الرئيسية / مقالات / خالد التيجاني :ما وراء السياسات الجديدة أبعد من مسألة سعر صرف .. إنه سؤال الإنتاج يا صاح

خالد التيجاني :ما وراء السياسات الجديدة أبعد من مسألة سعر صرف .. إنه سؤال الإنتاج يا صاح

Sudan voices               

(1)
ليست السياسة، على أهمية الصراعات المحمومة حولها كعامل اسقطاب حاد استثنائي أقعد السودان- مع كل موارده المتنوعة الضخمة الكامنة- لأكثرمن ستة عقود بعد الاستقلال، بل الاقتصاد الذي شهد تردياً مستداماً خلال السنوات السبع الماضية على وجه الخصوص بكل تبعاته الاجتماعية التي ولّدت احتقاناً شعبياً مكتوماً، هو ما يجعل السودان علي مفترق الطرق في لحظة فاصلة بين تلمس لبعض طرق الإصلاح قد تقود إلي شئ من الأمل في تدارك أزماته المتلاحقة نحو الاستقرار، وبين الإنزلاق إلى فورة انفجار احتقان اجتماعي كامن لن تبقي ولن تذر
(2)
فقد أثار إعلان حكومة معتز موسى الأسبوع الماضي عن جانب من سياستها الاقتصادية فيما يتعلق ب”سياسات الصادر والوارد” الجديدة التي تبنّت تحريراً جزئياً، ليس كاملاً ولا تعويماً كما ذهبت إلى ذلك بعض التقارير التي تسبّبت في إرباك فهم حقائق الوضع، وهي تطبيق واقعي لسياسة لسعر الصرف المرن المدار لأغراض التجارة الخارجية، أثارت جدلاً واسعاً في الفضاء العام السوداني، سواء على صعيد قطاع الأعمال، أو الخبراء المختصين، وكذلك عامة المهتمين من الجمهور.
وبغض النظر عن مضمون النقاش الساخن الذي طغى علي هذه المداولات والتي جاء بعضها مشوشاً وهو في ذلك معذور على خلفية تداول معلومات غير صحيحة عن طبيعة الخطوة، إلا أن هذه الحيوية الفائقة التي أطلقتها المبادرة الحكومية تمثّل عاملاً إيجابياً في حد ذاتها، بما يعيد ترتيبات الأولويات بشكل صحيح، حيث أعادت ترتيب الأولويات لتضع الاقتصاد مجدداً في قلب الهم العام، والعملية السياسية كما هو حادث في أركان الدنيا الأربعة، فلم تعد هناك دولة تضيع وقتها هدراً في اللجاج السياسي الذي يدور في حلقة مفرغة، وغير المنتج، فق\ أصبح نجاح الدول كبيرها قبل صغيرها يخضع لمعايير الفلاح في امتحان الاقتصاد.
(3)
صحيح أن الأزمات الاقتصادية شبة المستدامة التي حلّت بالبلاد في السنوات الماضية لم تكن سوى تجلياً للأزمة السياسية في كثير من جوانبها من جهة طبيعة سلم الأولويات عند السلطة الحاكمة التي يدفع كلفتها الاقتصاد، إلا ان الصحيح أيضاً أن تفاقم المشكلات الاقتصادية كانت تنطوي أيضاً على اختلالات ذاتية في إدارة السياسات الاقتصادية من عدة جهات ليس أقلها الافتقار إلى إطار نظري معلوم للوجهة الاقتصادية، وتقلب السياسات وتناقضها، واستشراء الفساد الإداري والمالي، فضلاً عن ضعف كفاءة الفريق العامل في الملف، والقصور المريع في الخيال من تولوا المسؤولية في إدارة اقتصاد بلد غني بالموارد المتجددة كالاقتصاد السوداني.
