الرئيسية / فنون وثقافة / د. جميل حمداوي : نظرية ما بعد الاستعمار

د. جميل حمداوي : نظرية ما بعد الاستعمار

Sudan voices                       

د. جميل حمداوي *

توطئة :

تعد نظرية ما بعد الاستعمار أو النظرية ما بعد الكولونيالية (Colonial Discoures and Post Colonial Théorie) من أهم النظريات الأدبية والنقدية ذات الطابع الثقافي والسياسي؛ لكونها تربط الخطاب بالمشاكل السياسية الحقيقية في العالم. وبالتالي، تستعرض ثنائية الشرق والغرب في إطار صراع عسكري وحضاري و قيمي و ثقافي  وعلمي. كما تعمل هذه النظرية الأدبية النقدية على استكشاف مواطن الاختلاف بين الشرق والغرب، وتحديد أنماط التفكير والنظر إلى الشرق والغرب معا، وذلك من قبل كتاب ومبدعي  مرحلة ما بعد البنيوية، ومثقفي ما بعد فترة الاحتلال الغربي الذين ينتمون غالبا إلى الشعوب المستعمرة، وأخص بالذكر شعوب أفريقيا وآسيا. ويعني هذا أن نظرية ما بعد الاستعمار تطرح مجموعة من القضايا الشائكة للدرس والمعالجة والتفكيك والتقويض، كجدلية الأنا والغير، وثنائية الشرق والغرب، وتجليات الخطاب الاستعماري، ودور الاستشراق في تزكية المركزية الغربية قوة وتفوقا، والإشارة إلى الصراع الفكري والثقافي المضاد للتمركز العقلي الغربي لغة وكتابة ومقصدية وقضية. إذاً، ما هي نظرية ما بعد الاستعمار؟ وما هو مفهوم هذه النظرية؟ وما هي أهم مرتكزاتها القضوية والفنية والنقدية والمنهجية؟ ومن هم أهم روادها الفعليين؟ وما قيمة هذه النظرية تصورا وتطبيقا؟ هذا ماسوف نوضحه في هذه الدراسة التي بين أيديكم.

1- مفهوم نظرية ما بعد الاستعمار:

تعد نظرية ما بعد الاستعمار من أهم النظريات الأدبية والنقدية التي رافقت مرحلة ما بعد الحداثة، ولا سيما أن هذه النظرية ظهرت بعد سيطرة البنيوية على الحقل الثقافي الغربي، وبعد أن هيمنت الميثولوجيا البيضاء على الفكر العالمي، وأصبح الغرب مصدر العلم والمعرفة والإبداع، وموطن النظريات والمناهج العلمية. ومن ثم، أصبح الغرب هو المركز. وفي المقابل، تشكل الدول المستعمرة  المحيط التابع على حد تعبير الاقتصادي المصري سمير أمين. ويعني هذا أن نظرية ما بعد الاستعمار تعمل على فضح الإيديولوجيبات الغربية، وتقويض مقولاتها المركزية على غرار منهجية التقويض التي تسلح بها الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا (J.Derrida)، لتعرية الثقافة المركزية الغربية، ونسف أسسها المتافيزيقية والبنيوية. وإن أكثر:” اهتمام ذي صلة في فكر ما بعد الاستعمار هو تهميش الثقافة الغربية وقيمها للثقافات المختلفة الأخرى. ويتضح من منظور عالم ما بعد الاستعمار أن أعمال الفكر الكبرى في غرب أوروبا والثقافة الأمريكية قد هيمنت على الفلسفة والنظرية النقدية، وكذلك على أعمال الأدب في جزء واسع من أنحاء العالم، ولا سيما تلك المناطق التي كانت سابقا تحت الحكم الاستعماري. إن مفهوم دريدا عن الميثولوجيا البيضاء، الذي حاول أن يفرض نفسه على العالم بأسره، قد قدم الدعم لهجوم ما بعد الاستعمار على هيمنة الإيديولوجيات الغربية . وإن رفض ما بعد الحداثة للسرديات الكبرى وأنماط الفكر الغربي التي أصبحت عالمية، كان أيضا مؤثرا جدا.”[1]

وتسمى هذه النظرية كذلك بالخطاب الاستعماري، وقد ظهرت هذه النظرية حديثا مرافقة لنظرية ما بعد الحداثة، وبالضبط في سنوات الستين والسبعين إلى غاية سنوات التسعين من القرن العشرين. وقد أعطيت  لنظرية ما بعد الاستعمار تعريفات عدة،  ومن أهم تعاريفها أن مصطلح ” مابعد استعماري” يستخدم ليغطي :” كل الثقافات التي تأثرت بالعملية الإمبريالية من لحظةالاستعمار حتى يومنا الحالي؛ ذلك أن هناك خطًا متصلاً من الاهتمامات، على مدار العملية التاريخية التي بدأها العدوان الإمبريالي… ونحن نشير كذلك إلى ملاءمةالمصطلح للنقد الجديد العابر للثقافات الذي ظهر في السنوات الأخيرة، وللخطابالذي تكوّن من خلاله ذلك النقد. وبهذا المعنى، فإن كتابنا هذا – كما يقول بعض القائلين بنظرية ما بعد الاستعمار – يهتم بالعالم كماكان خلال فترة الهيمنة الإمبريالية الأوروبية وبعدها، وتأثير ذلك على الآدابالمعاصرة… وعلى هذا النحو، تكون آداب البلاد الأفريقية، واسترالياوبنجلاديش وكندا وبلاد البحر الكاريبي والهند… كلها آداب ما بعد الاستعمار… وما يجمعبين هذه الآداب – بعد سماتها الإقليمية الخاصة – أنهاظهرت بشكلها الحالي في أعقاب تجربة الاستعمار، وأكدت نفسها من خلال إبراز التوترمع القوة الإمبريالية، وبالتركيز على ما يميزها عن فرضيات المركز الإمبريالي. وهذا هو ما يجعلها آدابًا ما بعد استعمارية.”[2]

