Sudan voices

ألحرية والسلام والعدالة ,,

     إنه شعار الثورة الذي أختاره الشعب , مفردات بسيطة وطموحة اختزلت الأهداف في ثلاث كلمات لا رابع لها , وتعتبر هذه المفردات الثلاث بمثابة التحدي الحقيقي لمنظومات الحكم التي سوف تأتي بعد إسقاط الإنقاذ , أولها الحكومة الانتقالية ثم تليها الحكومة المنتخبة ديموقراطياً من جماهير الشعب الممكونة والمسلحة بالصبر , فتركة البشير مثقلة بالديون المادية و المعنوية والسمعة السيئة , وليس بالأمر السهل أن يقوم البديل الديموقراطي بانتشال الوطن من وهدته بين عشية وضحاها , فالتخريب الذي لحق بمؤسسات الدولة يحتاج إلى جهد صادق وعمل بناء , ليعيد صياغة المصالح والدوائر الحكومية بما يتفق و المعايير الدولية  في الإدارة , و أبجديات الحكم الرشيد المبني على المؤسسية و الشفافية والمساءلة.

     الحرية مطلب شعبي ظل يمثل الهاجس المخيف لجميع أنظمة الحكم , التي تعاقبت على كرسي السلطة في البلاد منذ خروج البريطانيين و إلى اليوم , فأينما ذكرت كلمة الحرية انتفض المتزمتون دينياً و هاجموا دعاتها , و أمطروهم بوابل من الكلمات الصارخات ونعتوهم بأفظع الأوصاف , دون الرجوع إلى أساسيات المنهج الذي ينطلقون منه , ألا وهو تثمين دور هذه الحرية ذات نفسها و ورودها كنصوص صريحة واضحة و بليغة , أوحى بها رب العالمين لرسوله الأمين ومنها على سبيل المثال لا الحصر : قوله تعالى  (فذكر إنما أنت مذكر , لست عليهم بمسيطر) , و (لكم دينكم ولي دين) , و (فمن شاء فاليؤمن و من شاء فاليكفر) , و(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي … إلى آخر الآية).

     ففي المرحلة المقبلة من تاريخ الأمة السودانية , لا يريد الناس كبتاً و لا تأمراً  أو تنمراً من أحد , سواء كان ذلك إلجاماً لإعلامهم وصحافتهم الحرة  أو خصماً من حرياتهم العامة والفردية , مهما كانت كينونة هذا (الأحد) , إن كان جهازاً للأمن وشرطة للنظام العام  , وأمن للمجتمع الآمن والمفترى عليه بعدم تمتعه بالأمن والأمان , أو كان قضاءً أعرجاً يكيل بمكيالين في قضايا هذه الحريات الشخصية و العامة , فبدون الحرية لا يمكن لأي أمة من الأمم التي تشاركنا هذا الكوكب أن تنهض , و بغير هذه الحرية لا تسطيع الشعوب أن تسموا نحو آفاق النماء الاقتصادي و الرقي الاجتماعي و الاصلاح السياسي.

     والعدالة لا تسود بين مجتمعات مظلومة ومقهورة بواسطة جهاز وسلطة الدولة , فالعدل أساس الحكم , كبديهة شائعة يعرفها راعي الأبقار في فيافي المجلد والنهود و بابنوسة , فلو أن  هؤلاء الجباهجة قد طبقوا مقصد الآية الكريمة:( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أٌقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون) قولاً وفعلاً و عملاً , بدلاً من أن  يستهلكوها ويتاجروا ويستثمروا في كلماتها ومعانيها ليشتروا بها ثمناً  قليلا من عرض الحياة  , لكفوا المتظاهرين والمتظاهرات و الثائرين والثائرات شر القتال وهدر الدماء و فداحة خسائر علب البنبان الدولارية , فالعدل لا يحتاج إلى مباني شاهقة مرسوم على يافطتها ميزان كبير متعادلة  كفتاه , وإنما ينبع من الضمير الحي والسريرة الأمينة  المبرأة من الغرض و الرياء والشوفونية .

     فالذي يقدم على تولي وظيفة دستورية في الحكومة الانتقالية القادمة , سيواجه أعظم عبء وطني تمر به البلاد , وأولى هذه الأعباء والمسؤوليات هي مواجهة الظالمين و المفسدين , الذين أكتنزوا القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة , فبالضرورة يجب أن يكون من بينهم الأقارب و الأهل و أبناء العمومة و الأشقاء و الأصهار , بناءً على تركيبة المجتمع السوداني الذي تتشابك وتتداخل وشائج القربى بين أفراده , فالامتحان الذي سوف يواجه طاقم مجلس وزراء حكومة الانتقال , صعب للغاية , ولن ينجح فيه إلا من تسلح بالنزاهة و الأمانة و حسن السيرة و نقاء السريرة , وفي هذا الخصوص من الواجب الاستعانة بمن خدموا في المنظمات الأممية , ومعهم أولئك الذين أداروا مصالح بعض الشركات العالمية ذات الصيت الحسن  من أبناء السودان البررة,  وهم كثر.

     أما طموح الشعوب السودانية في الحصول على السلام و الأمن و الأستقرار , لا يضاهيه أي طموح آخر , فكثير من الأسر المنكوبة بآثار ومخلفات الحرب , في جبال النوبة و جبال الأنقسنا و جبل مرة ,(المثلث الملتهب), سوف يكون يوم عرس هذه الشعوب  هو ذلك اليوم الذي تتحقق فيه العدالة , وتنجز فيه آلية الحقيقية والمصالحة مهامها , فمنظومة حكم ما بعد زوال الطاغوت , عليها أن تخرج من عبائة ثقافة التفاوض التآمري في سعيها لحل أزمات هذا المثلث الملتهب , هذا الخروج الذي سوف يكون المؤشر الفاصل والدال على مدى جدوى إزاحة منظومة الإسلام السياسي , فتلك الثقافة التآمرية يقودها منهاج  (نحن)  و(هم) , تلك العقدة وذلك الصراع التقليدي بين نخبتي المركز و الهامش , الذي ظل مشتعلاً ناراً حارقة منذ عقدين من الزمان , وفي حقيقة الأمر إنّ جميع أبناء الوطن هم شركاء أصيلون فيه دون إمتياز لأحد منهم على الآخر , ويجب أن يغيب منهج تأطير رمزية ومفهوم الحارس الأمين لمقدرات الوطن وصونها عن بعض المكونات المجتمعية حصراً , وأن يتم خلع ثوب العمالة المدعاة والمفتراة الذي ظل يلبسه إعلام الحكومات النخبوية المركزية , لرموز النضال والتحرر الوطني القادمين من مرتفعات هذا المثلث الملتهب ردحاً من الزمان.

     فالسكين التي سوف تقوم بتقطيع أوصال كعكة الاحتفال بالانتصار على منظومة الهوس الديني  , يجب أن يمسك بمقبضها كل من (أبكر) و(كوكو) و(أوشيك) و (سيد أحمد) و(فقيري)  , حتى يتم إخراج لوحة الخلاص الوطني من كابوس الظلم و الطغيان بطريقة شاملة , وفي صورة وطنية زاهية  بهية وخالصة من شوائب الجهوية و المناطقية و القبائلية و العشائرية , ومبرأة من أمراض الاستعلاء الاقتصادي و الاجتماعي و الفئوي و الجندري , الذي انتعش و نما و استشرى بين مكونات سكان السودان لأكثر من نصف قرن.

إسماعيل عبد الله

ismeel1@hotmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*