الرئيسية / مقالات / مروة التجاني : ماذا يحدث في مصحة كوبر ( ٣)

مروة التجاني : ماذا يحدث في مصحة كوبر ( ٣)

Sudan voices                 

 كتبت : مروة التجاني

الكتابة عن مصحة كوبر ليس الغرض منها التشافي من تجربة قاسية بل للتعريف عن مكان في السودان يمارس فيه أقسى أنواع التعذيب في ظل حكومة الجبهة الاسلامية ودائما ما كنت أقول ” بعيداً من الاعلام إذن قريب من الظلام ” وفي الظلمات تمارس أبشع صنوف العذاب والحط من كرامة الانسان . كتبت عن المصحة بغرض كسر تابو قديم ولتعريف المجتمع بحقيقة المستشفيات الحكومية والتردئ في الخدمات إلى جانب فتح ملف الصحة النفسية للصحفيين المتخصصين في كتابة التحقيقات لمزيد من البحث والتقصي حول القضية . بداخل المصحة مبنى كبير ( عمارة ) من المفترض أن تنتقل إليها النزيلات ولكن إلى ذلك الحين سأحكي عن المبنى الحالي المخصص للنساء والذي يحمل أسم الحريمات .

لطالما توقفت كثيراً حول أسم الحريمات الذي يحمل دلالة الانتقاص من حق المرأة ، ويدل على البنية الذكورية المتأصلة في شرطة السودان وكيف ينظرون إلى النساء وكأنهن كائنات ناقصة . جناح الذكور على سبيل المثال يحمل أسم : جناح تنويم الرجال . الأصل في الكلمة : حريم وحريمات انتقاص لحقهن ، فكيف يتم علاج النساء تحت هذا المسمى ؟ سؤال توقفت فيه كثيراً . الجدير بالذكر أن طاقم العمل المكون من نساء كثيراً ما يستدعون الرجال لمساعدتهن في ادخال البنات الزنزانة بالقوة إذا رفضن ذلك وكالعادة تكون الاسباب في كثير من الاحيان تافهة وغير ذات معنى .

قبل خروجي من المشفى سألت البنات عن أكثر ما يزعجهن في هذا المكان ودونت ملاحظاتهن ( في الكراس الذي تمت مصادرته ) وجاء الرد واضحاً إنه في حال لم تتعاون إحداهن مع العسكريات أو طاقم التمريض في انجاز اعمال النظافة وغسل ملابسهن فأن حصتهن من الطعام تكون ناقصة والعكس كلما زادت الخدمات لطاقم التمريض تتحصل المريضة على حصة أكبر من الطعام وبقايا الخبز الناشف ( قرقوش ) . ذات يوم رفضت أنا تنظيف العنبر بحجة إن هذا واجب عاملة النظافة فتم حرماني من شاي الصباح وهكذا تتوالى الأمثلة في العقاب .

داخل قسم الحريمات هناك عنبرين فقط . لاتوجد في أي عنبر مروحة ، بلا تكييف ، وصفتهم نزيلها بقولها ” نحن هنا في أفران ” وكما قلت تعيد مصحة كوبر دائماً ذكرى النازية بشكل أو بآخر حين تم حرق اليهود داخل الأفران بالنار وهنا تتم عملية الحرق ببطء ، وبهدوء تتسلل الحرارة والنيران إلى الجسد والروح . لا تتنفس الفتيات هناك إلا روائح السموم ويمسحن العرق عن اجسادهن طوال اليوم . صحيح أنا لا أعرف تكلفة المروحة الواحدة من الناحية المادية لكن أعتقد إن وجودها يستحق العناء والكتابة بشكل علني للمجتمع دون الدعوة لفتح أبواب التبرعات في هكذا شؤون صغيرة ، لأن عدم وجود مروحة في عنبر تطول الاقامة داخله بغرض العلاج : عار .

العلاج في ظل هذه الظروف يعمل على اعادة انتاج المرضى وهو ما أكد عليه الفيلسوف ( ميشيل فوكو ) حيث شرح كيف تعيد مؤسسة السجن ذات الأفراد إليها بعد تخريجهم ، وشعار الاصلاح والعلاج الذي ترفعه يدور في فلكه شخوص بأعينهم وهو ما شاهدته في مصحة كوبر . داخل عنبرنا حوالي 10 بنات 9 منهن سبق لهن الدخول إلى المصحة ، وكلما يتم ادخال فتاة جديدة تجد جزء من رفيقاتها في وقت سابق داخل المصحة ، كدت ذات مرة أن أقول ” ما شاء الله الدفعة كلها هنا ” . لا يوجد شخص على وجه الأرض يتلقى هذا التعذيب الذي لا يمارس إلا في أشد السجون بشاعة مثل غوانتنامو أن يخرج وهو سليم ومعافى ، سيظل يعود إلى دائرة هذا السجن مراراً وتكراراً .

لن أهدر وقتاً في الحديث عن البنية التحتية للمشفى مثل وصف المراحيض التي لا تصلح للاستخدام البشري ، لكن المبنى بشكل عام ضيق ، ذو جدان متصدعة ، مظلم ، متسخ لا يصلح للاقامة فيه سواء كان النزلاء أصحاء أم مرضى .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*