الرئيسية / مقالات / دفاتر البان آف (25) بخصوص العنف (5-6) لـ/ فرانز فانون

دفاتر البان آف (25) بخصوص العنف (5-6) لـ/ فرانز فانون

Sudan voices                     

دفاتر البان آف (25)

بخصوص العنف (5-6)

لـ/ فرانز فانون

ترجمة: أبكر آدم إسماعيل

لقد اختار المواطن المستعمَر في محاججاته المنطق الذي قدمه المستوطن، وفي عملية قلب للطاولة بطريقة تدعو السخرية، المواطن الأصلي هو الذي يؤكد الآن أن المستعمِر لا يفهم شيئا سوى القوة. يدين النظام الكولونيالي بشرعيته للقوة، ولا يحاول في أي وقت من الأوقات إخفاء هذا الجانب من الأشياء. كل تمثال، سواء لـ”فيديرب” أو لـ”ليوتي،” أو لـ”بوغو” أو لـ”الرقيب بلاندان” – كل تماثيل هؤلاء الغزاة التي تقف على التربة الاستعمارية لا تتوقف عن إعلان شيء واحد هو: “نحن هنا بقوة الحراب…” (* هذا يشير إلى قول ميرابو الشهير: “أنا هنا بإرادة الشعب؛ ولن أغادر إلا بقوة الحراب.” – المترجم الإنجليزي.) ويتم إكمال الجملة بسهولة. خلال مرحلة العصيان، كل منطق المستوطنين يقوم على أساس حساب بسيط. هذا المنطق لا يفاجئ المستوطنين الآخرين، ولكن من المهم الإشارة إلى أنه لا يفاجئ السكان الأصليين أيضا. بادئ ذي بدء، فإن التأكيد على مبدأ “هم أو نحن” لا يشكل مفارقة، لأن الاستعمار، كما رأينا، هو في الواقع تنظيم مانوي للعالم، عالم مقسم في داخله. وعندما يضع المستوطن أساليب محددة يُطلب من كل فرد من الأقلية المضطهِدة أن يقتل 30 أو 100 أو 200 من السكان الأصليين، ولا يُرى أحد يُظهر أي استنكار لذلك، وأن المشكلة برمتها هي تقرير ما إذا كان يمكن القيام بذلك دفعة واحدة أو بالتدرج (من الواضح أن ماكنة التنظيف تشفط الشيء ذاته الذي كانوا يريدون الحفاظ عليه. يشير سارتر إلى ذلك عندما يقول: “باختصار من حقيقة تكرارها [فيما يتعلق بالأفكار العنصرية]، يتم اكتشاف أن الاتحاد المتزامن لجميع المستوطنين ضد السكان الأصليين غير قابل للتحقيق، وهي محاولة تتكرر من وقت لآخر، وعلاوة على ذلك، لا يمكن أن يحدث إلا كاتحاد نشط لإبادة السكان الأصليين – وهو أمر سخيف على الرغم من أنه يشكل إغراءا دائما للمستوطنين، والذي لو كان ممكنا، فإنه لن ينجح إلا في إلغاء الاستعمار في ضربة واحدة. “(Critique de la Raison Dialectique، p. 346))

هذه السلسلة من منطق التفكير التي تفترض بحكم طبيعى اختفاء الشعب المستعمَر لا تترك أمام المستعمَر تجاوزها باستنكار أخلاقى. فهو يعرف دائما أن المبارزة مع المستوطنين ستجري في ساحة النزال. المواطن الأصلي لا يضيع أي وقت في الرثاء، وهو نادرا ما يسعى إلى تحقيق العدالة في الإطار الاستعماري. والحقيقة هي أنه إذا لم يستطع منطق المستوطن أن يزعزع المواطن الأصلي، فذلك لأن الأخير قد عبر عمليا عن قضية تحرره بنفس المنطق: “يجب أن نشكل أنفسنا في مجموعات من مائتين أو خمسمائة، ويجب على كل مجموعة التعامل مع مستوطن.” إنه على هذا النحو من التفكير يبدأ كل طرف من أطراف الصراع كفاحه. بالنسبة للسكان الأصليين، يمثل هذا العنف خط العمل المطلق. المتشدد هو أيضا رجل يعمل. الأسئلة التي يطرحها التنظيم على المتشدد تحمل علامة هذه الطريقة في النظر إلى الأمور: “أين كنت تعمل؟ مع من؟ ما الذي أنجزته؟”

