الرئيسية / مقالات / الثورة السودانية بين فشل الربيع العربي وبشريات النهوض الأفريقي

الثورة السودانية بين فشل الربيع العربي وبشريات النهوض الأفريقي

Sudan voices                  

بقلم عثمان نواي

ما بعد خطاب عبد الواحد محمد نور رئيس حركة تحرير السودان بالأمس، دارت كثير من النقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن محصلتها العامة كانت تدل على أن التغييرات التى تحدث الان في مرحلة ما قبل التغيير لها طابع عميق وجوهرى وتمس مسلمات كان البعض لا يظن انه من السهل تجاوزها. حتى ان الكيزان أنفسهم راهنوا على تلك التركيبة المنقسمة للمجتمع السودانى. حيث أن رهان الكيزان على العنصرية في دعاياتهم المضادة للثورة كانت لها نتائج عكسية تماما. والجانب المهم هو أن هذا الحراك الان عبر تحدى التوجهات العنصرية و تحدى احتكار تمثيل السودان من قبل مجموعات ادعت للسودان دوما توجها واحدا فقط نحو العروبة والعالم الإسلامى، انما يقوم بعملية تغيير رئيسية في مسار تاريخ السودان وبفك الارتباط الذى كان يراه البعض حتمى .

هذا الفك للارتباط ساعد عليه ايضا المواقف التى تساند النظام التى خرحت من الدول العربية، والتى أثبتت أنها لا تهتم البتة بأرواح السودانيين ولا كرامتهم. لذلك فإن النظرة للواقع السوداني الان تستوجب وضع فرضيات جديدة ربما تربطه اكثر بواقعه الجيوسياسي كجزء من القارة الافريقية. وبالتالى فإن النظر الى أشكال التغيير السياسي الذى تقوده خاصة فئة الشباب في دول أفريقية مختلفة، انما تبعث الأمل فى ان الانتفاضة الشعبية الحالية ان هى سارت في طريق أخواتها في دول أفريقية أخرى ربما تكون لديها فرص نجاح، على عكس السيناريوهات الفاشلة للربيع العربى. ففى جنوب أفريقيا مثلا نجح الشباب بقيادة شبابية من اليمين إلى اليسار فى تحدى سلطة المؤتمر الوطني الأفريقي الذى حرر البلاد من التمييز العنصرى واحبر الخزب على الإطاحة بالرئيس زوما تحت ضغط الشارع والمطالبة بمحاسبته على الفساد بقيادة شابين لم يتعدى إعمارهما ٣٨ عام من التحالف الديمقراطى ميامنى ٣٨ سنة، ومالامى زعيم اليسار ٣٧ سنة . فى يوغندا الان مغنى الريقي السابق وعضو البرلمان حاليا بوبى وينى ٣٦ سنة ، الذى احتشد الآلاف لاستقباله قبل أسابيع بعد ان عاد من رحلة علاج فى امريكا بعد ان تهجمت عليه قوات الامن اليوغندية التابعة لموسيفينى. ولكن الشاب قبل عودته من امريكا صرح للجارديان قائلا انه يعلم ان حياته في خطر، لكنه يريد ان يعود لكى يعطى الأمل ل ٤٠ مليون يوغندى فى انهم قادرين على إزاحة الرجل الذي يحكم منذ ١٩٨٦. فى إثيوبيا نجحت احتجاجات شعبية من الاثنيات المضطهدة والمناطق المهمشة في البلاد رغم قمعها بشكل وحشى قبل عامين، نجحت في ان تجبر النظام هناك على التغيير بعد ان استقال رئيس الوزراء ديسالين العام الماضي لكى يعقبه ابى أحمد ٤١ سنة . فى جامبيا كان اصر رئيسها المهووس جنعة جامى على الاستمرار في السلطة رغم هزيمته في الانتخابات ، لكن الضغوط الشعبية وضغوط المجتمع الدولي أيضا والمؤسسات الافريقية أجبرت الرجل على التنحى وان يأتى بعده بارو ٥١ سنة . والأهم أن المسار ما بعد هذه التغييرات يبدو أنه يسير في اتجاهات إيجابية حيث ان الاثر الإيجابى على تقدم الاقتصاد والنمو في دول أفريقية عديدة يؤكد على ان هذه المسيرة التصحيحية نحو التغيير الديمقراطي واستلام السلطة من قبل الاجيال الاصغر سنا انما هى السبيل نحو حل ازمة الفقر والتخلف فى أفريقيا والتحرك بخطى سريعة نحو التنمية والازدهار. فالدول التى حاربت الفساد والاستبداد والسلطة التاريخية للنخب التحريرية فى أفريقيا من غانا الى رواندا وتنزانيا وإثيوبيا انما تحقق الان معدلات نمو تصل الى ١٠ في المائة فى بعض هذه الدول وتخرج من أتون الفقر والتخلف.

اذن فإن النظر إلى مآلات الانتفاضة الشعبية الحالية في السودان من منظور الربيع العربي، هو فى حد ذاته خلل كبير ووقوع في الخطأ التاريخي للنخبة الوطنية السودانية التى فرضت على السودانيين وضعية ثقافية وسياسية واقتصادية لا تعبر عن واقع البلاد الجغرافى والاجتماعي والتاريخي. وبالتالى أوقع السودان فى دوامة الصراع مع الذات وجدل الهوية الذى تحول إلى حروب وابادات، حيث ان عملية حجب ممنهج لحقيقة الجغرافيا والتاريخ التى تربط السودان بأفريقيا تم القفز عليها في سبيل التعريب الذى يضمن احتكار السلطة لفئات تمثل نفسها فقط ولاتمثل كل السودان. لكن الانتفاضة الشعبية الحالية انما تتولد من قلب أزمات مزمنة ليس الرغيف فيها سوى القشة التى قصمت ظهر البعير. لذلك فإن رؤية انتفاضة السودانيين من خلال تجارب أفريقيا الناهضة وإعادة تعريف السودان كدولة متنوعة وليست حكرا على اثنية او لغة او طائفة او دين، هو المخرج ليس فقط من حكم الكيزان لكن أيضا من أمراض الفقر والنزاعات والجهل نحو تحقيق النهضة والتقدم والازدهار. ولذلك يجب ان يسقط هذا النظام ويتم معع اقتلاع التصورات والفرضيات القديمة حول السودان وطريقة إدارته التى أدت الى الكارثة التي نعيشها الان وهى حكم الكيزان. وألذي يجب ان يعلم الشباب الثائر انه لم يأتي من فراغ، بل أتى من مخلفات المشروع الوطنى منذ الاستقلال وهو المشروع الأحادي الابوى التراتبى العنصرى والدينى الذى احرق فرص السودان في النهضة والتقدم، فقط الوعى بهذه سوف يصنع الفارق نحو تغيير وبناء جذرى للبلاد.
nawayosman@gmail.com 
#تسقط_بس 
#مدن_السودان_تنتفض 
#السودان_واقف_براك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*