وبناء على ما سبق، فالنظرية ما بعد الاستعمار هي التي تهدف إلى تحليل كل ما أنتجته الثقافة الغربية باعتباره خطابا مقصديا، يحمل في طياته توجهات استعمارية إزاء الشعوب التي تقع خارج المنظومة الغربية. كما يوحي المصطلح بوجود استعمار جديد يخالف الاستعمار القديم. لذا، يتطلب هذا الاستعمار التعامل معه من خلال رؤية جديدة، تكون رؤية موضوعية وعلمية مضادة. ويعرف سعد البازعي مصطلحي الخطاب الاستعماري والنظرية ما بعد الاستعمار قائلا:” يشير هذان المصطلحان اللذان يكملان بعضهما بعضا إلى حقل من التحليل ليس جديدا بحد ذاته، ولكن معالمه النظرية والمنهجية لم تتضح في الغرب إلا مؤخرا مع تكثف الاهتمام به، وازدياد الدراسات حوله. يشير المصطلح الأول إلى تحليل ما بلورته الثقافة الغربية في مختلف المجالات من نتاج يعبر عن توجهات استعمارية إزاء مناطق العالم الواقعة خارج نطاق الغرب على أساس أن ذلك الإنتاج يشكل في مجمله خطابا متداخلا بالمعنى الذي استعمله فوكو لمصطلح خطاب.أما المصطلح الثاني، ” النظرية ما بعد الاستعمارية”، فيشير إلى نوع آخر من التحليل ينطلق من فرضية أن الاستعمار التقليدي قد انتهى، وأن مرحلة من الهيمنة- تسمى أحيانا المرحلة الإمبريالية أو الكولونيالية- كما عربها بعضهم- قد حلت وخلقت ظروفا مختلفة تستدعي تحليلا من نوع معين. ولذا، فإن المصطلحين ينطلقان من وجهات نظر متعارضة فيما يتصل بقراءة التاريخ، وإن كان ذلك اختلافا في التفاصيل لا في الجوهر، فبينما يرى بعضهم انتهاء مرحلة الاستعمار التقليدي. وبالتالي، انتهاء الخطاب المتصل به، وضرورة أن يتركز البحث في ملامح المرحلة التالية، وهي مرحلة ما بعد الاستعمار، يرى بعضهم الآخر أن الخطاب الاستعماري ما يزال قائما وأن فرضية “المابعدية” لا مبرر لها.”[3]

هذا، ولقد طرحت نظرية ما بعد الاستعمار مجموعة من الإشكاليات الجوهرية التي تتعرض لعلاقة الأنا بالآخر، أو علاقة الشرق بالغرب، أو علاقة الهامش بالمركز، أو علاقة المستعمر بالشعوب المستعمرة الضعيفة، ومن بين هذه الاسئلة والإشكاليات نذكر الافتراضات التالية: “كيف أثرت تجربة الاستعمار على هؤلاء الذين استُعمِروا من ناحية، وأولئك الذين قاموا بالاستعمار من ناحية أخرى؟ كيف تمكنت القوى الاستعمارية من التحكم في هذه المساحة الواسعة من العالم غير الغربي؟ ما الآثار التي تركها التعليم الاستعماري والعلم والتكنولوجيا الاستعمارية في مجتمعات ما بعد الاستعمار؟ وكيف أثرت النزعة الاستعمارية؟ كيف أثر التعليم الاستعماري واللغة المستعمرة على ثقافة المستعمرات وهويتها؟ كيف أدى العلم الغربي والتكنولوجيا والطب الغربي إلى الهيمنة على أنظمة المعرفة التي كانت قائمة؟ وما أشكال الهوية ما بعد الاستعمارية التي ظهرت بعد رحيل المستعمر؟ إلى أي مدى كان التشكل بعيدًا عن التأثير الاستعماري ممكنًا؟ هل تركز الصياغات الغربية لما بعد الاستعمار على فكرة التهجين أكثر مما تركز على الوقائع الفعلية؟ هل ينبغي استمرار معاداة الاستعمار عبر العودة الجادة إلى الماضي السابق على فترة الاستعمار؟ كيف تلعب مسائل الجنس والنوع والطبقة دورًا في الخطاب الاستعماري وما بعد الاستعماري؟ هل حلت أشكال جديدة من الإمبريالية محل الاستعمار؟ وكيف؟”[4]

وعليه، فـ”نظرية  ما بعد الاستعمار” هي  في الحقيقة قراءة للفكر الغربي في تعامله مع الشرق، من خلال مقاربة نقدية بأبعادها الثقافية والسياسية والتاريخية. وبتعبير آخر، تحلل هذه النظرية الخطاب الاستعماري في جميع مكوناته الذهنية والمنهجية والمقصدية تفكيكا وتركيبا وتقويضا، بغية استكشاف الأنساق الثقافية المؤسساتية المضمرة التي تتحكم في هذا الخطاب المركزي.

2- مرتكزات نظرية ما بعد الاستعمار:

تنبني نظرية ما بعد الاستعمار في مجال الحقل الثقافي بصفة عامة وحقل النقد الأدبي بصفة خاصة على مجموعة من المرتكزات الفكرية والمنهجية، ويمكن حصرها في المكونات والعناصر التالية:

1- فهم ثنائية الشرق والغرب: تحاول نظرية ما بعد الاستعمار فهم الشرق والغرب فهما حقيقيا، وذلك برصد العلاقات التفاعلية التي توجد بينهما سواء أكانت تلك العلاقات إيجابية مبنية على التسامح والتفاهم والتعايش أم مبنية على العدوان والصراع الجدلي والصدام الحضاري، كما يذهب إلى ذلك صموئيل هنتنغتون في كتابه:”صراع الحضارات”. ويتمظهر الشرق بشكل جلي في نصوص وخطابات الاستشراق . ومن ثم، تحول هذا الاستشراق من خطاب معرفي موضوعي إلى خطاب سياسي كولونيالي ذاتي ومصلحي .لذا، تسلح مثقفو نظرية ما بعد الاستعمار بآليات التفكيك والتقويض لتشتيت المقولات المركزية التي انبنت عليها حضارة الغرب.

