الرئيسية / شباب وجندر / التحرّش: عن الدين والقانون والثقافة

التحرّش: عن الدين والقانون والثقافة

Sudan voices              

بقلم : نور حريري

شيءٌ ما لا يدعو المرءَ إلى الاطمئنان إلى عالم التواصل الإلكترونيّ، بل إلى التهيّب منه حينًا، وإلى الارتياب فيه أحيانًا أخرى. وهذا الشيء لا يعود إلى الحنين إلى وسائلِ اتصالٍ سابقة، كانت ربّما أكثرَ حميميّةً أو أقلَّ نخبويّةً؛ بل قد يعود إلى كون العالم الافتراضيّ “شبكيًّا،” أيْ مكانًا مناسبًا لنصب الشباك وتصيّد الناس.

***

يُطلّ بعضُ الفحول من شاشاتهم على عالمٍ يحتاج إلى كلمة سرٍّ واحدةٍ كي “يلِجوا” إليه. عندها، يشعرون بالسيادة. بالقوّة. بالإحاطة. يستقرّ أمرُهم في العالم الافتراضيّ، فيألفونه، فتظهر فيه نوازعُهم التي تتملّكهم في العالم الواقعيّ، ويصبح العالمُ الافتراضيّ مساحةً لتفجير نوازعهم التي لم يتمكّنوا من تحقيقها في عالم الواقع.

هم الآن أسيادُ الشبكة. يتلصّصون. يسترقون. يتقفّوْن. يكتشفون. يتحرّوْن. يفرحون… ويتحرّشون في آن واحد.

***

لقد “تطوّر” المتحرّش.

ففي الماضي كان يُحاصر العابراتِ بعينيْن لاهثتيْن كألسنة الكلاب المسعورة. وحين لا تكفيه عيناه، يَرشقُهنّ بكلماتِه الطالعة من أسنانه قبل لسانه. أمّا اليوم فقد وجد مكانًا آمنًا، خلف الشاشة، ينفّس فيه احتقاناتِه دون خوفٍ من ملامة.

في الماضي كانت “بهيميّةُ” المتحرِّش تتغلّب عليه، فيُلصق جسدَه بجسد فريسته، في حافلة نقلٍ، أو على جسر مشاة. وقد ينضمّ إلى مجاميعَ متحرّشين ضاحكين، لاهثين، متعرّقين، ممسوسين، فيحاصرون فتاةً وحيدةً، ويجرفونها بسيْلهم الدبِق. في هذه الحالة لا نعود إزاء محض “تحرّش” جنسيّ، بل أمام افتراس بالمعنى الحرفيّ للكلمة، حيث تجتمع القطعانُ على أكل فريستها ونهشها. أمّا اليوم فصار المتحرِّش يتخفّى، وأشباهَه، وراء منصّاتٍ تُظهِرُهم أشخاصًا بألقابٍ فخمةٍ وتواريخَ محترمة!
المتحرِّشون السابقون كانت وسائلُهم محصورةً في العالم الواقعيّ. اليوم، غدوْا محترفين في استغلال أدوات العالم الافتراضيّ، كيفما شاءوا ومتى شاءوا. يجمعون الصورَ، ويستخدمونها كما يحلو لهم. يرسلون الرسائلَ إلى أشخاصٍ لا تجمعُهم بهم أيّةُ علاقةٍ شخصّية. وقد لا تخلو هذه الرسائلُ من قصيدةٍ لشاعرٍ معروف، أو صورةٍ لشهيدٍ لا يعرفون مسيرتَه النضاليّة أو لا يهمّهم منها سوى استمالة فريستهم عاطفيًّا وأخلاقيًّا وثقافيًّا.

وقد يتحرّش المتحرّشُ الإلكترونيُّ بالفتاة انطلاقًا من مقالةٍ عن حربٍ هنا، أو تفجيرٍ هناك. وربّما اختلق لها حسابًا يَحمل صورتَها وصورَ أهلها وأصدقائها ولكنْ تحت اسمٍ آخر. وقد يُصوّر المتحرِّش فتاةً غريبةً، في شارع أو سوقٍ أو حافلة، ثمّ ينشر الصورةَ أو الفيديو كيفما شاء، ويرفقهما بألفاظٍ نابية.