وتطلب المجموعة من كل فرد أن يقوم بعمل لا رجعة فيه. ففي الجزائر، على سبيل المثال، حيث كان جميع الرجال تقريباً الذين دعوا الشعب للانضمام إلى النضال الوطني قد حكم عليهم بالإعدام أو بحثت الشرطة الفرنسية عنهم، كانت الثقة تتناسب مع اليأس في كل حالة. إن وجود مجند جديد مؤكد بالنسبة له عندما لم يعد بإمكانه العودة إلى النظام الاستعماري. ويبدو أن هذه الآلية كانت موجودة في كينيا بين الماو-ماو، التي تطلب من كل عضو في المجموعة توجيه ضربة للضحية. وهكذا كان كل فرد مسؤولا شخصيا عن وفاة ذلك الضحية. العمل يعني العمل من أجل موت المستوطن. هذه المسؤولية المفترضة عن العنف تسمح لأعضاء المجموعة المحظورين والمشردين بالعودة والعثور على مكانهم مرة أخرى، ليصبحوا متكاملين. وبالتالي ينظر إلى العنف على أنه مماثل للعفو الملكي. يجد الرجل المستعمر حريته في العنف وعبره. قاعدة السلوك هذه تؤدي إلى تنوير الوكيل لأنها تدله على الوسيلة والغاية. ويأخذ شعر سيزير في هذا الجانب الدقيق للعنف أهمية نبوية. يمكننا أن نتذكر واحدة من أكثر الصفحات الحاسمة في مأساته حيث يُفسِّر المتمرد (حقاً!) سلوكه:

المتمرد (بقسوة):
اسمي – إساءة؛ اسمي المسيحي – إهانة؛ وضعيتي – متمرد؛ عمري – عمر العصر الحجري.
الأم:
عرقي – الجنس البشري؛ ديني – الأخوة.
المتمرد:
عرقي: من الخطاة. ديني … لكن ليس أنت الذي سيظهر لي ذلك بنزع سلاحك…
“أنما أنا، بتمردي وقبضتي المضمومة بشدة وشعري المجعد…
(بهدوء شديد): أتذكر ذلك اليوم من أيام نوفمبر؛ لم يمض على ذلك ستة أشهر… جاء السيد في مقصورة في سحابة دخان مثل قمر أبريل. كان يستعرض ذراعه القصيرة ذات العضلات – كان سيدًا طيباً جدًا – وكان يمسح وجهه الصغير المليء بالدمامل بأصابعه الضخمة. كانت عيناه الزرقاوان تبتسمان ولم يستطع أن يستخرج الكلمات المعسولة من فمه بالسرعة الكافية. قال لي وهو ينظر إليّ: “هذا الطفل سيكون زميلاً محترماً،” وقال أشياء أخرى حسنة أيضاً، السيد – أنه كان عليك أن تبدأ مبكراً جداً، وأن عشرين عاماً ليست كثيرة لتكوين مسيحي جيد، عبد جيد، فتى ثابت ومخلص، قائد مجنزرين جيد، حاد البصر وقوي الساعد. وكان كل ما رآه ذلك الرجل في مهد إبني هو مهد قائد مجنزرين.
زحفنا وبأيدينا الخناجر
الأم:
للأسف، ستموت في سبيل ذلك.
المتمرد:
قُتل.. لقد قتلته بيدي هاتين.
نعم، إنه موت مثمر، موت وافر
كان الوقت ليلا. زحفنا عبر مزارع قصب السكر.
غنت الخناجر للنجوم، ولكننا لم نهتم للنجوم.
شَلّخ قصب السكر وجوهنا بتيارات من الشفرات الخضراء.
الأم:
وكنتُ حلمت بإبن يغلق عيون أمه.
المتمرد:
ولكنني اخترت أن أفتح عيني ابني على شمسٍ أخرى.
الأم:
وا حسرتي بني، ابن الشر والموت المشؤوم..
المتمرد:
أم الأحياء والموت الباهر.
الأم:
لأنه أسرف في الكره.
المتمرد:
لأنه أسرف في الحب.
الأم:
دعني، فأنا مخنوقة في أغلالك. أنا أنزف من جروحك.
المتمرد:
والعالم لم يدعني وشأني… ليس هناك مكان في العالم قُتل فيه أو عُذِّب مخلوق مسكين لم أُقتل أو أُهان فيه…
الأم:
خلِّصه يا رب السماوات!
المتمرد:
يا قلبي، إنك لن تخلصني من كل ما أتذكر…
كان يوما من أيام نوفمبر…
وفجأة أضاءت الصرخات الصمت؛
لقد هجمنا، نحن العبيد؛ نحن، الروث تحت الأقدام، نحن الحيوانات ذات الحوافر الصابرة،
كنا نركض مثل المجانين. رنت طلقات … كنا نضرب. الدم والعرق
ينعشاننا. كنا نضرب بالاتجاه الذي أتت منه الصرخات/الهتافات.
أصبحت الهتافات أكثر شدة وعلا صخب عظيم من الشرق: إنها أطراف البيوت تحترق
وأخذ اللهب يضيء بعذوبة على خدودنا.
كان الهجوم على بيت السيد. كانوا يطلقون الرصاص عبر النوافذ.
لقد اخترقنا الأبواب.
غرفة السيد مفتوحة على آخرها. غرفة السيد مضاءة ببهاء، وكان السيد هناك، هادئاً جدا… وقف رجالنا متصلبين. أنه السيد… دخلتُ.
“أهذا أنت،” قال بهدوء شديد.
كنتُ أنا، حتى أنا، أخبرته بذلك، العبد الطيب، العبد المؤمن، العبد من العبيد،
وفجأة أصبحت عيناه كصرصارين خائفين في موسم ماطر… ضربتُ.
واندفق الدم: هذا هو التعميد الوحيد الذي أتذكره اليوم.