2- مواجهة التغريب: استهدفت نظرية ما بعد الاستعمار محاربة سياسة التغريب والتدجين والاستعلاء التي كان ينهجها الغرب في التعامل مع الشرق . ومن ثم، شمر مثقفو نظرية ما بعد الاستعمار عن سواعدهم لفضح الهيمنة الغربية، وتعرية مرتكزاتها السياسية والإيديولوجية، مع تبيان نواياها الاستعمارية القريبة والبعيدة، والتشديد على جشعها المادي لاستنزاف خيرات الشعوب المقابلة الأخرى. لذا، يتسم الخطاب الثقافي الغربي بنزعة التمركز، وتأكيد خاصيات: التفوق والتمدن والتحضر، وذلك في مقابل خطاب دوني يتصف بالبدائية، والشعوذة، والشهوانية، والسحر الطقوسي الخرافي.

3- تفكيك الخطاب الاستعماري: تهدف نظرية ما بعد الاستعمار إلى فضح الخطاب الاستعماري الغربي، وتفكيك مقولاته المركزية التي تعبر عن الغطرسة والهيمنة والاصطفاء اللوني والعرقي والطبقي، وذلك باستعمال منهجية التشتيت والفضح والتعرية. لذا، فقد وجد كتاب نظرية ما بعد الاستعمار في تفكيكية جاك ديريدا آلية منهجية لإعلان لغة الاختلاف، وتقويض المسلمات الغربية، والطعن في مقولاتهم البيضاء ذات الطابع الحلمي الأسطوري. كما تأثروا في ذلك بميشيل فوكو، وكارل ماركس، وأنطونيو غرامشي، وكان إدوارد سعيد رائدهم في ذلك.

4- الدفاع عن الهوية الوطنية والقومية: رفض كتاب ومثقفو النظرية الاستعمارية الاندماج في الحضارة الغربية، وانتقدوا سياسة الإقصاء والتهميش والهيمنة المركزية، ورفضوا كذلك الاستلاب والتدجين، فدعوا في المقابل إلى ثقافة وطنية أصيلة، ونادوا بالهوية القومية الجامعة. ومن هؤلاء – مثلا- كتاب ومبدعو الحركة الزنجية الأفريقية الذين سخروا كل ما لديهم من آليات ثقافية وعلمية لمواجهة التغريب، فتشبثوا بهويتهم السوداء، ودافعوا عن كينونتهم الزنجية الأفريقية. وقد رأينا كذلك كتاب الفرانكفونية بالمغرب العربي يحاربون المستعمر بلغته، ويقوضون حضارته بالنقد والفضح والتعرية، مستخدمين في ذلك لغة فرنسية مختلطة باللغات الوطنية تهجينا وأسلبة وسخرية.

5- علاقة الأنا بالآخر: ترتكز نظرية ما بعد الاستعمار على مناقشة علاقة الأنا والغير في ضوء مقاربات ما بعد الحداثة كالمقاربة الثقافية، والمقاربة الماركسية، والمقاربة التاريخية الجديدة، والمقاربة السياسية، وكل ذلك من أجل فهم العلاقة التفاعلية بين الأنا والغير، هل هي علاقة جدلية سلبية قائمة على العدوان والصراع أم هي علاقة إيجابية قائمة على الأخوة والصداقة والتعايش والتسامح؟ وبتعبير آخر، هل هي علاقة قائمة على العدوان والكراهية والإقصاء والصراع الحضاري  أم هي علاقة تفاهم وتعاون وتكامل؟

6- الدعوة إلى علم الاستغراب: إذا كان المفكرون الغربيون يتعاملون مع الشرق في ضوء علم الاستشراق باعتباره خطابا استعماريا وكولونياليا، وذلك من أجل إخضاعه حضاريا، والهيمنة عليه سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، فإن المثقفين الذين ينتمون إلى نظرية ما بعد الاستعمار كحسن حنفي – مثلا- يدعون إلى استشراق مضاد، أو ما يسمى أيضا بعلم الاستغراب، بغية تفكيك الثقافة الغربية تشريحا وتركيبا، وتقويض خطاب التمركز تشتيتا وتأجيلا، وفضح مقصدية الهيمنة على أسس علمية موضوعية .

7- المقاومة المادية والثقافية: لم يكتف مثقفو نظرية الاستعمار بقراءة الخطاب الاستشراقي الغربي، بل حاولوا مقاومة المستعمر بكل الوسائل المتاحة إما عن طريق المقاومة السلمية أو المسلحة، وإما عن طريق الاستشراق المضاد، أو نشر الكتابات التقويضية لتفكيك الفكرين المتمركزين: الأوروبي والأمريكي، وفضحهما بشتى السبل والطرائق، ما دام هذان التمركزان مبنيين على اللون، والعرق، والجنوسة، والطبقة، والدين.

8- النقد الذاتي: لم يكتف مثقفو نظرية ما بعد الاستعمار أيضا بتوجيه النقد إلى الغرب، بل سعوا إلى نقد ذواتهم ضمن ما يسمى بالنقد الذاتي كما عند المفكر المغربي علال الفاسي، وما قام به الناقد الكيني الأصل عبد الرحمن جان محمد خير دليل على ذلك، حينما صرح قائلا: ” أعتقد أننا نحتاج إلى الإفصاح بشكل أكثر انتظامًا، عن الواجبات التي تفرضها علينا هذه الوضعية البينية، وهي واجبات أشعر أنه يمكن استشعارها من وضعية مثقف “العالم الثالث” في الأكاديميات الغربية. إننا لا نزال نكافح ضد الهيمنة المعرفية للغرب، لا نزال نحارب “الاستعمار” و” الاستعمار الجديد”. ولكن بالمقارنة مع التابع في “العالم الثالث”، نحن نعيش في ظروف بالغة الرفعة. بعض النقاد يؤكدون أن نوعًا معينًا من نظرية ما بعد الاستعمار يمثل هو نفسه جزءًا من البنية القائمة على الهيمنة، أي أنه نوع مستمر ومكرر من الاستعمار. ولهذا أعتقد أنه لا بد لنا أن نستمر على خطى جاياتري سبيفاك وآخرين، فنتفحص وضعية ذواتنا في كل هذه النواحي وبشكل أكثر انتظامًا”[5]

ويعني هذا أن ثمة مفارقة بين القول والفعل، وأن هناك انفصاما وجوديا وحضاريا وطبقيا بين مفكري نظرية ما بعد الاستعمار وواقعهم المتخلف المزري.

