الرئيسية / مقالات / دفاتر البان آف (26) بخصوص العنف (6-6) لـ/ فرانز فانون

دفاتر البان آف (26) بخصوص العنف (6-6) لـ/ فرانز فانون

Sudan voices                                    

دفاتر البان آف (26)

بخصوص العنف (6-6)

لـ/ فرانز فانون

ترجمة: أبكر آدم إسماعيل

العنف في السياق الدولي:
لقد أشرنا مرات عديدة في الصفحات السابقة إلى أنه في المناطق النامية، يدعو الزعيم السياسي شعبه دائما للقتال: للقتال من أجل محاربة الاستعمار، ومحاربة الفقر والتخلف، ومحاربة التقاليد العقيمة. المفردات التي يستخدمها في مناشداته هي مفردات رئيس الأركان: “التعبئة الجماهيرية؛” “الجبهة الزراعية؛” “محاربة الأمية؛” “الهزائم التي لاقيناها؛” “والانتصارات التي حققناها.” تتطور الأمة الشابة المستقلة خلال السنوات الأولى في جو من أجواء ساحة المعركة، لأن الزعيم السياسي لبلد متخلف يبدو خائفا من المسافة الطويلة التي يتعين على بلاده أن يقطعها. إنه ينادي الشعب ويقول له: “دعونا نتحزّم وننطلق إلى العمل،” والبلاد، التي يتملَّكها نوع من الجنون الخلاق، تطرح نفسها في جهد عملاق وغير مألوف. لا يتألف البرنامج من الخروج من المستنقع فحسب بل يحتوي على اللحاق بالدول الأخرى باستخدام الوسائل المتاحة. ويبرر الناس لأنفسهم بأنه إذا كانت شعوب الدول الأوروبية قد وصلت إلى هذه المرحلة من التطور بسبب جهودها الذاتية: “دعونا إذن،” كما يقولون، “نثبت لأنفسنا وللعالم أجمع أننا قادرون على تحقيق نفس الإنجازات.” ويبدو لنا أن طريقة تحديد مشكلة تطور البلدان النامية بهذه الطريقة ليست صحيحة وغير معقولة.

لقد حققت الدول الأوروبية الوحدة الوطنية في وقت كانت فيه كل الثروة الوطنية قد تركزت في أيدي الطبقات الوسطى الوطنية. وكان أصحاب المتاجر والحرفيين والكتبة والمصرفيين، قد احتكروا المال والتجارة والمعرفة العلمية في الإطار الوطني. كانت الطبقة الوسطى هي الأكثر ديناميكية وازدهارًا من جميع الطبقات الأخرى. وقد أتاح لها وصولها إلى السلطة الاضطلاع ببعض الافتراضات الهامة للغاية: التصنيع، وتطوير الاتصالات، وبعد ذلك مباشرة البحث عن منافذ في ما وراء البحار.

في أوروبا، وبصرف النظر عن بعض الاختلافات الطفيفة (إنجلترا، على سبيل المثال، كانت متقدمة إلى حد ما) كانت الدول المختلفة تمر بنفس المرحلة من التطور الاقتصادي بشكل أو بآخر عندما حققت الوحدة الوطنية. لم يكن هناك أمة بسبب طبيعة نموها وتطورها قد سببت إهانة للأمم الأخرى.

اليوم، يأخذ الاستقلال الوطني ونمو الشعور الوطني في المناطق النامية جوانب جديدة تمامًا. في هذه المناطق، باستثناء بعض التطورات المذهلة، تُظهر البلدان المختلفة نفس المشكلة المتعلقة بغياب البنية التحتية.

