الرئيسية / فنون وثقافة / محمود :شرفه سقطت بكل زهورها |مريد البرغوثي

محمود :شرفه سقطت بكل زهورها |مريد البرغوثي

Sudan voices                                          

محمود :شرفه سقطت بكل زهورها

مريد البرغوثي

لاقيت موتك مرة ونجوت منه

لكي أصدق, بالتمني والسذاجة,

أنه خسر الرهان.

وعجبت بعدك

كيف أحيا بعض أحيان,

وكيف أموت من آن لآن.

هذا كتابك في يدي بعد الغياب.

شعر توقعه بموتك غيره في حفلة التوقيع:

تقرأ خلف موسيقي

من الإصغاء والتصفيق,

‘مبروك كتابك’, ثم يبتسمون,

‘ وقع لي هنا’,’ وقع لأختي وابنها أيضا’

وأنت توقع اسمك خلف طاولة

من السهر الأنيق,

وخلسة,

يتسلل الموت الخفي إليك كرسيا فكرسيا

وفي صمت

يقودك من يسارك نحو دارك كي

يشارك ما تبقي من مسائك أو نهارك

يا وحيدا باختيارك واضطرارك

فالفلسطيني يختار اضطرارا

كي يصدق أنه حر

ووحدك كنت, أكثر من تخيلنا,

كم استدرجت موتك كي تحوله إلي لغة,

إلي إسم فينسي فعله يومين أو عامين,

كم حاورته ورسمته وكتبته, فاوضته,

أوقفته في آلة التصوير, قلت له ابتسم

لتكون أحلي, أنت أحلي داخل الإيقاع,

أحلي في سطوري من نواياك, ابتسم

لم يبتسم

لم ينس ضيفك دوره.

وألوم نفسي

حين أبصر صوتك المكتوب

في غبش النهاية

فالمعاني الآن غيرت الكتاب!

هبط الغطاء علي البيانو

أطفأوا أنوار مسرحنا وراحوا

ران صمت في المدينة كلها

عاد الجميع من العزاء

وأغلقوا الأيام خلف نهارهم

لم ينتصف ليل المدينة بعد

قلت أزوره وحدي وأسهر قربه

‘ خذني إلي محمود’ قلت لسائق التاكسي

فأوصلني بصمت حيث تغفو

فوق ربوتك الأخيرة

لم يقل حرفا

توقف في الظلام

وراح يهمس في يديه الفاتحة,

ومضي إلي أشغاله.

وجلست وحدي

في حضورك مع زهورك,

عند آخر منزل في الأرض يسكنه الفتي

وجلست وحدي:

تستحق اللوم فعلا يا صديقي

أنت من قررت أن تأتي إلي هذا المكان الآن

أنت من البداية كنت تنوي أن تغادر, كاملا

وبلا سعال حين توقد سهرة الأصحاب

بالضحك الذكي

وحين تلقي الشعر في الآلاف

رمحا أو نسيما أو نشيدا واقفا

لم تعترف بفضيلة العكاز

للولد الرشيق المستقيم الظهر,

عداء المسافات الطويلة

أنت من هربته قصدا وراء الغيم

تدفع عنه كارثة الهرم

قلت اذكروني هكذا

بفتوة الكلمات والكتفين واليد والقدم

‘لن يشهدوا يوما خريفي’, قلتها

وركضت من كف الطبيب إلي هنا

لتقيم آخر أمسياتك

مع نجوم الليل في ترحالها

هذي قصيدة شعرك اندفعت

لتبحث عنك فوق سهولها وجبالها

كنت التقيت بها قديما في الصبا

ثم انشغلت عن الصبا بخصالها

وكما يليق بحارس يقظ اليدين

تفقدت عيناك حاجات لها لا تنقضي

وقضيتها سهرا علي أنوالها

تشتد كالرعد المسائي المباغت إذ تريد

وقد ترق لتصبح الوقفات في موالها

متململا مما يراد من الكتابة,

عارفا ماذا تريد لها,

تحصنك الشكوك الساهرات علي سطورك

أنت دوما في خصام مع رضاك

وفي حروب مع مباهج أمسك الذهبي

فالماضي صديق الراكضين إلي الوراء

وقد تخاطب فيك’ محمودا’ سواك تحببا وملامة

ترتاب في أضوائه ووسامه

وتكاد تسخر من تفاؤله ومن آلامه

ونشيده ومقامه وغرامه

وكأنما في الشاعر الحق التباس عابث

يحمي من الأوهام رغم جمالها.