9- غربة المنفى: يعيش أغلب المثقفين الذين ينتمون إلى نظرية ما بعد الاستعمار في الغرب منفيين أو لاجئين أو محميين أو معارضين. ومن ثم، ينتقدون مرة بلدانهم الأصلية وواقعها المتخلف. ومرة أخرى، يرفضون سياسة التغريب والتهميش والتمركز الغربي. ويعني هذا أنهم يعيشون تمزقا ذاتيا وموضوعيا، وهم دائما في غربة ذاتية داخل المنفى المكاني والذاتي والعقلي والنفسي كما هو حال جوليا كريستيفا وإدوارد سعيد مثلا. وهكذا، يتحدث إدوارد سعيد مثلاً في “صور المثقف”، عن حالة المنفى اللاذعة، وهي تعبر عن فضاء العتبة، فضاء الأزمة والصراع الداخلي. ومن هنا، “فالمنفى بالنسبة للمثقف – بهذا المعنى الميتافيزيقي – هو حالة من عدم الراحة، حالة حركة، ألا يستقر أبدًا، وألا يدع الآخرين يستقرون؛ إذ ليس بإمكانك أن ترجع إلى حالة من حالات وجودك الأولى في وطنك، ربما تكون الحالة الأكثر استقرارًا، كما أنه ليس بإمكانك أبدًا – ويا للأسف – أن تصل إلى وطنك الجديد أو حالتك الجديدة”. ثم يستطرد سعيد في فصول كتابه الصغير، إلى توصيف وضعية ذلك المثقف المأمول الذي يمكنه أن يقول الحقيقة للسلطة  في وجهها”[6]

10- التعددية الثقافية: دافع كثير من مثقفي نظرية ما بعد الاستعمار عن التعددية الثقافية، ورفضوا التمركز الثقافي الغربي والثقافة الواحدة المهيمنة، كما رفضوا سياسية التدجين والتغريب والإقصاء، ونادوا بالتنوع الثقافي والانفتاح الثقافي، وذلك عبرآليات المثاقفة والترجمة والنقد والتفاعل الثقافي. بمعنى أن أن ثمة ثقافات جديدة إلى جانب الثقافة الغربية المركزية، كالثقافة العربية، والثقافة الآسيوية، والثقافة الأفريقية، والثقافة الأمازيغية … بمعنى أن ليس هناك ثقافة مهيمنة وحيدة، بل هناك ثقافات هجينة متعددة ومتداخلة ومتلاقحة  .

3- رواد نظرية ما بعد الاستعمار:

ثمة مجموعة من الكتاب والنقاد والمثقفين الذي يمثلون نظرية ما بعد الاستعمار، سواء أكانوا باحثين ينتمون إلى الغرب أم ينتمون إلى العالم الثالث، و نذكر من الدارسين الشرقيين :  الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد الذي ألف كتابا قيما بعنوان:” الاستشراق” سنة 1978م[7]، حيث يستعرض فيه تاريخ الاستشراق الغربي ومراحله التطورية، وكتب مقالة قيمة تحت عنوان:” العالم والنص والنقاد” سنة 1983م، يدعو فيها إلى دراسة النص في علاقة بعالمه الخارجي. بمعنى أن إدوارد سعيد ينتقد :” جميع أنماط التحليل النصي التي عدت النصوص على أنها منفصلة عن العالم الموجود فيه. وفكرة أن التحليل النصي قد يكون ممكنا من أجل أن يكون هناك قراءات لانهائية وممكنة لأي نص يمكن أن تتحقق من خلال فصل النص عن العالم الحقيقي.”[8]

هذا، ويعد إدوارد سعيد من محللي الخطاب الاستعماري، ومن أهم منظري نظرية ما بعد الاستعمار. لذلك، توج بكونه مؤسسا لهذا الحقل المعرفي الذي يعنى بتفكيك الخطاب الاستعماري أو الكولونيالي الجديد. كما يعد أيضا من رواد النقد الثقافي ؛ لأنه اهتم كثيرا باستكشاف الأنساق الثقافية المضمرة في المؤسسات المركزية الغربية، وذلك عبر تحليل الخطاب الاستشراقي تفكيكا وتشريحا وتقويضا، متأثرا في ذلك بمنهجية ديريدا، وميشيل فوكو، وأنطونيو غرامشي.

