باريس”، يفتح الشهيَّة، بل يمثِّل دفعة نوعيَّة قويَّة باتِّجاه استردادها من “الحُلم” إلى “العِلم”، لا لاجترارها عبثاً، المرَّة تلو المرَّة، وإنما لتطويرها بفرض عين المساهمات الواجبة على المثقفين الوطنيين أجمعهم، وعلى الفعاليَّات الوطنيَّة كافة، السِّياسيَّة والمجتمعيَّة.
***
الهامش:
* نرجو مراجعة هذه المسألة بتوسُّع ضمن كتابنا “الآخر” الصادر عن دار مدارك عام 2006م، وضمن روزنامة 15 يونيو 2009م بعنوان “شرب القهوة في المتمَّة”، وضمن ورقتنا أمام “مؤتمر الأحزاب السُّودانيَّة بجوبا” في سبتمبر 2009م، وضمن روزنامة 12 أكتوبر 2009م بعنوان (يا واحداً في كلِّ حال: آخر العلاج الكي)، وكذلك ضمن ورقة “محدِّدات الفرصة الأخيرة لبقاء الدَّولة السُّودانيَّة موحَّدة” المنشورة على حلقات بصحيفة “الأحداث” ما بين أواخر نوفمبر 2009م ومطالع ديسمبر 2010م، والتي قدِّمت كمحاضرة لـ “جمعيَّة الصحفيين السُّودانيين بالسُّعوديَّة”، بـ “فندق القصر الأبيض” بالرِّياض، في 24 مارس 2010م، وكمحاضرة لـ “مركز الخاتم عدلان للاستنارة بالخرطوم” في 30 مارس 2010م، ثمَّ ضمن محاضرة “سيناريوهات الوحدة والانفصال” بـ “دار الحزب الشِّيوعي بالخرطوم بحري” في 14 أكتوبر 2010م.
***

   كمال الجزولي

                       kgizouli@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*