وبنيت موطننا علي جبل المجاز

فكان أجمل من خيال العسكري

وكان أعلي من لحي الفقهاء

أوضح من فصاحات المفاوض

كان أوسع من ميادين القتال

وكان أضيق من تقاتلنا عليه

وكان بيتا سيدا يغري الحدائق

رغم حزن آدمي

والبنات علي الطريق إليه أذكي

والشباب علي مداخله حقيقيون

والشهوات فيه بسيطة

لا يقتضي موت الجميع

خروجنا لنوالها.

أوكلما نبتت عروق الزعتر الجبلي

حتم أن نري نزف المداخل

حول أحمدك الشهيد

وكلما حصدوا السنابل في القري

ذهب الخيال إلي سنابل كفر قاسم؟

أوكلما سمن المفاوض

لم نجد خبزا لأرملة المقاوم؟

أوكلما استعصي علي الفوسفور

طفل لم يمت منا

تولت قتله باقي العواصم؟

أوكلما خرج الجليليون بالرايات

من أجلي وأجلك

طوبوا الشهداء في خوف من النسيان

لولا أن آذار اصطفاهم

في قصيدتك التي سكنوا كراما

في ثناياها وقاموا باسمين؟

ألآن تمتلئ القصائد والشعاب

بشوك قصتنا

فنكتب

شوك

قصتنا

ونسقي ما استطعنا شتلة من ياسمين.

فالشعر يرسم أطلس الدنيا

قلوبا لا خرائط

وهو عائلة الغريب إذا تناءي, عن ممالكه

وجمهورية للأسئلة

والشعر يرسم قومنا الآتين

من أسطورة هدمت

إلي أسطورة تبني

ويلمح ما تواري خلف لحظته ولحظتنا

ويلمس في الهشاشة سر قوتها وقوتنا

ويقرأ سكر امرأة تعد الشاي للأولاد

فوق حطام منزلها

وتخفي دمعة عن آلة التصوير

ثم تقول للصحفي’ لن أرحل’

فيعلم أنها انتصرت.

وحاكمنا يخاف الانتصار كأنه مرض.

فكم عمرا سيحكم دكتاتور الضاد؟

كم عمرا ليشتاق المغول إلي ظهور بغالهم

كي يرحلوا؟

كم قلت لي أنا لا أخاف فلا تخف,

كم قلت لي

والشعر جدك وهو جدي

وهو بعدك وهو بعدي

يولد الشعراء من أوصاف دنياهم

ومن جسد المكان وليس من جسد الكلام.

الموت حين يباغت الشعراء

يستولي علي أقلامهم

لكنه لا يأخذ الأوراق من عظمائهم أبدا

فنحيا في ظلال سطورها

وتعيش أعمارا تجدد عمرها

لم يكتمل يوما حوار

بين شاعر أمة وزمانه,

فهما معا في لعبة أبدية

بين الخصام والانسجام,

من مطلع الإيقاع تبدأ,

ثم تبدأ من جديد بعد قافية الختام.

محمود نام.

نامت ديوك الهال قرب صباح قهوته, فأيقظها

وكن أنت العلامة يا حمام.

غناك في أرض الرصاص فغنه بين الغمام.

زوده بالأخبار منذ غيابه,

أخبره,

لا تخبره شيئا,

سوف يعرف كل شيء وحده,

يكفيه أن تلقي السلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*