هذا، وينطلق إدوارد سعيد في كتابه:” الاستشراق” من تعريف الشرق بتحديد مدلولاته الجغرافية والحضارية، مع تعريف مصطلح الاستشراق في ضوء المفاهيم اللغوية والعلمية والأكاديمية والتاريخية والمادية. وبعد ذلك، ينتقل الباحث إلى استعراض تاريخ الاستشراق الغربي في مساراته العلمية والاستعمارية، مركزا بالخصوص على الاستشراق الفرنسي، والاستشراق الإنجليزي، والاستشراق الأمريكي الذي ازدهر بعد الحرب العالمية الثانية. ومن ثم، يتعامل الباحث مع الاستشراق كخطاب للتحليل، معتمدا في ذلك على نظريات ميشيل فوكو وأنطونيو غرامشي. وفي هذا الصدد، يقول إدوارد سعيد:” إذا اتخذنا من أواخر القرن الثامن عشر نقطة للانطلاق محددة تحديدا تقريبيا، فإن الاستشراق يمكن أن يناقش، ويحلل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق- التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه، وحكمه: وبإيجاز، الاستشراق كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق، واستبنائه، وامتلاك السيادة عليه. ولقد وجدت استخدام مفهوم ميشيل فوكو للخطاب، كما يصفه في كتابيه: ” حفريات المعرفة” و” المراقبة والعقاب” ذا فائدة هنا لتحديد هوية الاستشراق. وما أطرحه هنا هو أننا ما لم نكتنه الاستشراق بوصفه خطابا، فلن يكون في وسعنا أبدا أن نفهم الفرع المنظم تنظيما عاليا الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبر الشرق- بل حتى أن تنتجه- سياسيا، واجتماعيا، وعسكريا، وعقائديا، وتخييليا، في مرحلة ما بعد عصر التنوير. وعلاوة على ذلك، فقد احتل الاستشراق مركزا هو من السيادة بحيث أنني أومن بأنه ليس في وسع إنسان يكتب عن الشرق، أو يفكر فيه، أو يمارس فعلا متعلقا به أن يقوم بذلك دون أن يأخذ بعين الاعتبار الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والفعل. ولا يعني هذا أن الاستشراق، بمفرده، يقرر ويحتم ما يمكن أن يقال عن الشرق، بل إنه يشكل شبكة  المصالح الكلية التي يستحضر تأثيرها بصورة لا مفر منها في كل مناسبة يكون فيها ذلك الكيان العجيب الشرق موضعا للنقاش.أما كيف يحدث ذلك، فإنه ما يحاول هذا الكتاب أن يكشفه. كذلك يحاول هذا الكتاب أن يظهر أن الثقافة الغربية اكتسبت المزيد من القوة ووضوح الهوية بوضع نفسها موضع التضاد مع الشرق باعتباره ذاتا بديلة .”[9]

ومن الناحية المنهجية، فقد اعتمد إدوارد سعيد على دراسة الخطاب الاستشراقي بمنهجية فيلولوجية تفكيكية قائمة على دراسة الأفكار، والثقافات، والتواريخ، ليبرهن على أن العلاقة بين الشرق والغرب مبنية على القوة والسيطرة والهيمنة المعقدة المتشابكة. ومن ثم، يرى إدوارد سعيد :” ينبغي على المرء ألا يفترض أبدا بأن بنية الاستشراق ليست سوى بنية من الأكاذيب أو الأساطير التي ستذهب أدراج الرياح إذا كان للحقيقة المتعلقة بها أن تجلى. وأنا نفسي أؤمن بأن الاستشراق أكثر قيمة بشكل خاص كعلامة على القوة الأوروبية- الأطلسية- بإزاء الشرق منه كخطاب حقيقي عن الشرق(وهو ما يدعي الاستشراق، في شكله الجامعي أو البحثي، كونه). على أي حال، إن ماعلينا أن نحترمه ونحاول أن ندركه هو القوة المتلاحمة للخطاب الاستشراقي، وعلاقاته الوثيقة بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية المعززة، وقدرته المهيبة على البقاء.”[10]

وعليه، فقد تمثل إدوارد سعيد منهجية ميشيل فوكو في دراسة الخطاب، ثم استحضر أفكار أنطونيو غرامشي في التمييز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، والحديث عن التسلط الثقافي. ومن ثم، فالاستشراق الغربي يمثل نوعا من التسلط الثقافي؛ لأنه يؤكد التفوق الأوروبي على التخلف الشرقي، ويبين أيضا أن للغرب اليد العليا على الشرق تنويرا وتعليما وتثقيفا وتمدينا.

هذا، وقد استند إدوارد سعيد في تعامله مع الخطاب الاستشراقي إلى رؤية ثقافية سياسية قائمة على ثلاث خطوات منهجية، وهي: أولا، التمييز بين المعرفة الخالصة والمعرفة السياسية. وثانيا، الاهتمام بالمسألة المنهجية في التعامل مع الأفكار والمؤلفين والمراحل التاريخية، وذلك بالتركيز على الاستشراق الاستعماري للشرق سواء أكان فرنسيا أم بريطانيا أم أمريكيا. وثالثا، البعد الشخصي الذي يتمثل في الجمع بين الموضوعية والذاتية القائمة على الوعي النقدي، مع الاستعانة بأدوات البحث التاريخي، والسياسي، والإنساني، والثقافي.

ويبين إدوارد سعيد في الأخير بأن كتابه:” الاستشراق ” موجه إلى مجموعة من القراء، بما فهيم طلاب الأدب والنقد لتبيان العلاقات المتداخلة بين المجتمع، والتاريخ، والنصوص، وفهم الدور الثقافي الذي يلعبه الشرق في الغرب، مع الربط بين الاستشراق وبين العقائدية، والسياسة، ومنطق القوة. كما يقدم الكتاب إلى القارىء العام وقارىء العالم الثالث، حيث تطرح هذه الدراسة بالنسبة له:”خطوة لانحو فهم السياسة الغربية والعالم الغربي في هذه السياسة، بل نحو فهم قوة الخطاب الثقافي الغربي، وهي قوة كثيرا جدا ما تفهم خطأ على أنها زخرفية فقط، أو منتمية إلى البنية الفوقية.إن أملي هو أن أوضح البنية المتينة الصلبة للسيطرة الثقافية والأخطار والإغراءات الكامنة في استخدام هذه البنية، خصوصا بالنسبة للشعوب المستعمرة سابقا، عليهم أو على الآخرين.”[11]

إذاً، لقد تأثر إدوارد سعيد بفكر ما بعد الحداثة بصفة عامة، وفكر ميشيل فوكو بصفة خاصة، دون أن ننسى تأثره بالتاريخ الجديد، وفلسفة جاك ديريدا التفكيكية والتقويضية. وقد ربط إدوارد سعيد خطابه الاستشراقي بنزعة التباين والاختلاف بين الشرق والغرب، فقد تسلح الغرب بكل مقولاته المركزية وآلياته البنيوية لإخضاع الشرق والهيمنة عليه سياسيا، وعسكريا، واجتماعيا، وثقافيا، وعلميا. ومن ثم، يقوم الاستشراق بدور هام في عملية الإخضاع والاستيلاء والتغريب، مع ربط الشرق بأغراض المصلحة الغربية. ومن ثم، يتبجح الاستشراق الغربي بالصفات الرشيدة للحضارة الغربية التي تتمثل في الديمقراطية على سبيل الخصوص. بينما يعرف الشرق بالصفات الذميمة كالشهوانية والبدائية والاستبدادية. ومن ثم، فالغرب عند إدوارد سعيد هو العقل، والمركز، والاستشراق.