(*Aimé Césaire, Les Armes Miraculeuscs (Et les chiens se taisaient), pp. 133-37.)

من المفهوم أنه في هذا الجو، تصبح الحياة اليومية مستحيلة بكل بساطة. لا يمكنك بعد الآن أن تكون فلاحًا أو قوادًا أو مدمنًا على الكحول كما كنت من قبل. إن عنف النظام الاستعماري والعنف المضاد له المتمثل في عنف السكان الأصليين يتوازنان ويستجيبان لبعضهما البعض في تجانس متبادل غير عادي. وستكون هذه الفترة من العنف الأكثر فظاعة بما يتناسب مع حجم المستوطنات من البلد الأم. وسيكون تطور العنف بين المستعمَرين متناسبا مع العنف الذي يمارسه النظام الاستعماري الذي يهددهم. في المرحلة الأولى من فترة التمرد/العصيان هذه، تكون الحكومات المحلية مستعبَدة للمستوطنين، ويسعى هؤلاء المستوطنون إلى ترهيب السكان الأصليين وحكوماتهم المحلية في وقت واحد.

إنهم يستخدمون نفس الأساليب ضد كل منهما. إن اغتيال عمدة إيفيان، في منهجه ودافعه، يتطابق مع اغتيال علي بومنجل. بالنسبة للمستوطنين، لا يكون البديل بين الجزائر الجزائرية والجزائر الفرنسية بل بين الجزائر المستقلة والجزائر المستعمَرة، وأي شيء آخر هو مجرد كلام أو محاولات للخيانة. منطق المستوطنين هو منطق عنيد، ولا يندهش المرء للمنطق المضاد المرئي في سلوك السكان الأصليين إلا إذا لم يفهم سلفاً آليات تفكير المستوطنين. ومنذ اللحظة التي اختار فيها المواطنون أساليب العنف المضاد، فإن الأعمال الثأرية التي تقوم بها الشرطة تدعو تلقائياً للانتقام من جانب الوطنيين.