(4)
والسؤال المهم في أي سياق يمكن قراءة هذه التطورات اللافتة في الملف الاقتصادي الذي استطاعت حكومة معتز أن تضعه في قلب أجندة الرأي العام بعد وقت وجيز من تشكيلها؟ وكيف يمكن فهم دينامياتها ومآلاتها؟. من الصعب بالطبع تناول هذه التحركات المتسارعة بغير النظر في الخلفية التي ولّدت هذه الضرورة للتعاطي بقدر كبير من الموضوعية مع تطورات الأوضاع الاقتصادية الراهنة، صحيح أن السودان منذ أن ولّت فورة عقد النفط القصيرة العمر التي صحا الناس على وقعها غداة تقسيم البلاد وانفصال الجنوب بدأ يشهد تراجعاً مريعاً في أحواله الاقتصادية، فقط للتدليل على فداحتها أن انفلات التضخم قاد في السنوات السبع العجاف الماضية إلى تأكل القوة الشرائية للجنيه السوداني بوتيرة مخيفة، فقد خسر خلال السنوات القليلة الماضية خمس وعشرين ضعف قيمته أمام الدولار (من نحو 2 جنيه إلى مشارف الخمسين جنيها).
ولعل أسوأ ما يردده المسؤوون الحكوميون في تبرير تردي الأوضاع الاقتصادية يعزونه إلى انفصال الجنوب وفقدان العائدات النفطية، كأن ذلك ان حدث حين غرة، ولم يكن معلوماً كاحتمال قائم بنسبة 50% على الأقل قبل تحقق الانفصال بعشر سنوات حين تمت تسوية مجاكوس في منتصف 2002 التي أسست لحق تقرير المصير في اتفاق السلام الشامل، لذلك لا أحد يستحق اللوم غير الحكومة القائمة نفسها منذ ذلك الوقت التي تجاهلت استثمار ريع السنوات السبع السمان في تنمية مستدامة.
(5)
في أكتوبر من العام الماضي أبلغ رئيس الحكومة السابقة الفريق أول بكري حسن صالح المجلس الوطني بأن “الحالة الاقتصادية واقفة”، ودعا إلى قيام مدرسة اقتصادية جديدة في إشارة واضحة إلى فشل السياسات والإدارة التي كانت سائدة مما ظهر جلياً في نتائج تراجع الأداء الاقتصادي الذي أصبح مستداماً، لم يحفل أحد بذلك الطلب من رئيس الوزراء السابق، لا حكومته، ولا حزبه الحاكم، ولا حتى المجلس الوطني نفسه، ولربما اعتبر كثيرون بمن فيهم صنّاع القرار، أن هذا تنظيرا ليسوا في حاجة إليه، وهكذا مع هذه الغفلة الرسمية عن تحرك جاد لتدراك الآزمة الآخذة في التدهور، جاءت قاصمة الظهر بعدها بأسابيع فقط في نوفمبر الأسود الذي شهد انهياراً متسارعاً في قيمة العملة الوطنية، والذي لم يكن في حقيقة الأمر سوى نتاج للمزيد من الرعونة في معالجة الأزمات الاقتصادية، كانت قمة المفارقة أن البنك المركزي المنوط به حماية قيمة العملة هو نفسه الذي قادها في طريق الانهيار بإفراطه في طباعة النقود، استجابة لتدخلات سياسية، حتى تضاعف نمو الكتلة النقدية بنحو 70%، أي ثلاثة اضاعف نسبة نمو الكتلة التقدية المقدرة في موزانة العام 2017، بكل آثاره التضخمية.
(6)
وعلى مدار الأحد عشر شهراً الماضية وقفت الحكومة تتفرج على الأزمة وهي تتفاقم، وحتى عندما تدخلت جاءت بسياسة انكماشية خاطئة بلا رؤية ولا هدف معلوم في محاولة يائسة للسيطرة وكبح جماح “سعر الصرف” دون نظر في سياسات الاقتصاد الكلية مما قاد لنتائج عكسية، زادت الأمور ضغثاً على إبالة، وأصبح واضحاً أن البلاد كلها أصبحت أمام أفق مسدود، وكانت هذه الحالة على خطورتها ليست مما تشغل الساسة لا في الحكومة، وللمفارقة في المعارضة، فالنخب المسيّسة على الجانبين لا تعاني من آثار هذه التدهور الاقتصادي المريع، فلدي أغلبهم وسائل وبدائل للعيش خارج نطاق المعاناة.
