الرئيسية / مقالات / عبدالعزيز ابوعاقلة يكتب :النخبوية السودانية بين الأوهام و المأزق الوطني!! (3/2)

عبدالعزيز ابوعاقلة يكتب :النخبوية السودانية بين الأوهام و المأزق الوطني!! (3/2)

Sudan voices                                    

عبدالعزيز ابوعاقلة

– “لا تبكِ لأن الأمر انتهى، واضحك لأن الأمر قد حدث بالفعل”
                د.سويس، روائي ورسام كرتون 

# نواصل اليوم  متابعةً مقالنا السابق السير في خيبات السياسة السودانية ومحنها والفرص التي أتيحت وتم إهدارها عمدا  بثمن بخس والتي كانت ثمارها الخيبات المتلاحقة و التي عصفت بجدار الوطن الواحد وذلك بعد الاستقلال وقبله لذا هي لم تأتي مصادفةً بل كانت بفعل ارادة نخبته السياسية ومثقفيه( بتدين السياسة وعسكرتها ) مبكرا . و لم تأتي مع ( لعنة انقلاب الانقاذ المشئوم 89) بل لها تاريخ طويل من الخداع والمراوغة السياسية والفشل الذريع في رسم بنية الدولة السودانية وعدم الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والاجتماعي والاثني فيها كهبة منحها خالق الناس الي السودانيين لتتحول إلى لعنة ابدية بدلا من أن تصبح نعمة تسهم في تطور سياسي وثقافي واجتماعي كغيرنا من الأمم التي تتشابه مع حالنا في التنوع . ونضيف اليها ضياع الفرصة لترسيخ مفاهيم الديمقراطية والحرية والإنصاف من اجل ايقاف الحروب والتنمية المتوازنة وقسمة السلطة والثروة بين أقاليمه وأهله بعدالة اجتماعية وصولا الى وحدة طوعية بدلا من الاجتهاد في فرض ثقافة وهوية أحادية طاردة تولد الانقسامات والغبن والكراهية بين شعوبه جميعا .
# من المدهش في سودان اليوم اصرار بعض قوى المعارضة و نخبها الجدد من المثقفين النرجسيين الانانيين علي السير في خطى وأسلوب الطريق القديم المؤدي لإنتاج نفس الازمة .

فهو الطريق المجرب ( الملتوي ) لاختيار اسهل الطرق للوصول للحكم بدون تسديد أي مستحقات وطنية لأهل الوطن اجمعين والحصول على غايات ذاتية واجندة وامزجة خاصة بهم لوحدهم أفراداً كانوا أم جماعات ولا تدخل ضمن اجندة وهموم المواطن والوطن بأي حال. متناسين عن عمد أو متجاهلين لما قدمه هذا الشعب من تضحيات عظيمة طيلة مسيرته في مناهضة الديكتاتوريات المستبدة من ديكتاتورية نظام عبود 58 مرورا بمايو نميري 69 وصولا إلى فاشية الجبهة الاسلامية 89 م .

ومن الغريب أن كل هذه التجارب الأليمة المريرة الموغلة في الفشل  من حروب داخلية وأهلية وانقسام ونكوص من العهود وعدم الثقة في كل الاتفاقيات التي تمت  ونتائج كارثية مروراً بكل الحكومات العسكرية والمدنية منذ استقلال الوطن و التي يعرف فشلها جيدا وضمور عقلها الفكري والأخلاقي ( تلميذ في الابتدائي ) الذي فرضت عليه فرضاً من نخبه بدون مراعاة للتنوع العرقي والثقافي الذي يستوطن بلاد السودان ويرسم أقاليمه عبارة ( منقو ما عاش من يفصلنا ) كذبا ( ولا تذرف دمعة واحدة لذهاب منقو الصغير ) ويعملون عكس ذلك من إشهار أجندة الحروب  والتباهي بها بالاغاني فرضا على شعوبه التي يعتبرونها  آخر’ وان الوطنية منطقة لا تتسع لهم في وطن واحد مرتبطين به بشكل حاسم  …

