الرئيسية / فنون وثقافة / ما الاستراتيجية التي تتبعها الامبرياليات والطبقات المسيطرة من أجل سحق الانتفاضات الشعبية؟

ما الاستراتيجية التي تتبعها الامبرياليات والطبقات المسيطرة من أجل سحق الانتفاضات الشعبية؟

Sudan voices                             

الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي

لجأت الإمبرياليات، وفي سياق صراعها من أجل السيطرة على مناطق النفوذ والأسواق، ونهب الثروات واستغلال الموارد، إلى عدة وسائل من أجل إحباط أحلام التغيير، كفرض الاستيطان وإنشاء دولة الاحتلا الإسرائيلي وتحريك الولاءات التقليدية من طائفية وإثنية وقبلية وإنشاء أحزاب وتشكيلات معادية للقوى اليسارية التقدمية وإلى تغذية الحروب الأهلية، وخلق كيانات جديدة، خصوصاً في المجتمعات الشديدة التنوع.

ومن أجل تكريس هيمنتها، أنشأت الامبرياليات قواعدا عسكرية، ومستوطنات وكيانات خاصة ببعض الجماعات، فضلاً عن دعمها وحمايتها للطبقات الحاكمة وفرض التبعية وذلك من خلال دمج الاقتصاد الوطني بالسوق العالمية الرأسمالية، وأدى هذا الاندماج الى خلق شرائح كومبرادوية، ذات مصالح وطموحات وتطلعات خاصة، جعلتها تتمسك بالكيانات القائمة، وتصارع للإبقاء عليها.

وهذا ما يفسر عدم دقة المقولات التي تدعو إلى عدم إقحام البحث في موضوعات الصراع الطبقي، أو الاهتمام بالعدالة الاجتماعية في سبيل الإبقاء على القائم واعادة انتاجه.

وهي مقولات، تتجاهل أهمية ارتباط الطبقات الحاكمة بالقوى الإمبريالية وميلها للمساومة، على حساب مصلحة الشعوب. إذ لا يوجد فصل بين القهر الوطني والطبقي، حيث يشكلان وجهين لعملة واحدة.

وما إن تظهر علائم الضعف والإنهيار على هذه الأنظمة، حتى تستيقظ كل العصبيات المكبوتة، التي يمكن أن تتحول إلى حروب أهلية مديدة لا تبقي ولا تذ. بالمقابل لا يمكن لقوى الهيمنة أن تحدث شغباً داخل البلدان، ما لم تتوفر العوامل الكامنة، وينحصر الدور الخارجي في تغذية هذه النزاعات، سراً وعلانية وبشكل مباشر أو غير مباشر.

ولا ضير من القول، إن التنوع والتعدد، يمكن أن يتحولا إلى انقسامات ونزاعات حيث تسود، الفروقات الطبقية الحادة والاقتصاد الحر، وغياب العدالة والمساواة والتنمية، الأمر الذي يؤدي الى ازدياد الفجوات ما بين الطبقات الحاكمة والطبقات الشعبية داخل كل مجتمع وما بين المدن والأرياف. فتزداد ثروات الأغنياء، ويزداد الفقراء فقراً.

وتعمد الإمبرياليات، كي تحول الأنظار، عن هذا التفاوت الطبقي المريع، إلى تبني خطاب إيديولوجي، من شأنه أن يسوغ هذا الواقع، كصراع الحضارات والثقافات. من هنا تبرز أهمية أن يدرس الصراع الثقافي، في صلب عملية الصراع من أجل التغيير، كأن نقول بأن الصراع مع الغرب الإمبريالي ليس في الأساس صراعاً أو تصادماً حضارياً، بل هو صراع ناتج عن التناقضات من أجل المصالح والمواقع وعلاقات القوة التي يمارسها الغرب على العرب ويفرض عليهم حلوله من منطلق مصالحه المتناقضة مع المصالح العربية الثورية.

إن الثقافة، بما تتضمنه من معتقدات وقيم ونظريات وآراء ومفاهيم، تتصل اتصالاً وثيقاً، بالبنى والتناقضات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فلا يكون الصراع الثقافي، صراعاً بذاته، ومجرد بحث عن الحقيقة لنفسها. هذا ما يفسر توظيف الدين والطائفية في حمأة الصراع الطبقي، من قبل الطبقات المسيطرة، كأداة سيطرة كي تثبت شرعيتها وهيمنتها الطبقية. في الوقت عينه، تستخدم الحركات المعارضة أيضاً الدين كأداة تحريض ضد خصومها في الحكم.

أما الفقراء فيجدون في الدين، وفي زمن الردات الثورية والحروب والأزمات، عزاء لهم وأداة مصالحة مع الواقع الذي ثاروا ضده. الخوف أن ينتهي بهم المطاف إلى الاستكانة. حيث قد تنجح هذه الاستراتيجية، مرحلياً، في تحويل الأنظار عن القضايا الرئيسية، كالتفاوت الطبقي والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. ويمكن أن تحدث انقساماً وشرخاً ونكوصاً للوعي الطبقي الى طائفي هوياتي.