ومن هنا، يطرح إدوارد سعيد سؤالا هاما وقيما: هل كتاب السكان الأصليين في إطار النظرية الجديدة يتمثلون النظرية الغربية أم يعارضونها؟ بمعنى هل يرفضون الثقافة السائدة أم يخضعونها لمشرح التفكيك والتقويض بالمفهوم الدريدي نسبة إلى تفكيكية جاك ديريدا؟!!

ويرى ديفيد كارتر (David Karter) في كتابه:” النظرية الأدبية” بأن تحليلات إدوارد سعيد:” للخطابات الاجتماعية المختلفة هي بشكل أساسي تفكيكية و” ضد التيار”. فقد كان هدفه تهميش الوعي للعالم الثالث، وتقديم نقد من شأنه أن يقوض هيمنة خطابات العالم الأول . وبالنسبة لسعيد، جميع تمثيلات المشرق المقدمة من قبل الغرب تشكل جهدا دؤوبا يهدف إلى الهيمنة والإخضاع. وقد خدم الاستشراق أغراض الهيمنة الغربية (بالمعنى الذي قصده غرامشي): لإضفاء الشرعية على الإمبريالية، وإقناع سكان هذه المناطق بأن قبولهم للثقافة الغربية هي عملية تمدين إيجابية.ومن خلال تعريف الاستشراق للشرق، فإنه يعرف أيضا كيف يتصور الغرب نفسه(وذلك من خلال المعارضات الثنائية). فالتشديد على الشهوانية والبدائية والاستبدادية في الشرق، يؤكد على الصفات الرشيدة والديمقراطية عند الغرب.”[12]

وما يلاحظ على إدوارد سعيد أنه قد أهمل الاستشراق الإسباني على الرغم من طابعه الاستعماري في المغرب على سبيل الخصوص. كما نعتبره المؤسس الحقيقي للنظرية ما قبل الاستعمار في الحقلين الثقافيين: العربي والغربي على حد سواء، ويعد كذلك الممهد الفعلي للنقد الثقافي. ومن هنا، ” يأتي إدوارد سعيد في طليعة محللي الخطاب الاستعماري، بل ويعده بعضهم رائد الحقل، فقد استطاع بمفرده في كتابه:” الاستشراق” كما كتب أحد الدارسين مؤخرا، ” أن يفتتح حقلا من البحث الأكاديمي هو الخطاب الاستعماري” (باتراك ويليامز،5). ذلك أن دراسة سعيد للاستشراق دراسة لخطاب استعماري، خطاب تلتحم فيه القوة السياسية المهيمنة بالمعرفة والإنتاج الثقافي.غير أن تحليل سعيد جاء مرتكزا على سياق معرفي وبحثي سابق له يتضمن أعمال اثنين من المفكرين الأوروبيين المعاصرين، هما: الفرنسي ميشيل فوكو والإيطالي أنطونيو غرامشي. ومن الممكن والحال كذلك اعتبار هذين المفكرين ممن وضعوا أسس البحث في الخطاب الاستعماري، بالإضافة إلى بعض فلاسفة مدرسة فرانكفورت مثل: ثيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر، وكذلك والتر بنجامين، وحاناه أريندت.”[13]

ومن هنا، فكتاب:” الاستشراق” لإدوارد سعيد خير نموذج يعبر عن نظرية ما بعد الاستعمار، ما دام هذا الكتاب خطابا مضادا للاستشراق الغربي؛ لكونه يحوي انتقادات واعية ولاذعة للخطاب التمركزي الغربي تقويضا وتفكيكا وتشتيتا. و” هناك شبه إجماع بين الدارسين على الدور المؤسس الذي لعبه كتاب إدوارد سعيد عن “الاستشراق”، في صياغة اللبنات الأولى لنظرية ما بعد الاستعمار. فقد استدعى هذا الكتاب بما طرحه من أفكار، طائفة أخرى واسعة من الكتابات التي ناقشت هذه الأفكار، أو ردت عليها، أو طورتها، سواء كتابات اللاحقين من منظري ما بعد الاستعمار مثل: سلمان رشدي، وهومي بابا، وجاياتري سبيفاك، أو من تصدوا للنظرية من منظور مخالف، وكشفوا عن تناقضاتها، مثل إعجاز أحمد وعارف ديليرك. وقد شارك إدوارد سعيد نفسه بعد ذلك في تطوير النظرية وتأملها،، من خلال كتاباته ومراجعاته المتعددة التالية لكتاب الاستشراق، وخاصة في كتب مثل: “الثقافة والإمبريالية” و ” صور المثقف” و “تأملات حول المنفى” وغيرها. وكان أن انتهت هذه الكتابات جميعًا، وفي زمن قصير نسبيًا،  إلى بلورة حقل ثقافي جديد يعرف الآن باسم “ما بعد الاستعمار”[14]

أما الباحث الهندي هومي بابا (Bhabha, Homi)، فقد تأثر كثيرا بإدوارد سعيد، ومشيل فوكو، وجاك ديريدا، وجاك لاكان …فقد اهتم بالنصوص التي تكشف هامش المجتمع في عالم ما بعد الاستعمار[15]، مع رصد العلاقات الخفية والمتبادلة بين الثقافات المهيمنة والمستعبدة، ولا سيما في مجلده:” مركز الثقافة” (1994م). ويرى هومي بابا بأن:” التفاعل بين المستعمر (بكسر الراء) والمستعمر(بفتح الراء) يؤدي ليس إلى انصهار المعايير الثقافية التي تؤكد السلطة الاستعمارية فحسب، بل تهدد أيضا في محاكاتها بزعزعة استقرارها. وهذا ممكن لأن هوية المستعمر في حد ذاتها غير مستقرة، إذ توجد في وضع معزول ومغترب، كما توجد هوية المستعمر بحكم اختلافها. فهي تتجسد فقط في الاتصال المباشر مع المستعمر. وقبل ذلك، فإن حقيقتها الوحيدة موجودة في إيديولوجية الاستشراق كما عرفها سعيد”[16]

أما الكاتب الهندي سلمان رشدي، فقد استعرض في كتابه:” الإمبراطورية التي ترد كتابة”، مجمل الكتابات التي صيغت في شكل ردود من قبل مثقفي أفريقيا وآسيا كرد فعل على خطابات الثقافة البريطانية المركزية، والتي تشكل ما يسمى بالنظرية ما بعد الاستعمار.

