الرئيسية / فنون وثقافة / ترجمات |من شخص غير مقاتل إلى آخر | جورج أورويل

ترجمات |من شخص غير مقاتل إلى آخر | جورج أورويل

Sudan voices                            

جورج أورويل

ترجمة عماد الاحمد

من شخص غير مقاتل إلى آخر”

(رسالة إلى عوبيديا هورنبروك)

 18 حزيران / يونيو 1943

*

أيها الشاعر الذي يتبختر من البوابة الرملية

إلى هذا العالم الصغير حيث يتابع النابحون فنونهم،

وحيث كل “مدرسة” جديدة تظن نفسها خالدة،

تماماً مثل الحصان الذي يجر عربة تاجر الخيول.

يا قائد زمرة النرجسيين،

الذين تدربوا على تكتيكات مؤلفي الكراريس،

حيث تقوم الشعارات مقام الأفكار، والجمل الساخرة مقام الأجوبة –

لقد اخترت اللحظة المناسبة تماماً لتظهر

وتقحم أنفك وسط هذا العالم المرعب

مثل الدكتور بولدر الذي يمشي عبر سهول غومورا.

في أيام “ليفت بوك كلوب” كنت متواضعاً حكيماً،

ولكن عندما فقدت عبارة “أوقفوا هتلر” بريقها القديم

مضيت قدماً في ضياء وولورث

مستفيداً من رد الفعل المناهض للحرب.

انتظرت حتى لم يعد النازيون يخيفون أحداً،

عندها، اخترت جمهورا آمناً، وصرخت بهم “عار عليكم!”

كنت مثل بروميثيوس تتحدى البرق،

ولكنك لم تتجرأ على التوقيع باسمك.

يا لك من شاعر حقيقي، ولكنك كقديس وكشهيد

فأنت مجرد غشاش، مثل ميثاق الناتو.

يداك نظيفتان، وهكذا كانت يدا بيلاطس البنطي،

ولكن بالنسبة “الرؤوس الدامية”، فهذا مجرد استعارة.

الرؤوس الدامية اليوم على جزر المحيط الهادئ

أو السهوب الروسية أو الرمال الليبية – فمن الأفضل لصحتك أن تكون أحد المخططين من أن تكون مقاتلاً،

لا تحتاج العبارات المكتوبة بالطباشير على الأرصفة إلى الكثير من الشجاعة،

يدفع الكثير مقابل البقاء في المنزل ليعيش ككاتب،

بينما تذبل المواهب الأخرى في أكواخ نيسن.

“إننا نعيش مثل الأسود” – نعم، تماماً مثل الأسد

الأسد المتقاعد الذي يتغذى على الفتات في قفص آمن من الحديد.

كتبتَ لفترة عن أجراس السفن الحربية التي تجولت عليها

والرحلات الجوية لقاذفات القنابل التي أغرقت البلابل،

والتي تساوي كل قنبلة ترميها جنيه

بالنسبة لك أو لشخص مثلك، حيث تتضخم مبيعاتك

وتمتلئ بالمنافسين القتلى أو الصامتين،

سواء في تونس أو بي بي سي،

وفي الحرية الناعسة على هذه الجزيرة

فأنت حر في الصراخ، حر في أن تقول إن إنجلترا ليست حرة.

حتى أنهم يمنحونك المال مقابل ذلك، كما تحصل الدببة على الكعك،

مقابل صرختك التي تنادي “السلام” وراء ستار من البنادق.

في ‘السابعة عشر من عمرك حاولت النوم مع العاهرة

قدمت لك ريشة بيضاء تحتاج خداً لتداعبه،

أما اليوم عندما يجد كل كاتب مكانته

في إطار مجموعة المنافقين الذين يمدحون بعضهم بعضاً،

من يهتم بالمنشورات التي ترميها المناطيد؟

من يهتم حقاً إذا حصلت على ريشة بيضاء؟

كل مجموعة صغيرة من الأزهار عالم بحد ذاته،

دافئة ورائعة مهما كان الطقس،

في عالم كهذا من السهل “الاعتراض”،

سيما أن هذا ما تتوقعه مع أصدقائك وأعدائك.

ربما كان هذا عملاً خطيراً في بعض الأحيان

عدم الاعتراض: أعلم هذا، لأنني لدغت من قبل.

كتبت في 1940 أنني عند الحاجة

سأحارب كي لا يبقى النازيون في بريطانيا.

ولكن يا إلهي! كم صدم الناس الورديون! بعد سنتين

لم أكن هناك، ولكن شخصاً ما كان لديه الوقاحة الكافية

ليكتب ثلاث صفحات يطلق علي فيها صفة “خائن”،

يا لها إذن من جريمة سوداء أن يعشق المرء بلده.

ولكن أين الأشخاص الورديين الذي ظنوا أنه تصرف غريب مني

أن أكتب رفاً من الكتب في الثناء على سدوم؟

اللعبة سهلة وقواعدها واضحة:

تظاهر بأن الحرب بدأت في عام “تسعة وثلاثين”،

لا تذكر الصين، اثيوبيا، اسبانيا،

لا تذكر البولنديين إلا لتقول: يا لهم من خنازير.

ابك بكاء مراً عندما نقصف مدينة ألمانية،

ولا تقلق أبداً عندما يقتل التشيكيون،

أعط الهند رشة رهيبة من الشفقة

ولكن لا تتساءل عما يحصل في الشرق الأقصى،

لا تذكر اليهود – باختصار، تظاهر بأن الحرب

ببساطة مضرب “حمله” المحافظون.

