الرئيسية / مقالات / د.أمل الكردفاني:الحكومة الجديدة..صفوة الحثالة

د.أمل الكردفاني:الحكومة الجديدة..صفوة الحثالة

Sudan voices                       

د.أمل الكردفاني

لم اندهش لتشكيلة التيم الجديد ولا أعرف ماذا كان يتوقع الناس؟ المدهش فعلا هو اندهاش الناس من هذه التشكيلة ، دعني أضع بعض النقاط على الحروف فيما يتعلق بقبول المناصب في الدولة ؛ ذلك أنه لا يخلو من دافعين:
الدافع الأول: دافع وطني لعلاج أزمة ما.
الدافع الثاني: دافع شخصي للحصول على منافع خاصة من خلال نفوذ المنصب.
بالنسبة للدافع الأول: هو غير متحقق أساسا. ليس لأن هؤلاء ليسوا وطنيين ، وإنما لأن الأزمة لا يمكن معالجتها أساسا. إن الأزمة ليست داخلية ، ليست في إشكالية إدارية أو قانونية أو حتى ترتبط بالفساد أو الاحتجاجات الشعبية أو خلافه. الأزمة اليوم وكما قلت عشرات المرات هي أزمة خارجية في المقام الأول. لقد تحدثت من قبل عن أن القوى الدولية بدأت في عملية خنق النظام منذ عام 2014 ، وتسارعت الخطى عند اعلان أوباما فك الحظر ؛ وبدأ الخنق يشتد عندما اتخذ ترامب قراره الحاسم بانهاء الحصار… خطة أمريكا هي العمل في اتجاهين متعاكسين ، اتجاه يحاول منح النظام اوكسجين مؤقت ليتنفس ، وخطة معاكسة وهي خنق النظام بشكل بطيء. عندما تعلن أمريكا تخفيف حصار فهي في الواقع تخفي عكس ذلك ، إنها في الواقع تزيد الحصار بل وتحوله من مجرد حصار بسيط إلى حصار شامل.
استطاعت أمريكا إرهاق أنظمة كثيرة دون شن حرب كنظام كاسترو في كوبا وايران وصدام العراق ونظام الفتى كيم في كوريا ، ثم (قرصة ودن) لأردوغان أعادته إلى صوابه ومعرفة حجمه الطبيعي …الخ. 
الركابي -على سبيل المثال- وصل لنفس هذه النتيجة ثم أعلنها صراحة: تسولنا حتى من النصابين ولم يمنحونا شيئا.
الركابي لم يكن أحمقا ؛ بل لو كنا صادقين فهو من الكفاءات بلا منازع. لكنه أراد أن يقول تعريضا ما لا يجوز قوله تصريحا. وباختصار أراد أن يقول:
(كش ملك)…
انتهت اللعبة. 
لذلك فالدافع لقبول منصب اليوم لا يمكن أبدا أن يكون إيجاد حل إلا إن كان من قبله أحمقا. 
والحقيقة أن الولايات المتحدة ليست دولة كباقي دول العالم كما يعتقد البعض حتى من الأمريكان أنفسهم. أمريكا في الواقع دولة لها عمقها المظلم ، هناك في القيعان الكالحة تضع خطط لعالمنا نحن ، خطط لعشرات بل مئات السنين ، تقريبا لا يمكن أن تفاجأ أمريكا بقفز شخص إلى رئاسة دولة إن لم يمر قبلها بعملية فحص دقيق أو تجهيز مسبق أو تحليل آني. والسؤال الأخطر الذي أظل اسأله لنفسي:
هل تريد أمريكا إنهاء البشير أم انهاء منظومة الإسلاميين؟
لقد تم رسم خطة واضحة لعزل البشير عن الحركة الإسلامية وتم دفعه -بغير وعي- إلى أن يقف اليوم في الواجهة وحيدا. المؤتمر الوطني في الواقع ليس حزبا بالمعنى التقني للحزبية بل هو تجمع سلطوي ، استنزفت آيدولوجيته الدينية تماما وتحول لحزب منتفعين. مع ذلك ظل يحتمي بشعاراته القديمة وهو يعلم أنها قد فقدت بريقها. وحتى هذا انعزل عنه البشير وأصبح اليوم -وكما تريد أمريكا- كبش الفداء الذي سيتم ذبحه لحماية المنظومة الفاسدة كلها. بدلا عن أن يوضع الإسلاميون المنتفعون في الخيار الصعب بين القفز العلني من السفينة الغارقة ، أو الاستبسال حتى آخر رمق . أعانهم البشير وأتخذ القرار بدلا عنهم. لقد عزل نفسه قبل أن يعزلوا أنفسهم ،  وهكذا منحهم صك البراءة من تحمل المسؤولية في أي مرحلة مستقبلية.
حكومة صفوة الحثالة هذه ليست بالقضية ذات الأهمية ؛ فنحن يجب أن نفكر في الواقع كواقع وليس كما نتمناه لنتمكن من تحديد مواقفنا من الخيارات المتاحة أمامنا اليوم…تمهيدا لما بعد هذه المرحلة.
ما يجب أن نسأله لأنفسنا:
كيف ستكون نهاية البشير؟
ومتى؟
وما الموقف الذي يمكن ان نتفق على وقوفه من منظومة الحركة الإسلامية مستقبلا؟
وكيف سنعالج كارثة بقاء تلك المنظومة فيما بعد؟
كيف سنقصقص ريش أجنحتها؟
وهل نملك أدوات فعل ذلك؟
من هو الطرف الأقوى في هذه المعادلة؟
وكيف سنتعامل مع رغبات دولة كالولايات المتحدة والتي قد تتعارض مع مصالح الشعب؟
وكيف نتفاوض معها لابرام اتفاقية تحفظ مصالح الشعب ومصالح أمريكا في المنطقة في نفس الوقت؟
لقد قال بطرس غالي الأمين الاسبق للأمم المتحدة:
” العدو الذي تستطيع هزيمته بالحرب فحاربه ، فإن كان ذلك صعبا فتفاوض معه ، فإن كانت كفته في التفاوض أرجح فانضوي تحت جناحه”.
أعتقد أننا لا نخرج عن الخيارين الأخيرين؛ فإما التفاوض مع الولايات المتحدة أو الانضواء تحت كفلها. ولكل خيار آثاره المختلفة ويجب أن نتمتع بالكفاءة اللازمة والحنكة المطلوبة لإدارة تفاعلاتنا الدولية بلا عاطفة عمياء ولا استسلام مهين… لكن لنصل إلى هذه الموازنة الصعبة لابد أن نفهم الأشياء على حقيقتها وليس كما نتمناه نحن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*