أما الناقدة الهندية جي سي سبيفاك[17] (Spivak, Gayatri Chakravorty)، فتعد من المؤسسين الفعليين للخطاب الكولونيالي الجديد، وتعد كذلك أول منظرة نسوية بحق وحقيق في مرحلة ما بعد الاستعمار. فقد انتقدت الحركة النسوية الغربية انتقادا عنيفا من ” خلال تركيز اهتماماتها على عالم البيض من الطبقة المتوسطة ومن جنسين مختلفين.وتهتم سبيفاك أيضا بدور الطبقة الاجتماعية، وقد ركزت على ما أصبح يعرف في دراسات ما بعد الاستعمار باسم:”الأتباع”، وهو في الأصل مصطلح عسكري يشير إلى أولئك الذين هم في مرتبة أو مكانة أدنى. وإن استخدام هذا المصطلح في النظرية النقدية مستمد من كتابات الكاتب غرامشي. وتستخدم سبيفاك هذا المصطلح للإشارة إلى جميع المستويات المتدنية من المجتمع الاستعماري وما بعد الاستعماري: العاطلين عن العمل والمشردين والمزارعين الذين يعيشون من مورد رزقهم وما إلى ذلك.”[18]

وتستند سبيفاك إلى منهجية تحليلية نسوية تفكيكية ماركسية ثقافية، وخاصة في مقالها:” هل يمكن للتابع أن يتحدث؟” (1988م)، مركزة على وضعية المرأة الهندية أو ما يسمى بالإناث التابعات، فتناقش سبيفاك :” أنه في الممارسة الهندية التقليدية كحرق الأرامل على محارق أزواجهن الجنائزية، لم يسمح الهنود ولا المستعمر البريطاني للنساء بالتعبير عن آرائهن الخاصة. “[19]

وعليه، فقد اهتمت سيباك بالدفاع عن المرأة الشرقية، ومواجهة الهيمنة الغربية، والدفاع عن المهاجر، والاهتمام بالأدب والثقافة.

هذا، وقد قام كثير من المفكرين العرب بتعرية النسق الحضاري الغربي، وتقويض مقولاته المركزية، وتفكيك مقاصده الإيديولوجية كما فعل عبد الوهاب المسيري في كتابه:” موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري وتصنيفي جديد”، وما فعله في كتابه:” الإيديولوجية الصهيونية: دراسة حالة في علم اجتماع المعرفة” (1983م)، وما أنجزه  حسن حنفي في كتابه:” مقدمة في علم الاستغراب” (1981م)، حيث حاول :” فك عقدة النقص التاريخية  في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركب العظمة لدى الآخر الغربي بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس”. غير أننا رأينا هذه العقدة، وقد أخذت طريقها إلى الحل فعلا في دراسات إدوارد سعيد وعبد الوهاب المسيري وغيرهما. ولم يكن البحث والتحليل الطريقين الوحيدين اللذين اعتمد عليهما الدارسون لفك العقدة المشار إليها؛ فبالإضافة إلى ذلك لعبت الترجمة دورا حين اعتنت بما يتصل بهذه العقدة، ويؤدي إلى حلها، كما في ترجمة عبد الوهاب المسيري لكتاب المؤرخ الأمريكي كيفن رايلي:” الغرب والعالم”(1985م) الذي يبرز بعض أوجه الخلل  في الثقافة الغربية، فيعريها بالتالي مما تبدو عليه أحيانا من تفوق مطلق وصلاحية عالمية.”[20]

علاوة على ذلك، لا تقتصر نظرية ما بعد الاستعمار على كتاب آسيا وأفريقيا، فهناك باحثون من الغرب، مثل : فرانز فانون (Frantz Fanon)، وهو من الكتاب السابقين الذين ارتبطوا بنظرية ما بعد الاستعمار، كما يظهر ذلك جليا في كتابه:” المعذبون في الأرض”(1961م)، حيث يحلل فانون طبيعة الاستعمار الكولونيالي، ويبين طابعه الذاتي والمصلحي، معتبرا أن الاستعمار مصدر للعنف والإرهاب؛ مما يولد مقاومة مضادة من قبل الشعوب المستضعفة أو البلدان المستعمرة. ومن ثم، ينتقد فرانز فانون الأنظمة الاستعمارية الكولونيالية الغربية. ومن ثم، يثور على المنظومة الغربية التي ينتمي إليها، معتبرا إياها رمزا للتسلط الثقافي، ومنظومة مركزية مبنية على قوة العلم والثقافة والتكنولوجيا، وذلك بغية الهيمنة، والسيطرة، وإخضاع الشرق ماديا ومعنويا. وخير من يمثل الرد الفعلي المباشر على التغريب الاستعماري والتسلط الثقافي المركزي الغربي الحركات الثقافية المضادة، كالحركة الزنجية التي يتزعمها كتاب أفريقيا، مثل: الشاعر السينيغالي ليوبولد سيدار سينغور، وإيمي سيزير (Aimé Césaire) في كتابه:” خطاب حول الكولونيالية” (1950م)، وكوام نيكروما (Kwame Nkrumah) في كتابه:” نظرية الوعي”(1970م)،  والمبدعين السودانيين: الشاعر محمد الفيتوري الذي خصص أفريقيا بمجموعة من الدواوين الشعرية الوطنية والقومية كما في ديوان:” أغاني أفريقيا”[21]، والروائي  الطيب صالح كما في روايته:” موسم الهجرة إلى الشمال”…