ومع ذلك، فإن النتائج ليست متكافئة، لأن الرشاشات الآلية للطائرات والقصف من الأسطول تذهب إلى أبعد من الرعب وتكون أكبر من حجم أي رد يمكن أن يقوم به السكان الأصليون. هذا الإرهاب المتكرر يزيل بصورة نهائية الغشاوة عن الأعضاء الأكثر غباءًا في الجنس المستعمَر. ويكتشفون على الفور أن كل ركام الخطب عن المساواة بين البشر لا تخفي الحقيقة الشائعة بأن الفرنسيين السبعة الذين قُتلوا أو جُرحوا في ممر الكولونيل دي ساكامودي يثيرون السخط في جميع الضمائر المتحضرة، في حين لا يهتم أحد بعمليات نهب الدوارات (* قرى مؤقتة/ فرقان الرعاة – المترجم الانجليزي) في جرجور وديشرات (dechras) جرة ومذبحة السكان بأكملهم – الذين كانوا قد دعوا إلى كمين ساكامودي كرد فعل انتقامي. الإرهاب، مكافحة الإرهاب، العنف، العنف المضاد: هذا ما يسجله المراقبون بمرارة عندما يصفون دائرة الكراهية، التي هي دائرة عنيدة وواضحة جداً في الجزائر.
في جميع الصراعات المسلحة، هناك ما يمكن أن نسميه نقطة اللاعودة. دائمًا ما تتميز بواسطة القمع الضخم والشامل الذي يحتوى جميع قطاعات الشعب المستعمَر. لقد تم الوصول إلى هذه النقطة في الجزائر عام 1955 مع مقتل 12000 ضحية في لفيليبفيل، وفي عام 1956 مع تأسيس ميليشيات الحضر والريف في لاكوست. († يجب أن نعود إلى هذه الفترة من أجل الحكم على أهمية هذا القرار من جانب الحكومة الفرنسية في الجزائر. وبالتالي قد نقرأ في مجلة “المقاومة الجزائرية،” عدد رقم 4، بتاريخ 28 مارس 1957، ما يلي: “رداً على الرغبة التي أعربت عنها الجمعية العامة للأمم المتحدة ، قررت الحكومة الفرنسية الآن إنشاء ميليشيات حضرية في الجزائر.” “لقد أريق ما يكفي من الدماء،” هذا ما قالته الأمم المتحدة؛ ورد لاكوست، “دعنا نشكل ميليشيات.” “أوقفوا إطلاق النار،” نصح مكتب الأمم المتحدة؛ لاكوست يصرخ: “يجب علينا تسليح المدنيين.” بينما كان الطرفان وجها لوجه مع بعضهما البعض وبناء على توصية الأمم المتحدة المدعوة للاتصال بالطرفين بهدف التوصل إلى اتفاق وإيجاد حل سلمي وديمقراطي، أصدر لاكوست مرسوما بأن كل أوروبي سوف يتسلح من الآن فصاعداً ويجب أن يطلق النار على أي شخص يشتبه فيه.

ثم تم الاتفاق (في الجمعية) على أن القمع الوحشي والجائر الذي يقترب من الإبادة الجماعية، يجب أن تعارضه السلطات مهما كانت التكاليف: لكن لاكوست يرد: “دعونا ننظم القمع وننظم مطاردة الجزائريين.” وبشكل رمزي، يعهد للجيش بسلطات مدنية، ويعطي السلطات العسكرية للمدنيين. وتنغلق الحلقة. في الوسط، الجزائري، منزوع السلاح، مجوَّع، متعقَّب، مضروب، مقتول خارج القانون، وعلى وشك أن يتم ذبحه كمشتبه فيه. اليوم، في الجزائر، ليس هناك فرنسي واحد غير مصرح له ومسموح له باستخدام أسلحته. بعد شهر من دعوة مكتب الأمم المتحدة من أجل التهدئة، لم يكن هناك فرنسي واحد، في الجزائر، لم يسمح له وإلزامه بالبحث والتحقيق وملاحقة المشتبه بهم.