أما من كانوا يدفعون الثمن الحقيقي لهذه الأزمات المتلاحقة فهم غمار الناس من ذوي الدخول المحدودة التي تعيّن عليهم أن يواجهوا غول التضخم الذي تضاعفت نسبته بأكثر من ثلاثة اضعف النسبة المستهدفة في الموازنة، وكان عليهم أن يتحملوا ارتفاع أسعار السلع المعيشية الأساسية أكثر من ثلاثة اضعاف في ظل غياب كامل السلطات، وانفلات كامل للأسعار عن أي رقابة من أي نوع، وهنا يكمن السؤال الحقيقي كيف يمكن لسواد الناس أن يستمروا في تحمل المزيد من هذه التبعات القاسية في ظل غياب أي ضوء في نهاية النفق.
(7)
هذه الصورة القاتمة للأوضاع الاقتصادية، ليست مجالاً لترف الجدل بين النخب للانتصار لهذا الفريق السياسي أو ذاك في دعم النظام أو معارضته، في وقت أن يدفع الثمن الحقيقي لاستمرارها هم سواد الناس الذي أصابهم الضر، ومن خلال هذا البعد الإنساني يجب النظر في السياسات التي دفعت بها حتى الآن الحكومة الجديدة، بغض النظر عن التقييم السياسي لها، والسؤال هل ستسهم هذه السياسات في إيقاف المعاناة عند هذا الحد، وإعطاء الأمل في معالجات ممكنة للأوضاع الاقتصادية بسياسات قادرة على إعادة ضخ الدماء في شرايين الاقتصاد المتيبسة؟، وإلى أي مدى تستطيع هذه السياسات الجزئية التي لم تستكمل بعد، إذ لا تزال تحتاج لإنجاحها إلى اشتراطات أخرى ضرورية في إصلاح السياسة المالية، وفي طليعتها استرداد الولاية الكاملة على المال العام لوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، وإصلاحيات سياسية هيكلية لا غنى عنها، سنتناولها بمشيئة الله في مرات قادمة.
(8)
من المهم جداً التأكيد على أن الأضاع الاقتصادية الراهنة أكثر تعقيداً بأكثر مما يظن كثيرون أو يعتقدون أنه يمكنه معالجته بسهولة حتى لو تغير النظام اليوم، وذلك نتيجة تراكمات وأخطاء هيكيلة عميقة في بنية الاقتصاد السوداني تعقدت أكثر في الثلاثة عقود الأخيرة، وهذا يعني ببساطة أنه لا يوجد حل سحري للخروج من المأزق الراهن، كما لا توجد وصفة مثالية تحل المشكة بضربة لازب، وهذا بالطبع يتعلق بطبيعة الاقتصاد كعلم بدائل، تتعدد فيه الوصفات والوسائل ولكل واحدة من المزايا كما لها من الآثار الجانبية التي تختلف بتبدل المعطيات غير الثابثة بطبيعتها، فضلاً عن أن العوامل المؤثرة سواء كانت خارجية او داخلية بالتأكيد تحت سيطرة صانع القرار,
(9)
ولذلك فإن السياسية المطروحة حالياً لا تعني بالضرورة أنها مثالية، ولا تزعم الحكومة نفسها أنها تمثل الخلاص من المعاناة، وتحقق الحل المستدام للمعضلة الاقتصادية، ولا ينبغي التعامل مع هذه التطورات على هذا الأساس عند التعاطي معها تأييداً من باب المدح والأطناب، أو انتقاداً من باب الذم،وكلاهما غير مطلوب، ولكن تحتاج للنظر فيها بموضوعية في ظل المعطيات المتاحة، وأولها أنه لا يمكن إيجاد حل فوري ومثالي، ولكن بالضرورة هناك مؤشرات تستطيع أن تقرأ بها إتجاه الخطوات الرامية إلى وضع لبنات للخروج من الأزمة، وأنها تسير في الطريق الصحيح، ومن المؤكد أن السياسات الحالية بشكلها الراهنة أملتها المعادلات السائدة حالياً، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها ستبقى سياسة مستدامة، أو جامدة، وبالتالي فهي خاضعة للمراجعة والتصويب بحسب ما تقتضي التجربة العملية. فالمسألة الأهم أنها تتجاوز مجرد معالجة سعر الصرف، إلى محاولة الإجابة على السؤال المحوري المتعلق بإطلاق طاقات الإنتاج والاستثمار في الموارد الوطنية بكفاءة عالية.