إن جماهير الشعب تكافح ضد نفس الفقر، وهي تتخبط في صنع نفس الإيماءات وتوضح بطونها المتضائلة ما كان يسمى بجغرافيا الجوع. إنه عالم متخلف، عالم لاإنساني في فقره. ولكنه أيضًا عالم بدون أطباء، بدون مهندسين، وبدون إداريين. في مواجهة هذا العالم ، تتمرغ الدول الأوروبية في البذخ التفاخري. هذا البذخ الأوروبي هو فضيحة بالمعنى الحرفي للكلمة، لأنه قد تم تأسيسه على العبودية، وقد تم تغذيته بدماء العبيد ويأتي مباشرة من تربة وباطن تربة ذلك العالم المتخلف. وقد تم بناء الرفاه والتقدم في أوروبا بعرق وجثث الزنوج والعرب والهنود، والأعراق الصفراء. لقد قررنا عدم التغاضي عن هذا الأمر بعد الآن. عندما تعلن دولة استعمارية، وهي محرجة من مطالب الاستقلال التي قدمتها المستعمرة، إلى الزعماء القوميين: “إذا كنتم ترغبوا في الاستقلال، خذوه، وعودوا إلى العصور الوسطى،” عندما تعلن ذلك، يميل الناس المستقلون حديثًا إلى الإذعان وإلى قبول التحدي؛ في الواقع يمكن رؤية الاستعمار يسحب رأسماله وفنييه وينشئ حول الدولة الفتية جهازا للضغط الاقتصادي.
(* في السياق الدولي الحالي، لا تعمل الرأسمالية فقط على الحصار الاقتصادي ضد مستعمرات أفريقية أو آسيوية، فالولايات المتحدة بعملياتها المضادة لكاسترو تفتح صفحة جديدة في القصة الطويلة لتقدم الإنسان الكادح نحو الحرية. إن دول أمريكا اللاتينية التي تشكلت من الدول المستقلة الجديدة التي تجلس في الأمم المتحدة وتثير العواصف هناك، يجب أن تكون عبرة موضوعية بالنسبة لأفريقيا، فقد عانت هذه المستعمرات السابقة منذ تحريرها من الإرهاب والعوز الناجم عن حكم الرأسمالية الغربية العقيم.
إن تحرير أفريقيا ونمو الوعي بين البشر قد أتاح لشعوب أمريكا اللاتينية أن تحطم لعبة الديكتاتوريات القديمة التي تتشابه فيها الأنظمة المتعاقبة.
لقد تولى كاسترو السلطة في كوبا وأعطاها للشعب. أن هذه الهرطقة تم فهمها على أنها آفة وطنية بالنسبة لليانكي، والولايات المتحدة تنظم الآن ألوية مضادة للثورة، وتشكل حكومة مؤقتة، وتحرق محاصيل قصب السكر، وكانت قد قررت بشكل عام خنق الشعب الكوبي بلا رحمة.

لكن هذا سيكون صعبا. سيعاني شعب كوبا، لكنه سينتصر. أعلن الرئيس البرازيلي جانيو كوادروس للتو في إعلان ذو أهمية تاريخية أن بلاده ستدافع عن الثورة الكوبية بكل الوسائل. ربما حتى الولايات المتحدة قد تتراجع عندما تواجه إرادة الشعوب المعلنة. عندما يأتي ذلك اليوم، سنقوم بتعليق الأعلام، لأنها ستكون لحظة حاسمة للرجال والنساء في جميع أنحاء العالم. إن الدولار القادر على كل شيء، الذي عندما يكون كل ما يقال أو ما يُفعل لا يضمنه إلا العبيد المنتشرون في جميع أنحاء العالم، وآبار النفط في الشرق الأوسط، والمناجم في بيرو أو الكونغو، ومزارع يونايتيد للفواكه أو فايرستون، سيتوقف حينها هذا الدولار عن فرض هيمنته، رغم كل قوته، على هؤلاء العبيد الذين خلقهم والذين يستمرون، وهم خاليي الرؤوس وفارغي البطون، في تغذيته من لحمهم ودمهم.

إن التمجيد العظيم للاستقلال يتحول إلى لعنة الاستقلال، وتحكم السلطة الاستعمارية على الأمم الفتية من خلال مواردها الهائلة من الإكراه بالتراجع. بكلمات واضحة، تقول السلطة الاستعمارية: “بما أنك تريد الاستقلال، خذه وتضور جوعًا.” لا يبقى لدى القادة الوطنيين خيار آخر سوى اللجوء إلى شعبهم ومطالبتها ببذل جهد جبار. ويتم فرض نظام التقشف على هؤلاء البشر الجائعين؛ مطلوب كمية غير متكافئة من العمل من عضلاتهم الضامرة. يتم إنشاء نظام للاكتفاء الذاتي وكل دولة، وبمواردها البائسة المتاحة، تحاول العثور على علاج للجوع والفقر في البلاد. ما نراه هو تعبئة شعب يكدح حد الإرهاق أمام أوروبا المتخمة المفعمة بالشكوك.