“بعد شهر واحد من التصويت على الاقتراح النهائي للجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يوجد أوروبي واحد في الجزائر ليس طرفاً في العمل الأشد مأساوية للإبادة في الأزمنة الحديثة. حل ديمقراطي؟ حسناً، يقر لاكوست قائلا؛ دعونا نبدأ بالقضاء الجزائريين، وللقيام بذلك، دعونا نُسلّح المدنيين ونعطيهم تفويضا مطلقا (كارت بلانش)، فقد رحبت الصحافة في باريس، على وجه العموم، بإنشاء هذه الجماعات المسلحة مع بعض التحفظ. وقد سميت ميليشيات فاشية. نعم، لكن على المستوى الفردي، على مستوى حقوق الإنسان، ما هي الفاشية إن لم تكن استعمارية عندما تكون متجذرة في بلد استعماري تقليدي؟ لقد تقدم الرأي بأنه يتم إضفاء الصفة القانونية على هذه المليشيات بشكل منهجي والثناء عليها؛ لكن ألا يتم تحميل جسد الجزائر على مدى مائة وثلاثين عامًا من الجراح التي ما زالت فتوقها أوسع وأكثر تعددًا وأكثر عمقًا من أي وقت مضى؟ “انتبهوا” يقول موسيو كين-فيجنس، عضو البرلمان عن الحركة الشعبية الجمهورية (MRP): “ألسنا نخاطر بتوسيع الفجوة بين المجتمعين في الجزائر من خلال إنشاء هذه الميليشيات؟ نعم؛ لكن أليس الوضع الاستعماري نفسه سوى اختزال الشعب بأكمله في العبودية؟

إن الثورة الجزائرية هي بالتحديد التناقض المؤكد لتلك العبودية وهذه الهوة. الثورة الجزائرية تتحدث إلى الأمة المحتلة وتقول: “خذي أنيابك من جسد الجزائر النازف! دعي الشعب الجزائري يتكلم! كما يقولون، “إن إنشاء الميليشيات سيخفف من مهام الجيش. إنه سيحرر وحدات معينة مهمتها حماية الحدود المغربية والتونسية. في الجزائر، الجيش يبلغ ستمائة ألف جندي. كل قوات البحرية والقوات الجوية تقريبا مقرها هناك، وهناك قوة شرطة هائلة وسريعة ولها سجل فعال بشكل مريع لأنها استوعبت الجلادين السابقين من المغرب وتونس. الوحدات الإقليمية مائة ألف جندي. مهمة الجيش، نفس الشيء، يجب أن تُخفف. لذلك دعونا نخلق ميليشيات حضرية، وتبقى الحقيقة أن الهياج الهستيري والإجرامي لـ”لاكوست” يفرضه حتى على الشعب الفرنسي صاحب البصيرة، والحقيقة هي أن عملية إنشاء الميليشيات تحمل تناقضاتها حتى في تبريرها.

مهمة الجيش الفرنسي لا تنتهي أبدا. وبالتالي، عندما يتم تقديمه بهدف تكميم الشعب الجزائري، يصبح الباب مغلقا على المستقبل وإلى الأبد. وفوق كل ذلك، يحظر تحليل، أو فهم، أو قياس عمق وكثافة الثورة الجزائرية: قادة الإدارات، وقادة العقارات، وقادة الشوارع، وقادة المنازل، والقادة الذين يسيطرون على كل المطارات… ويضاف اليوم إلى مدققي السطح شبكة مدققين تحت الأرض. “في 48 ساعة تم تسجيل ألفي متطوع. استجاب الأوروبيون الجزائريون فوراً لنداء لاكوست للقتل. من الآن فصاعداً، يجب على كل أوروبي أن يراقب جميع الجزائريين الأحياء في قطاعه؛ وبالإضافة إلى ذلك سيكون مسؤولاً عن المعلومات، و”الاستجابة السريعة” لأعمال الإرهاب، واكتشاف المشتبه بهم، وبالإضافة إلى ذلك تصفية الهاربين ووتعزيز خدمات الشرطة. بالتأكيد، يجب تخفيف مهام الجيش. واليوم، تتم إضافة بُعدٍ أعمق على التطهير السطحي. اليوم، يضاف القتل المخطط إلى القتل الذي هو كل شيء في العمل اليومي. “وقف سفك الدماء،” كانت النصيحة التي قدمها مكتب الأمم المتحدة. “أفضل طريقة للقيام بذلك،” أجاب لاكوست، هي التأكد من عدم بقاء دماء ليتم سفكها.” الشعب الجزائري، بعد أن تم تسليمه إلى جحافل ماسو، فقد وُضع تحت حماية الميليشيات الحضرية. وبقراره إنشاء هذه الميليشيات، يُظهر لاكوست بوضوح بأن ليس له ارتباط بأي تدخل في الحرب التي أشعلها. وهذا دليل على أنه ليس هناك حدود للتفسخ منذ أن يبدأ. صحيح، هو في الوقت الحالي سجين الوضع، ولكن ما هو العزاء في جر الجميع إلى الأسفل عندما يسقط المرء!