ارم في هذا الخليط عبارة “محاربة الفاشية”

من وقت لآخر، كخط رجعة،

ثم تابع إثبات أنها لا تعني شيئاً على الإطلاق

إذا سيطر المتعصبون أو النازيون على العالم في قبضتهم،

وأننا نحن الآخرين الذين “يدعمون” الحرب

إما محتالين أو ساديين أو ملوحين بالأعلام

لعشقنا للطبول والأبواق، ولأننا أيضاً

مهتمين بتحقيق رغبات بريندان براكن*،

أو الحمقى الذين يعتقدون أن القنابل تعيد الموتى،

الشيء الذي لم يقله حتى هاريس* أبداً.

إذا وجدت طريقك فسنتركه للروس،

وسنبيع الحديد الصلب لهتلر كما كنا من قبل،

ويمكنك في الوقت نفسه، الحفاظ على حياتك، وفي هذه الأثناء،

ضع رهاناً طويل الأمد على الحرب.

لأنه بعد الحرب سيأتي زمن العواطف البذيئة،

الموتى سيقهقهون – وهناك ستتألق،

ستكون الهدف الأوحد للموضة الجديدة،

ربما قد تعود إلى عام “تسعة وثلاثين” أيضاً،

ستعود إلى لعبتك القديمة المفضلة في خمش الجيران

في كتابة مراجعات أنيقة ممولة بعرق وجهد الحمالين.

ولكنك لن تصرخ في ستالين – “أوقف هذا الظلم”

فقط في تشرشل. أنا لا أريد أن أشيد به،

سأطلق عليه النار بكل سعادة عندما نربح الحرب،

أو الآن، إذا كان هناك شخص ما ليحل محله.

ولكنني خلافاً للبعض، سأعطيه ما يستحق الآن.

مرت أزمان كانت فيها الإمبراطوريات تنهار كالمنازل

والعديد من الورديين الذي سيضحكون على قصيدتك

كانوا سعيدين بما فيه الكفاية للتشبث بحمالات بنطال تشرشل

يا إلهي! كيف تجمعوا مع بعضهم البعض

مثل الكتاكيت التي تجتمع حول أمها الحاضنة!

لست من عشاق “القتال على الشواطئ”،

ولست مغرماً بما يتعلق “بالمرتفعات البهيجة”،

نادراً ما أستمع إلى خطاب تشرشل،

لكنني أفضل الاستماع إلى هذا النوع من الخزعبلات

على سماع ملاحظاتك التي أطلقتها قبل عام أو أكثر،

أنه إذا جاء النازيون فستطأطئ رأسك

“وستقبل بالوضع الراهن” بسلام

ربما ستفعل! ولكن من حقي التساؤل

ما الذي سيبدو التصرف الصحيح في الأيام القادمة،

“الدم والقتال والعرق” أو “قبلوا النازيين بذل”.

ولكن هدفك الرئيسي هو الاختراق الإذاعي،

المتحدث الحيوي المستأجر-عنده هدف آمن،

لأنه لا يحظى بشعبية ولا يمكن إسقاطه.

لا يحتاج الأمر الى عين محقق

للبحث في بورتلاند لإيجاد العاهرات،

ولكن هناك رجال (أضمن لك، ألا أحد يستمع إليهم)

لديهم ضعف مواهبك وثلاثة أضعاف شجاعتك

يقومون بالعمل الصعب القذر لأنه مطلوب،

ليسوا عمياناً ولكن لأسباب معينة يتوازنون،

يجلسون في مقاعدهم ويضيّعون مواهبهم عبثاً.

كل البروباغندا كاذبة، دعايتك ودعايتي،

البروباغندا تكذب حتى عندما تقول الحقيقة.

وهذا ينطبق على غوبلز أو “خط الحزب”،

أو “بريمورس ليغ” أو اتحاد تعهد السلام.

ولكن هناك حقائق يمكن للأكاذيب الصغيرة أن تذكيها،

أما الأكاذيب المحيرة الأقذر فتستمر لزمن طويل،

ولتفكر جيداً بالحرب تحتاج أكثر من

تفادي الحقائق والرعي في حقول البرسيم الذهنية.

من الحقارة بمكان أن تكذب عندما يموت الرجال الآخرون،

ولكن من المهم أن تعرف أنك تكذب.

هذا المقطع الثالث عشر، وربما أنت محتار

في معرفة سبب هجومي عليك، إليك السبب:

لأن أعدائك كلهم موتى أو أفواههم مكممة،

لم تختر يوماً عدواً قد يرد عليك،

أخذت الكثير من الأضواء، ونشرت فضيلتك،

بينما كنت تمسد على رأس كل فصيل خطير،

اليسار سيهتف لك واليمين لن يؤذيك.

ما الذي تخاطر به؟ لن يردوا عليك حتى بالتشهير،

إذا كنت ستظهر الأشياء القذرة التي جبلت منها،

لماذا لا تهاجم الجماعات التي تخافها؟

ندد بجوزيف ستالين، اصرخ في الجيش الأحمر،

تفضل وجه إهانة للبابا – ستحصل على بعض الدعوات إلى هناك

هذا مشرف، حتى لو كان أشبه بالجنون،

أن تحارب الناس هنا وهناك دون أن تلوي على شيء.

أما أولئك أنصاف القديسين والأبطال الحذرين،

الذين لا تدمى رؤوسهم حتى دون أن ينحنوا

فإعجابي بهم يقارب الصفر تماماً،

لذلك ستكون كلماتي الأخيرة: انزل من تلك السحابة،

وتخلص من تلك الأجنحة التي بالكاد تجرأت على الرفرفة،

وتخلّ عن هالتك النورانية مقابل رشفة من المرارة.

ـــــــــــــــــــ

& اوكسجين الثقافية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*