وترفض بلدان أخرى في العالم الثالث خوض هذه المحنة وتوافق على تجاوزها بقبول شروط سلطة الوصاية السابقة. تستخدم هذه الدول موقعها الاستراتيجي – وهو موقع يمنحها معاملة مميزة في الصراع بين الكتلتين – لإبرام المعاهدات وإعطاء التعهدات. ويصبح البلد الذي كان محتلا في السابق تابعا اقتصاديًا. فالقوة الاستعمارية السابقة، التي حافظت على سلامة قنوات التجارة الاستعمارية، بل وعززتها أحيانا، توافق على تغذية ميزانية الدولة المستقلة عن طريق حقنها بجرعات المساعادات الصغيرة. وهكذا نرى أن الانضمام إلى استقلال البلدان المستعمَرة يضع مسألة مهمة أمام العالم، لأن التحرر الوطني لهذه لبلدان المستعمَرة يكشف عن وضعها الاقتصادي الحقيقي ويجعلها تبدو غير قابلة للتحصين. والمبارزة الأساسية التي بدت على ما يبدو بين الاستعمار ومكافحة الاستعمار، بل وبين الرأسمالية والاشتراكية، تفقد بالفعل بعض أهميتها. ما يهم اليوم، والسؤال الذي يلوح في الأفق، هو الحاجة إلى إعادة توزيع الثروة. يجب على الإنسانية أن تجيب على هذا السؤال، وإلا فإنه سيمزقها شر تمزيق.

ربما كان يُعتقد بشكل عام أن الوقت قد حان للعالم، وخاصة للعالم الثالث، للاختيار بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي. البلدان النامية، التي استخدمت المنافسة الشرسة القائمة بين النظامين من أجل ضمان انتصار كفاحها من أجل التحرر الوطني، يجب أن ترفض أن تصبح عاملاً في هذه المنافسة.

يجب ألا يكون العالم الثالث مكتفيا بتعريف نفسه من حيث القيم التي سبقته. بل على العكس، يجب على البلدان النامية أن تبذل قصارى جهدها للعثور على قيمها وطرائقا الخاصة وأسلوبها الخاص بها. إن المشكلة الملموسة التي نجد أنفسنا ضدها ليست مشكلة الاختيار، بغض النظر عن تكلفته، بين الاشتراكية والرأسمالية كما تم تعريفهما بواسطة رجال قارات أخرى وعصور أخرى. بالطبع نعرف أن النظام الرأسمالي، بقدر ما هو أسلوب حياة، لا يمكن أن يتركنا أحرارا لأداء عملنا في الوطن، ولا يسمح لنا بالقيام بواجبنا في العالم. إن الاستغلال والكارتلات والاحتكارات الرأسمالية هي أعداء البلدان النامية. ومن ناحية أخرى، فإن اختيار النظام الاشتراكي، وهو نظام موجه بالكامل نحو الشعب ككل ويستند إلى مبدأ أن الإنسان هو أثمن جميع الممتلكات، سيسمح لنا بالمضي قدما بسرعة أكبر وبشكل أكثر انسجاما، وبذلك يصبح من المستحيل أن يكون رسما كاريكاتوريا للمجتمع الذي يسمح باحتجاز كل السلطة الاقتصادية والسياسية في أيدي قلة ممن ينظرون إلى الأمة ككل بازدراء واحتقار.

ولكن لكي يعمل هذا النظام بشكل جيد حتى نتمكن في كل الحالات من احترام تلك المبادئ التي كانت مصدر إلهام لنا، فإننا بحاجة إلى شيء أكثر من الإنتاج البشري. بعض البلدان النامية تنفق كمية هائلة من الطاقة بهذه الطريقة. الرجال والنساء، صغارا وكبارا يتحملون بحماس العمل الذي هو عمل قسري، ويعلنون أنفسهم عبيدا للأمة. إن وهب الذات، واحتقار كل الاهتمامات التي لا تخدم المصلحة المشتركة، تؤدي إلى خلق معنويات وطنية ترضي قلب الإنسان، وتعطيه ثقة جديدة بمصير البشرية وتنزع أسلحة أكثر المراقبين محافظة. لكننا لا نستطيع أن نؤمن بأن مثل هذا الجهد يمكن أن يستمر بنفس الوتيرة المحمومة لفترة طويلة. وقد وافقت هذه الدول الفتية على مواجهة التحدي بعد الانسحاب غير المشروط للبلدان المستعمِرة السابقة.