“بعد كل قرار من هذه القرارات، يواصل الشعب الجزائري في شد عضلاته ويقاتل بشكل أكبر. بعد كل حملة من هذه الحملات المنظمة، المخطط لها بعد الاغتيالات، يبني الشعب الجزائري وعيه بذاته ويوطد مقاومته. نعم؛ مهام الجيش الفرنسي لا نهائية لها: لأنه ويا للسخرية، عليها أن تمتد إلى المدى الذي تصل إليه وحدة الشعب الجزائري لانهائية!”

ثم أصبح من الواضح للجميع، بما في ذلك المستوطنين، أن “الأمور لا يمكن أن تستمر كما كانت عليه من قبل.” ومع ذلك، فإن الشعب المستعمَر لا يركن إلى الحسابات. إنه يسجل الثغرات الضخمة في صفوفه كنوع من الشر الضروري. ولأنه قرر الرد بالعنف، فإنه يكون على استعداد لتحمل جميع عواقبه. وهو يصر فقط على أنه لا ينبغي الاحتفاظ بأي حساب، حتى بالنسبة للآخرين. ويرد الشخص المستعمَر على القول: “كل السكان الأصليين هم نفس الشيء،” بقوله: “كل المستوطنين هم نفس الشيء.” (* هذا هو السبب في عدم وجود سجناء عندما يبدأ القتال، فقط من خلال تثقيف الزعماء المحليين سياسياً يمكن لأولئك الموجودين على رأس الحركة أن يجعلوا الجماهير تقبل: 1) بأن الناس القادمين من البلد الأم لا يتصرفون دائماً بإرادتهم الحرة وأحياناً يشعرون بالاشمئزاز من الحرب؛ 2) أنه من المزايا الفورية للحركة أن يُظهر مؤيديها من خلال تصرفاتهم بأنهم يحترمون بعض الاتفاقيات الدولية؛ 3) أن الجيش الذي يتخذ سجناء هو جيش، ولا يتم اعتباره مجموعة من قطاع الطرق؛ 4) أنه مهما كانت الظروف، فإن حيازة السجناء تشكل وسيلة لممارسة الضغط الذي لا يجب إغفاله لحماية رجالنا الذين في أيدي العدو.)

عندما يتم تعذيب المواطن، عندما تُقتل زوجته أو تُغتصب، فهو لا يشتكي لأحد. يمكن لحكومة المضطهِد إنشاء لجان تحقيق ومعلومات يومية إذا أرادت ذلك. في نظر السكان الأصليين، هذه اللجان غير موجودة. والحقيقة هي أننا سرعان ما سنواجه سبع سنوات من الجرائم في الجزائر، بينما لا نجد هناك رجل فرنسي واحد وجهت إليه اتهامات أمام محكمة قضائية فرنسية بقتل جزائري. في الهند الصينية، في مدغشقر، أو في المستعمرات، كان المواطن الأصلي يعرف دائمًا أنه لا يتوقع شيئًا من الجانب الآخر. عمل المستوطن هو جعل أحلام الحرية مستحيلة بالنسبة للمواطن المستعمَر. وعمل المواطن المستعمَر هو تخيل كل الطرق الممكنة لتدمير المستوطنين. على المستوى المنطقي، مانوية (Manicheism) المستوطنين تنتج مانوية السكان الأصليين. ويكون الرد على نظرية “المواطن المستعمَر هو الشر المطلق،” هو نظرية “المستوطن هو الشر المطلق.”

إن ظهور المستوطن يعني في شروط التوفيقية موت المجتمع الأصلي، كما يعني الخمول الثقافي، وتجمد الأفراد. بالنسبة إلى السكان الأصليين، لا يمكن للحياة أن تظهر مرة أخرى إلا على جثة المستوطن المتعفنة. هذه إذن هي التقابلات، العين بالعين والسن بالسن، بين قطبي التفكير.