على كل حال هذا التاريخ الرمادي  البائس لا يحتاج إلى مرافعات سياسية وتفاصيل وهتافات ثورية…الخ لتوضيح غبائه السياسي وخيبته التي أوقفت عجلة التقدم والتاريخ للامة السودانية وعلى الرغم من انتصار الشعب السوداني علي اعدائه بإرادته فانه كان انتصاراً ناقصاً لم يؤدي الي اهدافه المرجوة من انتفاضات الشارع السوداني والهبة الشعبية التلقائية التي اجتهد فيها بإمكانياته الذاتية وإحساسه الكامن بالظلم ولا مبالاة النخب بقضاياه الأساسية بل انصرفوا الي مقارعة بعضهم البعض سياسياً والانشغال بتثبيت أقدامهم وأيدولوجياتهم الحزبية والقفز فورا الي الانتخابات بدلا التنمية والسلام  وكانت تلك الصراعات الانصرافية والتي اهملت كيفية وقف الحرب و ترسيخ الحياة الديمقراطية الحقيقية وأدت الي تمركز الحكم في أيدي ديكتاتوريات شمولية عسكرية او مدنية  السبب الرئيسي وراء ذلك الالتفاف حول انتفاضته مرتين وشعاراته المرفوعة هي نكوص نخب الاحزاب وأياديهم المرتجفة عن المقدرة على البناء الوطني واعادة بناء الدولة الوطنية بشكل عادل للجميع وتنكر بعض المثقفين الانتهازيين عن ما آمنوا وبشٓروا به عامة الشعب والانهزام امام الثقة الكاملة التي مكنها لهم الشعب وهيأ لهم بها الملعب السياسي لتنفيذ برنامجه وشعارات الشارع . لكن سرعان ما انقضوا عليها (انتهازي سارقي الثورات ) وأقاموا بتفريغ الشعارات من مدلولاتها وأهدافها السامية لتختصر في قضايا السلطة والحكم فقط و بفهم ضيق لمدلول الوطن والوطنية دون النظر إلى القضايا الأساسية ومخاطبتها بشجاعة وهي كانت قضايا الحرب والتنمية وتقسيم الثروة بالتساوي بين أقاليمه وترسيخ قيم المواطنة الحقة والعدالة الاجتماعية .
# لم نكن نحن من المراهنين عليهم مبكرا لأنهم ببساطة هم الذين يمارسون السياسة و يستندون على نخبهم الجدد من المثقفين في الوطن بدون ( رؤية ) (حقيقية ام متوهمة ) و يخاطبون القضايا الاساسية بالتدليس والخداع والكذب والمراءاة والحديث ( المستهلك ) الغير مفيد وعقولٍ منغلقة لا تقبل النقد . وليس لديهم استعداد أو في مقدورهم التنازل عن امتيازاتهم الخاصة والمكتسبة و التي حصلوا عليها كنخب سياسية جدد وبيوتات كبيرة وطائفية موروثة عن طريق استغلال الجهل وقلة التعليم والموروث الثقافي الذي يلبس رداء الدين  وبسط الولاءات المزيفة. لذا فهم دوماً يخلقون أعداء وهميين ( ونحن منهم ) للحفاظ على تلك الامتيازات الغير مستحقة .متناسين على الدوام الأسباب الجذرية التي أدت إلى تلك الحالة من الانهيار واتساع الصراع في الوطن سياسيا أو ثقافيا ام اقتصاديا . بالطبع تلك الحالة تتم معالجتها باستمرار بالقفز عليها والهروب منها والنتيجة المتوقعة اخيرا هي الانفجار الكبير ولا نستثني احد حتى المجموعات التي نشأت وترعرعت تحت مسميات جديدة لم تستفيد من تجارب الماضي لوحة الوطن السياسية الرمادية والتناسي لنجدها الآن ترسم منحنى مكرر يخدم مصالحها ومصالح نخبها.
هذه المصالح التي ترتبط بصورة مباشرة اوغير مباشرة ( بوعي او غير وعي ) بمصالح الديكتاتوريات و الامبرياليات التي لا تريد أن تفقد هذه المصالح والتي ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً  فهم أصدقاء مصالح يهمها الا تلقي حجارتها عليهم في هذا الوقت بل ان تذلل وتعبّد الطرق ليسير فوقها من يتفق ويتوافق معهم.
# بوضوح هذا المقالات المقصود منها النظر إلى كيفية معالجة الخلل والقصور في التفكير الأخلاقي والسلوكي السياسي للنخب  القدامى والجدد وبعض الأحزاب السياسية في إصرارهم على المضي عمليا للمشاركة ( في مطابخ الديكتاتوريات ) وطعامها المسموم تحت اي مسميات جديدة وافتعال معرك في ميادين لا قتال فيها الا بسيوف من خشب  و إطلاق التبريرات تحت لافتة المقاومة الوطنية والتمسك بالثوابت وغيرها من الشعارات الملونة المزركشة للتغيير و التي تكرر فشلها مرارا وتكرارا دون النظر الي (كيمياء) ونبض الشارع السوداني في جميع أرجاء الوطن ….والإجابة علي أسئلة مركزية.. وقف الحرب اولا ام الديمقراطية الليبرالية ,,السلام والتنمية وحل صراعات الارض اولا ام الانتخابات. ماذا تريد الجماهير ؟؟ وما هي همومها اليومية في مركزه وهامشه ؟؟ وكيفية بناء التحام بالجماهير في الارض نحو الهدف المرجو للتغيير الجذري ؟؟؟ ومساعدته في كيفية خلق وسائل جديدة و عملية لإسقاط تلك العصابة الجاثمة على أنفاس صدر الوطن ما يقرب من 30 عاما عجافاً ؟؟ والاجابة علي اسئلة لماذا تكتفي المعارضة مجتمعة بالتسابق نحو إصدار بيانات شجب وإدانة لحدث تصنعه السلطة الغاشمة !!! كيف تعود الثقة إلى الشباب والطلاب والقوي المطلبية الصاعدة  بأن التغيير ممكن ولكنه سوف يأتي بشكل جديد وجذري للوطن ومستقبل أفضل ؟؟؟ وكيفية ردم هوة النسيج والوجدان الاجتماعي والثقافي للوطن الواحد بين شعوبه في هامشه ومركزه ؟؟؟ كيف تتوحد قوى المعارضة في الوطن تحت برنامج يقوم على تقديم الأجندة الوطنية بدل الأجندة الذاتية والأمزجة الخاصة ؟؟؟
(يتبع )
Aziz14463@gmail.com

اكتوبر 2018

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*