(10)
وثمة أمر مهم للغاية في هذا الصدد يشير إلى تحوّل لافت في مقاربة الأزمات الاقتصادية، فهذا هي المرة الأولى منذ العام 2006 التي لا تلجأ الحكومة فيها إلى الوصفة الفاشلة بامتياز التي ظلت تجربها على الأقل تسع مرات خلال هذه السنوات، فقد كانت كلما واجهت ضائقة اقتصادية تسارع باللجوء إلى إجراءات سهلة المنال وهو زيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية بدعوى رفع الدعم، والزعم بان ذلك ضروروي لإعادة هيكلة الدعم لصالح الفقراء ودعم الإنتاج، وهي مزاعم لم تتحقق ولا مرة واحدة، فقد كان كل مرة يزداد الحال بعدها سوءاً، ببساطة كانت محاولات سطحية لمقاربة الأزمة بجعل المواطنين يدفعون ثمن إخفاق الإدارة الحكومية للاقتصاد.
ويُحمد لرئيس الوزراء معتز موسى أنه اتسم بحكمة التعل!م من هذه التجارب الفاشلة بامتياز وهو يستبعد اللجوء إلى هذا الخيار المجاني للحكومة والبالغ الوطأة على المواطنين، تحت لافتة رفع الدعم، فقد أكد بوضوح أنه لا معنى لذلك في ظل انفلات التضخم وعدم استقرار سعر الصرف، مؤكداً أن ذلك غير ممكن ما لم ينخفض معدل التضخم إلى رقم واحد، وهو ما يعني تحقق الاستقرار في قيمة العملة الشرائية، لأن رفع الدعم بغير تحقق هذين الشرطين لا يعدو أكثر من تمويل فرق التضخم إزدياد معاناة الناس.
(11)
على أن العامل الأكثر أهمية في حراك الحكومة الجديدة ليست هي معركة “سعر الضرف” التي تبدو في السودان وكأنها أم المعارك، في حين لا تعدو أن تكون قيمة العملة الوطنية هي في نهاية الأمر انعكاس لمجمل مؤشرات أداء الاقتصاد الكلي، لقد أصبح لسعر الدولار تحديداً قدسية أنست حتى المختصين البديهيات، فالسياسات الجديدة معنية في جوهرها بتحريك قطاع الإنتاج الحقيقي والاستفادة من الموارد الذاتية، بدل انتظار استمثارات خارجية تكبّلها حسابات السياسة، وهو الجانب البالغ الحيوية في المعاجلة الاقتصادية، وشاءت الأقدار أن يأتي هذا الحراك متزامناً مع موسم صيفي زراعي توسع فيه الإنتاج بحجم قياسي بفضل موسم الخريف المميز هذا العام، وهو ما يلقي عبئاً ثقيلاً على الحكومة في إكمال نجاحه بحصاد وفير وتسويق فعّال، وتحضيراً جيداً للموسم الشتوي الوشيك، وما كان ذلك ممكناً، مع ترتيبات أخرى، بغير تبني هذا السياسات التوسعية الفائقة الضرورة لإنعاش الاقتصاد بديلاً للسياسة الانكماشية التي سادت في الآونة الأخيرة، ولذلك فإن الإجابة على سؤال الإنتاج هو الأكثر أهمية الذي لا يمكن تجاوزه عند تقييم السياسات الجديدة والآفاق التي يمكن أن ترادها.
(12)
وتبقي مسألة أخيرة، ففي بلد يكسب أغلب سكانه معاشهم من الزراعة بشقيها، وهو ما يعني بالضرورة أن أغلب الفقراء يقعون في دائرة هذه الشريحة، فإن إنعاش القطاع الزراعي هو السبيل الوحيد الأكثر مضاءاً ليس كمورد لكبار المنتجين، الذين يحمد لهم تزايد اهتمامهم بهذا المجال، ولا كمصدر دخل للحكومة التي تنتظر عائدات مليارية من الصادرات الزراعية، بل كذلك لتخفيف حدة الفقر وسط صغار المنتجين ليس ذلك فحسب، بل وضعهم كذلك أيضاً على منصة الإنطلاق نحو واقع يتجاوز مكافحة الفقر إلى ارتياد آفاق الثراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*