إن البلد يجد نفسه في أيدي مديرين جدد؛ لكن الحقيقة هي أن كل شيء يحتاج إلى إصلاح وكل شيء يتم التفكير من جديد. في الواقع، كان النظام الاستعماري يهتم بأشكال معينة من الثروة وموارد معينة دون غيرها – بشكل دقيق – تلك التي تدعم صناعاته الخاصة. وحتى الآن، لم تُبذل أي جهود جادة لتقدير ثروات الأرض أو الموارد المعدنية. وهكذا فإن الدولة المستقلة الشابة تجد نفسها مضطرة لاستخدام القنوات الاقتصادية التي أنشأها النظام الاستعماري. ويمكنها بداهة أن تقوم بالتصدير إلى بلدان أخرى ومناطق عملات أخرى، ولكن أساس صادراتها لا يتم تعديله بشكل أساسي. لقد قام النظام الاستعماري بحفر قنوات معينة ويجب الحفاظ عليها أو مواجهة التهديد بالكارثة.

ربما من الضروري بدء كل شيء من جديد: تغيير طبيعة صادرات البلاد، وليس مجرد وجهتها، وإعادة دراسة التربة والموارد المعدنية، والأنهار، و- لماذا لا؟ – إنتاجية الشمس . الآن، ومن أجل القيام بكل هذه الأمور الأخرى، هناك حاجة إلى ما هو أكثر من الإنتاج البشري – الحاجة إلى رأس المال من جميع الأنواع، والفنيين، والمهندسين، والميكانيكيين المهرة، وما إلى ذلك. لنكن صريحين: نحن لا نعتقد أن الجهد الهائل الذي تُدعى له الشعوب النامية من جانب قادتها للقيام به سيعطي النتائج المرجوة. إذا لم يتم تعديل ظروف العمل، فستكون هناك حاجة إلى قرون لإضفاء طابع إنساني على هذا العالم الذي أجبرته القوى الإمبريالية على الانحدار إلى المستوى الحيواني. (* بعض الدول التي استفادت من المستوطنات الأوروبية الكبيرة تأتي للاستقلال ومعها البيوت والشوارع الواسعة، وهذه البلدان تميل إلى نسيان المناطق النائية التي تعاني من الفقر والجوع. ولسخرية الأقدار، فإنها تعطي الانطباع بنوع من الصمت المتواطئ بأن مدنها معاصرة للاستقلال.)

الحقيقة هي أننا يجب ألا نقبل هذه الظروف. يجب أن نرفض رفضاً قاطعاً الوضع الذي ترغب الدول الغربية في أن تحكم علينا به. الاستعمار والإمبريالية لم يدفعا ما عليهما عندما قاما بسحب أعلامهما وقوات الشرطة الخاصة بهما من أراضينا. لقرون طويلة تصرف الرأسماليون في العالم المتخلف مثلما يتصرف مجرمي الحرب.

كانت عمليات الترحيل والمجازر والسخرة والعبودية هي الطرق الرئيسية التي استخدمتها الرأسمالية لزيادة ثروتها، واحتياطياتها من الذهب والماس، وتأسيس قوتها. منذ وقت ليس ببعيد حولت النازية أوروبا كلها إلى مستعمرة حقيقية. وطالبت حكومات الدول الأوروبية المختلفة بالتعويضات كما طالبت الاسترجاع العيني والنقدي من الثروة التي سرقت منها: فقد تم إرجاع الكنوز الثقافية، والصور، والتماثيل، والزجاج الملون إلى أصحابها.