ومن هنا تنبع أهمية التحليل الاجتماعي والتاريخي، الذي يدرس الدولة في محتواها الاجتماعي، وفي ضوء العلاقات والتناقضات الاجتماعية، والمواقع التي تشغلها الطبقات والجماعات، والبنى الاقتصادية-الاجتماعية. يجب أن تكون الأولوية لنقد الأنظمة التي حاربت الأحزاب والنقابات، وشجعت الحركات الدينية، واستخدمت الدين والطائفية لفرض القسمة وبالتالي تسلطها، وكي تحارب القوى اليسارية. وبات من الملح والضروري دراسة البنية الطبقية-الفوقية المفوتة تاريخياً وتفكيك خطاب السلطات ضمن السياق التاريخي كي نفهم طبيعة الصراع القائم.

ومن الضروري أيضاً، نقد التيارات الليبرالية، التي تنطلق من منظور ثقافوي-سياسوي وتطالب بإصلاح النظام من فوق، تجنباً ومنعاً لحصول تحركات شعبية من تحت، ويتجنب هذا التيار، مقولة التحليل الطبقي، ويقول بالتعاون والتكامل مع الغرب، الأمر الذي أدى الى تعزيز التبعية للغرب والى الاغتراب والطبقية وإن حقق بعضاً من مناخات الحرية.

وحتى نموذج النظام الوطني الشعبوي، الذي كان سائداً في الخمسينات، أوما اصطلح على تسميته “ثورة من فوق” والذي قام بتوزيع الأراضي وتأميم الشركات، ولكنه لم يلغ ثقافة الإقطاع، والإيديولوجيا القروسطية وحرص على الإيمان الديني، ورفض العلمانية والتحليل الطبقي، وتميز بشخص الفرد الحاكم، وليس بحكم الحزب المستند إلى حركة شعبية، وهادن القوى التقليدية، ولم يسمح بالمشاركة الشعبية، وارتكز على محاولات فردية بديلاً عن الحركات السياسية التغييرية. وبالتالي، وبعد كل هذه التجارب، هذا النموذج ليس صالحا لإعادة تطبيقه. 

وعلى الرغم، من أننا نعيش في عصر تغيير ثوري دائم، تبقى من بين أهم مشكلات البعض، أنه ينطلق من أسس تقليدية، في مواجهة معضلات حديثة ومركبة، طالما نعيش في ظل المؤسسات القائمة، ويعمل من ضمن البنى الاجتماعية المتوارثة، وسيظل يقاوم حدوث تغيير شامل وسريع، بل يزعجه أي حديث حول رفض الماضي والثقافة السائدة، وعلى الرغم من كونه يكثر الحديث عن الثورة. هذه الأخيرة، لا تشمل في نظره، تغيير المجتمع تغييراً جذرياً، يتناول البنى الاجتماعية في العلاقات القائمة. خاصة لأن التغيير يبدأ من تغيير البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لأن هذه القيم تنبثق من هذه البنى، وتعمل على تثبيتها واستمرارها وتبريرها. في الوقت الذي تكون مسألة التغيير، مرتبطة بمهمة تجاوز البنى السائدة والانتماءات التقليدية.

وهناك من يحاول تأبيد هذا الواقع القائم، وهم بالتأكيد خصوم للتغيير الجذري الثوري ومن يسعى الى دعم القوى المضادة للثورة (الأنظمة القديمة والقديمة المحدثة الانقلابية والاسلام السياسي) التي تسهل مخططات الغرب الإمبريالي و/أو تساهم في تكريس القائم، وإعادة إنتاجه، كي تقطع الطريق على التغيير الجذري، وتحول دون بناء الدولة العادلة الديمقراطية، الممثلة لمصالح الفئات الشعبية المفقرة، في الوقت الذي يعمل فيه، على إعادة إنتاج الأنظمة وبالبنية الطبقية الشديدة الاستقطاب، وذات التوجه الرأسمالي الريعي- المالي، وذلك من خلال إبرام تسويات فوقية، تجمع الأقطاب المضادة للتغيير الجذري وقوامها نخب نيوليبرالية مدنية وعسكرية.

غني عن البيان القول، بأن الفرق بين الفكر الملتزم بقضية التغيير الثوري، والفكر الإصلاحي المعادي للثورة، هو التزام شكلي، وغالباً ما يتبناه مثقفو الفئات الوسطى. وبات من الضروري، التفكير بمسألة التنظيم، والعمل على بناء أحزاب ثورية، تدافع عن مصالح الفئات الشعبية المفقرة من عمال وفلاحين وعاطلين عن العمل، والعمل على بناء كتلة تاريخية، تتشكل من مثقفين ثوريين وأحزاب ثورية، وتكون نقيضة للسائد الفكري والسياسي والإيديولوجي.

ولن نرى، احتمالات تغيير جذري من دون حصول وعي طبقي ثوري، وهذا مرتبط بدور وفعالية المثقفين والأحزاب الذين يقع على عاتقهم تحرير الوعي من أغلاله الطائفية. وينبغي التشديد، على علاقة الثقافة بالواقع الاجتماعي-السياسي الذي نعيشه في الوقت الحاضر والانخراط بالسيرورة الثورية بكل تعرجاتها ومراحلها ورداتها الثورية الراهنة.

  • المصدر: المنشور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*