***

لكنّ ما تغيّر بين المتحرّش السابق والمتحرّش الحاليّ ليس التقنيّةَ نفسَها. وإلقاءُ اللوم على التقنيّة أسلوبٌ ذكوريّ، كرّسه القانونُ، ومن ورائه الدينُ، حين ألزم الضحيّةَ (المرأةَ) بمسالكَ ومظاهرَ إنْ خالفتْها “أثِمَتْ.”

فالقانون لم ينبت من فراغ. خذوا قانونَ الاحتشام مثلًا. هذا القانون يقوم على فرضيّة أنّ الرجلَ يغريه أيُّ شيءٍ في المرأة، لذا وجب عليها أن تغطّي كلَّ شيء فيها. وحين نطرح قضيّة التحرّش للنقاش يقول قائل: “وما نفعُ النقاش هنا؟ حين تتعرّضين لرسالةِ متحرِّشٍ مزعجة تجاهليها، ولا داعي لفتح سجال وخوض حروب معه.” بيْد أنّ المشكلة هنا ليست في المتحرّش وحده، بل في كلّ ما يبرّر جريمتَه أيضًا، أديانًا وأعرافًا. نحن لا نستطيع أن نلغي الأديان، ولا نريد ذلك أصلًا. كما أنّنا لا نستطيع أن نقنصَ المتحرِّشين من كلّ بيت وشارع. ما نستطيعه هو محاسبتُهم بالقانون.
لكنْ… هل فعل القانون كلَّ ما يمكن فعلُه، وينبغي فعلُه، حيال حقوق المرأة، ثم وقف حيث أعجزه الدينُ أو العرف؟

أليس القانون عندنا، هو أيضًا، مجحفًا في حقّ المرأة في كثير من موادّه؟

أليس قانونُ التجنيس خيرَ دليل على غياب العدالة في التشريع والتطبيق؟ ماذا يعني أن تُحرَمَ الأمُّ في بلداننا حقَّ منح أبنائها وبناتها جنسيّتَها؟ ألا يعني أنّ لذكورَهم وحدهم أبناءُ الوطن وحملةُ هويّته، وأنّ أبناءَ النساء وبناتهنّ سيبقوْن غرباءَ في وطنهم؟ أليس هذا القانون “دينيًّا،” أيْ شأن الدين الذي يبيح للرجال الزواجَ من نساءٍ على غير دينهم ويحرِّم العكس؟ كيف يحترم الذكوريُّ المرأةَ وهو سيّدُ الأرض دونها، لا وفقًا لدينه وعرفه فحسب، بل وفقًا للقانون أيضًا؟

الشرائع الدينيّة القديمة والأعراف الاجتماعيّة البالية لا سبيل لنا إلى تغييرها، أو لنقل انْ لا سبيل لنا إلى التأثير السريع فيها. لكنّ القوانين هي ما يجب تغييره.

وإنْ قلنا إنّ المشكلة ليست في التقنيّة، فلا بدّ من القول أيضًا إنّ الثقافة ليست معيارًا يُحدِّد أخلاقَ الشخص. نعم، لا يوجد رابطٌ علميٌّ دقيق بين هويّة المتحرِّش ومستواه الأكاديميّ أو ثقافته الخاصّة. وقد لا نبالغ إذا قلنا إنّ تحرّشَ المثقّفين والفنّانين أشنعُ وأفظعُ من كلّ ما قد نجده في مواقع الحياة الأخرى.(1) وإذا كان المتحرِّش على المنصّة الإلكترونيّة يشعر بالسيادة على عالمه الافتراضيّ، فما بالكم بالمتحرّش المدعوم بسلطة ثقافته؟ّ! هذا أمر يستحق في ذاته بحثًا مستقلًّا.

***

بعض دول الغرب سنّت قوانينَ صارمةً ضدّ معاداة الساميّة واستغلال الأطفال والتمييز ضدّ المثليين. وهذه القوانين اتخذتْ صرامتَها وحساسيّتَها العالية من شناعة الارتكابات. والمرأة في مجتمعاتنا في حاجة إلى قانونٍ يأخذ صرامتَه وحساسيّتَه من شناعة التمييز والفوقيّة والظلم والقهر والتحرّش ضدّها.

ألمانيا

(1) https://bit.ly/2MmDu1n

  • الآداب الثقافية 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*