لم يكن هناك سوى شعار واحد في أفواه الأوروبيين في غد يوم النصر في عام 1945: “يجب أن تدفع ألمانيا.” يجب أن يقال إن الهر أديناور، عند افتتاح محاكمة ايخمان، وباسم الشعب الألماني، طلب مرة أخرى المغفرة من الشعب اليهودي. لقد جدد الهر أديناور وعد شعبه بأن يواصل الدفع إلى دولة إسرائيل المبالغ الهائلة التي من المفترض أن تكون تعويضًا عن جرائم النازيين. (* صحيح أن ألمانيا لم تدفع كل التعويضات التي كانت عليها. ولم تتم المطالبة بالتعويضات المفروضة على الدولة المهزومة بالكامل، لأن الدول المتضررة شملت ألمانيا في نظام دفاعها المناهض للشيوعية. نفس هذه المشاغل هي التي تشكل دوافع الدول الاستعمارية عندما تحاول الحصول من مستعمراتها السابقة، إن لم يكن في إدراجها في النظام الغربي، فعلى الأقل على قواعد عسكرية وجيوب. ومن ناحية أخرى قررت الدول الأوروبية بالإجماع نسيان مطالبها من أجل إستراتيجية حلف الناتو للحفاظ على العالم الحر؛ ورأينا ألمانيا تتلقى فيضانات من الدولارات والآلات. وكانت ألمانيا الواقفة على أقدامها مرة أخرى، القوية والقادرة، ضرورة للمعسكر الغربي. كان من المفهوم لمصالح ما يسمى بأوروبا الحرة أن يكون لها ألمانيا مزدهرة معاد بنائها والتي ستكون قادرة على العمل كمتراس أول ضد الجحافل الحمراء في نهاية المطاف. قامت ألمانيا باستخدام مدهش للأزمة الأوروبية. وفي الوقت نفسه، تشعر الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى بمرارة مشروعة عندما تواجه ألمانيا هذه، التي كانت بالأمس تحت أقدامها، لتكون اليوم منافسة صعبة المراس في المجال الاقتصادي.)

وبنفس الطريقة، يمكن أن نقول إن الدول الإمبريالية سترتكب خطأً فادحًا وترتكب ظلمًا لا يوصف إذا ما اكتفت بأن تسحب من ترابنا أفواجها العسكرية والخدمات الإدارية التي كانت مهمتها اكتشاف ثروة البلد، لاستخراجها وإرسالها إلى البلدان الأم. نحن لا يعمينا التعويض الأخلاقي للاستقلال الوطني. ولا يشبعنا هذا الاستقلال الوطني. إن ثروة الدول الإمبراطورية هي ثروتنا أيضًا. وعلى المستوى العالمي فإن هذا التأكيد، ويمكن يكون المرء على يقين، يجب أن لا يؤخذ على أنه دلالة على أننا نشعر بأننا متأثرين بإبداعات الفنون أو التقنيات الغربية. على نحو ملموس، فقد أشبعت أوروبا نفسها بشكل مفرط بالذهب والمواد الخام في البلدان المستعمَرة: أمريكا اللاتينية، والصين، وأفريقيا.
من جميع هذه القارات، وتحت عيونها ترفع أوروبا اليوم أبراجها الباذخة، وأروبا هذه هي نفسها التي تدفق إليها على مدى قرون الماس والنفط والحرير والقطن والخشب والمنتجات الغرائبية. أوروبا هي حرفيا مخلوق بواسطة العالم الثالث. والثروة التي تكتم أنفاسها هي التي سُرقت من الشعوب النامية. كانت موانئ هولندا، وأرصفة بوردو وليفربول متخصصة في تجارة العبيد الزنوج، وتدين بشهرتها لنقل ملايين العبيد. لذلك عندما نسمع رئيس دولة أوروبية يصرّح ويده على قلبه أنه يجب عليه أن يأتي لمساعدة الشعوب الفقيرة النامية، فنحن لا نرتعد من الامتنان.
النا
بل على العكس تماما؛ نقول لأنفسنا: “إنه تعويض عادل سيتم دفعه لنا.” كما أننا لن نرضى بمساعدة البلدان النامية كبرنامج “للأعمال الخيرية.” وينبغي أن تكون هذه المساعدة هي مصادقة على إدراك مزدوج: إدراك الشعوب المستعمَرة أنها تستحقها، وإدراك القوى الرأسمالية أنه يجب عليها في الواقع أن تدفع. (* “لإحداث فرق جذري بين بناء الاشتراكية في أوروبا وعلاقاتنا مع العالم الثالث (كما لو كانت علاقاتنا الوحيدة معها هي علاقات خارجية)، سواء كنا نعرف ذلك أم لا، لضبط سرعة توزيع الميراث الاستعماري بالإضافة لتحرير البلدان النامية، هو الرغبة في بناء اشتراكية مترفة على ثمار السرقة الإمبريالية – كما لو كان يتم تقسيم الغنيمة، بين أفراد العصابة، بشكل أو بآخر بالتساوي، ليعطى القليل منها للفقراء في شكل عمل خيري، لأنه قد تم نسيان أنهم الأشخاص الذين سُرقت منهم هذه الثروات. مارسيل بيجو؛ “للموت من أجل ديغول؟” مجلة الأزمنة الجديدة، عدد رقم 175-176، أكتوبر-نوفمبر 1960.)
Marcel Péju, “To die for De Gaulle?” Temps Modernes, No. 175-6, October-November 1960.

