الرئيسية / فنون وثقافة / موسيقى الراي – قصة قصيرة د.أمل الكردفاني

موسيقى الراي – قصة قصيرة د.أمل الكردفاني

Sudan voices

موسيقى الراي – قصة قصيرة

د.أمل الكردفاني

15 فبراير 1989م

“أرتال المدرعات السوفيتية تخرج من كابول ؛ والاتحاد السوفيتي يعلن انسحابا نهائيا من افغانستان.”

شاب او من ينادونه شاب ؛ صاح وهو داخل المسجد مكبرا ومهللا ؛ مسجد طائفته ازدحم في ذلك اليوم بشكل مكثف ، حيث تبادل الجميع التهاني وشعور بالفخر والابتهاج يشفي صدورهم…

– الله أكبر انتصرنا يا شاب.

– سقط الإلحاد الشيوعي في غضبة أنصار الحق.

ولم تكد افراح شاب تتشبث بفمه بابتسامة واسعة استمرت شهورا حتى تحقق انتصار آخر ، فقد وصل الحزب في ذات السنة للسلطة عبر انقلاب عسكري.

شاب انخرط مباشرة وبروح مفعمة بأمل تشكلت في الوانه دولة الخلافة كأكبر رقعة اقليمية لمواجهة الغرب ، انخرط في العمل العام ، ثم الجهاد لتحرير أرض الله من الدنس ، وحين أصيب في ذراعه برصاصة ، ربطها وظل ممسكا بالدوشكا ليقاوم تقدم الأعداء… هذا العقد منذ بدايته وحتى نهايته كان عبارة عن انتصارات لا مثيل لها ، الثورة الخمينية وحتى فرار الجيش السوفيتي من افغانستان وانتهاء بوصول حزبه للسلطة…

-إن الله ينصر عباده الصالحين يا شيخنا..

هز شيخه رأسه ايجابا وقال:

– الجهاد الحق يا شاب يتجلى في التراقي الى عوالم النور … هناك حيث تبسط حكمة الله في عقلك بنور فيكون نورا على نور…وهو جهاد له مستحقاته المادية أيضا كالقتال في سبيل الله … وتمكين اخوتك من مفاصل الحكم لتحقيق العدل والعدل كل العدل في خطاب الله تعالى .. فبدونه يكون لغوا .. ومن بنى عليه فقد بنى على شفا جرف هار.

شاب ؛ المخلص لم يتوانى عن حمل سلاحه والدخول الى الأحراش ، السافنا الغنية امتصت اوكسجين الهواء كله ليلا وزفرته نهارا ، والموت على درب الميل أربعين شهادة كبرى.

– إما النصر أو الشهادة يا شاب…

وحين كان زملاؤه يتساقطون كالجراد من حوله صرعى ، كان ينتشي برائحة دمائهم ، دماؤهم التي تأتيه حاملة رائحة المسك. هكذا قال قائدهم: قال إن دماءهم معطرة بمسك الجنة ، ومنذ أن قال ذاك وهم يشمون هذا العطر على نحو متكرر…

شاب بعد عشرين عاما لم يعد شابا ؛ صار يجلس أمام باب منزله يسترجع الماضي الذي يملكه ، وحين سألته:

– لماذا تركتهم؟

أجابني:

بعد ذلك الشقاق ، ذهبت الى الشيخ في منزله ، سألته لماذا خان الثقة؟ وقد اكفهر وجهه وبان السوء فيه ، لكن تاريخي الناصع والخالص كالذهب قد كفل لي حماية كافية ؛ المنافقون الذين كانوا يحيطون به كانوا يتملقونه ولم أك كذلك…. قلت له:

– ألا ترى هذا الافساد يا شيخنا .. ومن أين لك ولهم كل هذا…

نظر لي وقال:

– اسمع يا شاب… يا بني المخلص… انت لا تعرف اسرار تنظيمنا هذا … ما يحدث أكبر من ان تعيه انت ، وشرحه لك يعني أحد احتمالين ؛ أما ان انتحر أو اقتلك بعد ذلك.

لقد نهضت جزعا مما قال ؛ ما قاله لي أخافني ؛ أخافني لأن جهادنا لم يبنى على الأسرار بل بني على الاخلاص والشفافية… شفافية ارواحنا التي بذلناها من أجل ذلك الفهم… لقد روعني أن يكون ما عشت على حسه مجرد كذب ، ومن دربي ذاك اتجهت الى قيادي آخر ؛ سألته نفس السؤال فنظر لي ذات النظرة وسألني:

– وماذا قال لك شيخنا؟

قلت: قال كذا وكذا يا شيخنا…

قال: فاتبعه دون جدال.

ثم نهض وكبر لصلاة العشاء رغم أن ميقاتها لم يكن قد حان بعد.

فأدركت انه يطردني بأدب.

لف شاب سجارته بمهارة عالية ؛ سجارة قصيرة ومدببة المقدمة ، ودخانها ذو رائعة كريهة ، قال:

– قبل اسبوعين اتصلوا بي .. لا زالوا يرهبون جانبي…ولا زالوا يحنون الى طهارة تسربت من قلوبهم واستبدلوها بنجاستهم.

استنشق دخانه فسألته:

– ماذا قالوا لك؟

أجابني:

– قالوا بأنهم يعلمون حالتي المادية المتردية … منزل الايجار الطيني هذا وانعدام الماء والكهرباء وعدم قدرتي …

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*