غير أن هذا العنف، بسبب أنه يشكل العمل الوحيد بالنسبة لأفراد الشعب المستعمر، فإنه يغلف شخصياتهم بصفات إيجابية وإبداعية. إن ممارسة العنف تربط أفراد الشعب ببعضهم البعض، لأن كل فرد يشكل حلقة عنيفة في سلسلة العنف الأكبر، وكل فرد هو جزء من الكيان الأكبر للعنف الذي بات يتصاعد في البداية كرد فعل على عنف المستوطنين. تتعرف الجماعات على بعضها البعض وتصبح الأمة المستقبلية غير قابلة للتجزئة. يقوم النضال المسلح بتعبئة الناس، بمعنى أنه يرمي بهم بطريقة واحدة وفي اتجاه واحد.

إن حشد الجماهير، عندما ينشأ من خلال حرب التحرير، يُدخل في وعي كل شخص أفكار القضية المشتركة، والمصير الوطني، والتاريخ الجماعي. وبنفس الطريقة، يتم دعم المرحلة الثانية، وهي عملية بناء الأمة، من خلال وجود هذا الاسمنت الذي تم خلطه بالدم والغضب.

وهكذا نأتي إلى تقدير أكمل لأصالة الكلمات المستخدمة في هذه البلدان النامية. خلال الفترة الاستعمارية يُدعى الناس لمحاربة الظلم والاضطهاد؛ بعد التحرر الوطني، يتم دعوتهم لمحاربة الفقر والأمية والتخلف. يقولون إن النضال مستمر. يدرك الناس أن الحياة هي منافسة لا نهاية لها.

لقد قلنا أن عنف السكان الأصليين يوحّد الشعب. إن الاستعمار تقسيمي وإقليمي بطبيعته البنيوية. الاستعمار لا يشير ببساطة إلى وجود القبائل. أنه يعزز وجود هذه القبائل ويفصل بينها. يشجع النظام الاستعماري التركيبات الزعامية القبلية ويبقي على الحزازات القديمة حية.

إن العنف يكون شاملا ووطنيا في عمله. ويترتب على ذلك أنه يكون جزءا من عملية تصفية الإقليمية والقبلية. وبالتالي، فإن الأحزاب الوطنية لا تبدي أي شفقة على الإطلاق تجاه القادة والزعماء التقليديين. إن تدميرهم هو شرط أولي لتوحيد الشعب.

على مستوى الأفراد، العنف هو قوة تطهرية. إنه يحرر المواطن من عقدة الدونية ومن يأسه ومن عجزه؛ يجعله بلا خوف ويعيد له احترامه لذاته. وحتى لو كان الكفاح المسلح رمزيًا وتم تسريح الأمة من خلال حركة سريعة لإنهاء الاستعمار، فإن لدى الناس الوقت الكافي لرؤية أن التحرر كان عمل كل واحد منهم وأن الزعيم لا يتمتع بأي جدارة خاصة. من هذا المنطلق يأتي هذا النوع من التحفظ العدواني فيما يتعلق بآلية البروتوكول التي تسرع الحكومات الشابة إلى إظهارها. عندما يكون الناس قد شاركوا في العنف في التحرر الوطني، فإنهم لن يسمحوا لأحد بأن يضع نفسه على أنه “محرّر.”

إنهم يظهرون غيرتهم على ثمار عملهم ويحرصون كل الحرص على عدم وضع مستقبلهم أو مصيرهم أو مصير بلدهم في يد فرد يقوم مقام إله حي. بالأمس كانوا غير مسؤولين تماما. اليوم هم معنيون بفهم كل شيء واتخاذ جميع القرارات. إن وعي الشعب الذي أصبح مستنيرا عن طريق العنف، يتمرد ضد أي محاولة للتهدئة. من الآن فصاعداً، تصبح مهمة الديماجوجيين والانتهازيين والسحرة مهمة صعبة. العمل الذي ألقى بالجماهير في النضال المشترك يزود هذه الجماهير بذوق شره تجاه الملموس. تصبح محاولة الغموض مستحيلة عمليًا على المدى الطويل.

ونواصل…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*