لأنه إذا كانت الدول الرأسمالية ترفض أن تدفع بسبب الافتقار إلى الذكاء (لن نتحدث عن الافتقار إلى الامتنان)، فعندئذ فإن الجدلية المستمرة لنظامهم الخاص ستخنقهم. الحقيقة هي أن الدول الشابة لا تجذب الكثير من رأس المال الخاص. وهناك العديد من الأسباب التي توضح وتجعل من هذا التحفظ مشروعا من جانب الاحتكارات. فبمجرد أن يعرف الرأسماليون – وبالطبع هم أول من يعلم – أن حكومتهم تستعد لإنهاء الاستعمار، يسارعون إلى سحب كل رؤوس أموالهم من المستعمرة المعنية. إن الهروب المذهل لرأس المال هو واحد من أكثر الظواهر استمرارا في عملية إنهاء الاستعمار.

الشركات الخاصة، عندما يطلب منها الاستثمار في البلدان المستقلة، تضع شروطاً تظهر في الواقع أنها غير مقبولة أو غير قابلة للتحقيق. إن الرأسماليين، مخلصين لمبدأ العوائد السريعة التي هي ملك لهم بمجرد أن “يذهبوا” إلى ما وراء البحار، وهم متشددون جداً فيما يتعلق بكل الاستثمارات طويلة الأجل. فهم لا يقبلون، وغالبا ما يكونوا معادين بشكل علني لبرامج التخطيط المستقبلية التي تضعها فرق الشباب التي تشكل الحكومة الجديدة. في حال اقتضت الظروف فإنهم يوافقون عن طيب خاطر على إقراض الأموال إلى الدول الشابة، ولكن بشرط أن يتم استخدام هذه الأموال لشراء المنتجات والآلات المصنعة: وبعبارة أخرى، أنهم يعملون على الحفاظ على مواصلة المصانع في البلد الأم لعملها.

في الواقع، يمكن تفسير حذر المجموعات المالية الغربية بخوفها من المخاطرة. كما أنها تطالب بالاستقرار السياسي وبمناخ اجتماعي هادئ يستحيل تحقيقه عند الأخذ في الاعتبار الحالة المروعة للسكان ككل بعد الاستقلال مباشرة. لذلك تبحث، دون جدوى، عن بعض الضمانات التي لا تستطيع المستعمرة السابقة منحها، فتصر على الاحتفاظ بالحاميات العسكرية أو بإدراج الدولة الفتية في المواثيق العسكرية أو الاقتصادية. وتضع الشركات الخاصة الضغط على حكوماتها لكي تؤسس على الأقل قواعد عسكرية في هذه الدول لغرض ضمان حماية مصالحها. في الملاذ الأخير، تطلب هذه الشركات من حكومتها ضمان الاستثمارات التي يقررون القيام بها في هذه المنطقة النامية أو تلك.

ويحدث أن قلة من البلدان تفي بالشروط التي تطلبها الصناديق والاحتكارات. وبالتالي، فإن رأس المال، عندما يفشل في العثور على منفذ آمن، يظل مغلقاً في أوروبا، ويتم تجميده. كل ذلك التجميد لأن الرأسماليين يرفضون الاستثمار في بلادهم. لأن العوائد في هذه الحالة لا تكاد تذكر في واقع الأمر والتحكم في الخزانة هو سبب اليأس حتى لأكثر الأفراد شجاعة.

على المدى الطويل، يكون الوضع كارثيا. رأس المال لم يعد يدور، أو يتم تخفيض دورته بشكل كبير. وعلى الرغم من المبالغ الضخمة التي تبتلعها الميزانيات العسكرية، فإن الرأسمالية الدولية تسير في مضائق يائسة.

لكن هناك خطر آخر يهددها كذلك. وبقدر ما يتم التخلي عن العالم الثالث والحكم عليه في الواقع بالتراجع أو على الأقل بالركود بسبب أنانية ولا أخلاقية الدول الغربية، فإن الشعوب النامية سوف تقرر مواصلة تطورها داخل إطار الاكتفاء الذاتي الجماعي. وبالتالي، سيتم حرمان الصناعات الغربية بسرعة من أسواقها الخارجية. ستقوم الآلات بتركيم منتجاتها في المستودعات، وسيحدث صراع لا يرحم في السوق الأوروبية بين الصناديق والجماعات المالية. إن إغلاق المصانع ودفع أجور العمال والبطالة سيجبر الطبقة العاملة الأوروبية على الدخول في صراع مفتوح ضد النظام الرأسمالي.

عندئذ، سوف تدرك الاحتكارات أن مصالحها الحقيقية تكمن في تقديم المعونة إلى البلدان النامية – وهي مساعدات غير محدودة مع عدم وجود الكثير من الشروط. لذلك نرى أن الدول الشابة في العالم الثالث مخطئة في محاولاتها للاستجداء أمام الدول الرأسمالية. نحن أقوياء في حد ذاتنا، وفي عدالة وجهة نظرنا. يجب علينا على العكس أن نؤكد ونوضح للدول الرأسمالية أن المشكلة الأساسية في عصرنا ليست الصراع بين النظام الاشتراكي وبينهم. يجب أن تنتهي الحرب الباردة، لأنها لا تؤدي إلى أي مكان. يجب أن تتوقف خطط تسليح العالم بالأسلحة النووية، ويجب إعطاء الاستثمارات والمساعدات الفنية على نطاق واسع للمناطق النامية. إن مصير العالم يعتمد على الإجابة التي تعطى لهذا السؤال.

علاوة على ذلك، يجب على النظام الرأسمالي ألا يحاول تجنيد المعونة للنظام الاشتراكي من أجل “مصير أوروبا” في مواجهة الجموع المتنوعة من الشعوب الملونة. لا يبدو أن انتصار الكولونيل غارغرين يثير استياء الجنرال ديغول، أليس هذا انتصارا يجلب الشرف لأوروبا؟ لبعض الوقت الماضي، تبنى رجال الدولة في الدول الرأسمالية موقفا ملتبسا تجاه الاتحاد السوفييتي. بعد أن وحدوا كل قواتهم لإلغاء النظام الاشتراكي، أدركوا الآن أنهم سيضطرون إلى التعامل معه. لذا فهم يبدون مسرورين بقدر استطاعتهم، فهم يقدمون كل أنواع التقدم، ويذكرون الشعوب السوفياتية طوال الوقت أنها “تنتمي إلى أوروبا.”

لن يتمكنوا من تقسيم القوى التقدمية التي تريد قيادة البشرية نحو السعادة من خلال تصوير العالم الثالث كتهديد يرتفع مثل المد لابتلاع كل أوروبا. العالم الثالث لا يقصد تنظيم حملة كبيرة من الجوع ضد أوروبا كلها. إن المتوقع من أولئك الذين أبقوه طوال قرون في العبودية هو أن يساعدوه في إعادة تأهيل البشرية، وجعل الإنسان منتصرا في كل مكان، مرة وإلى الأبد. لكن من الواضح أننا لسنا ساذجين إلى درجة أن نعتقد أن هذا سيحدث بتعاون من الحكومات الأوروبية وحسن نواياها. هذه المهمة الضخمة المتمثلة في إعادة تقديم البشرية إلى العالم، البشرية جمعاء، ستتم بمساعدة لا غنى عنها، من الشعوب الأوروبية، التي يجب عليها أن تدرك أنها في الماضي كانت في كثير من الأحيان تنضم إلى صفوف أسيادنا المشتركين فيما يختص بسؤال الاستعمار. ولتحقيق ذلك، يتعين على الشعوب الأوروبية أولاً أن تستيقظ وتهز نفسها، وتستخدم عقولها، وتتوقف عن ممارسة دور الجميلة النائمة.

هامش:
(*) بخصوص العنف هو ترجمة للفصل الأول من كتاب فانون: المغذبون في الأرض.

Frantz Fanon, “Concerning Violence,” Chapter One, The Wretched of the Earth, English Translation by CONSTANCE FARRINGTON.
وإلى الأمام..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*