هذا، ويرى فرانز فانون أن نظرة الغرب إلى أفريقيا قائمة على صورة استعلائية. وفي هذا السياق، يقول:” كانت تلك القارة  المترامية الأطراف (يقصد أفريقيا) في نظر الاستعمار مأوى للمتوحشين، موطنا يحفل بالهرطقة والأباطيل، ومكرسا للازدراء الكبير، للعنة الربانية، موطنا لآكلي لحوم البشر، موطنا للزنوج.”[22]

ومن هنا، جاءت الحركة الزنجية الأفريقية في الحقيقة لتواجه التغريب، و الاسترقاق، والاستعمار، والميز العنصري من جهة، والتغني بالحرية، والهوية،  والثورة، والإنسان من جهة أخرى.

ويمكن الحديث أيضا عن الباحث الإنجليزي روبرت يونغ (Robert JC Young) صاحب كتاب:” ميثولوجيات بيضاء: كتابة التاريخ والغرب “(1990م)، حيث يحاول الكتاب تقويض التمركز الغربي، وتفكيك الفكر الماركسي الغربي، من خلال إعادة كتابة تاريخ الفكر الغربي من هيجل إلى ميشيل فوكو، حيث يعتبر التمركز الغربي أسطورة ليس إلا. ويعد روبرت يونغ من رواد الخطاب الكولونيالي الجديد، ومن الفاعلين في مجال النقد والأدب والتاريخ. وقد انتقد يونغ الفكر الماركسي باعتباره المبرر والمسوغ الشرعي والفلسفي لدخول بريطانيا للهند، إذ اعتبر ذلك ظاهرة إيجابية لإدخال الهند في سياق التمدن والتحضر. ومن ثم، فقد اتخذ الفكر الماركسي طابعا هيغيليا يجعل من الغرب مركزا للقيادة والعلم والمعرفة. كما اعتمد يونغ على التفكيكية في تقويض الماركسية. و” هذا يذكرنا بأن تحليل الخطاب الاستعماري والنظرية ما بعد الاستعمارية يتقاطع مع العديد من المناهج وحقول البحث الثقافية الغربية المعاصرة، وذلك بوصفه هو الآخر واقعا تحت مظلة الفكر ما بعد الحداثي وما بعد البنيوي.”[23]

هؤلاء هم بعض الرواد الذين مثلوا نظرية ما بعد الاستعمار سواء أكان ذلك في الشرق أم في الغرب. وقد بذلوا فعلا جهدا مشكورا في تعرية الخطاب الاستشراقي المركزي، وفضحه تفكيكا وتقويضا وتشتيتا.

4- تقويم نظرية ما بعد الاستعمار:

يلاحظ أن نظرية ما بعد الاستعمار قد سخرت كل آلياتها الفكرية والمنهجية والمعرفية لتقويض الرؤية المركزية عند الغربيين، وذلك بإعادة النظر في كثير من الملسمات والمقولات المركزية الغربية بالمراجعة والدرس والتحليل والتقويم، وقد أعيد النظر كذلك في خطاب الاستشراق بالتحليل والتفكيك والنقد الواعي. بيد أن هذه النظرية هي خليط من المناهج والتحليلات، قائمة على الانتقاء والاصطفاء المنهجي، كما أن عينات البحث محدودة كماعند إدوارد سعيد، ولم تأت هذه النظرية بالجديد بالمقارنة مع نظريات الخطاب الاستعماري الكلاسيكي.

هذا، وقد تعرض أصحابها لانتقادات عميقة وواسعة بعضها أخلاقي وبعضها علمي، واتهموا هذه النظرية بالفشل، كما تنطوي هذه النظرية على مجموعة من التناقضات والمفارقات، وانفصام بين القول والفعل، وانفصال شاسع بين النظري والواقعي.

خلاصات ونتائج:

وخلاصة القول، نستنتج مما سبق، بأن نظرية ما بعد الاستعمار نظرية تسلَّحَ بها كُتَّاب العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة كتاب آسيا وأفريقيا لمجابهة التمركز الغربي، وتقويض المقولات الفكرية الأوروبية والأمريكية تقويضا وتشتيتا وتأجيلا، وذلك بآليات منهجية متداخلة : تفكيكية، وثقافية، وسياسية، وتاريخية، ومقارنة… ومن ثم، فنظرية ما بعد الاستعمار هي حركة ثقافية مضادة ومقاومة، ظهرت في مرحلة ما بعد الحداثة للوقوف في  وجه التغريب، والتهميش، والتعالي، والهيمنة الغربية المغلوطة. ولم يقتصر كتاب هذه النظرية الكولونيالية الجديدة على كتاب العالم الثالث، فقد توسعت لتضم بشكل من الأشكال كتابا من المنظومة الغربية الذين ثاروا على الثقافة البيضاء، فاعتبروها ثقافة أسطورية حالمة وخيالية، مبنية على خطاب الإخضاع، والاستعلاء، والهيمنة، والاستعمار، والتمييز اللوني والعرقي والجنسي والديني والطبقي.


[1] – ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة: د. باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:125.

[2] – Ashcroft, Bill, Gareth Griffiths, and Helen Tiffin: The Empire Writes Back: Theory and Practice in Post-Colonial Literatures, Routledge, London and New York, 1989, p: 2.

[3] – د.سعد البازعي ود.ميجان الرويلي: دليل الناقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 2000م، ص:91-92.

[4] – وردت هذه الأسئلة في هذا الكتاب:

Deepika Bahri: Introduction to Postcolonial Studies, Fall 1996.

وذلك على موقع بعنوان:

www.emory.edu/English/faculty/bahri.htm

 

 

[5] – Theory, Practice and the Intellectual:
A Conversation with Abdul R. Jan Mohamed, by S.X. Goudie, Juvert: A Journal of postcolonial Studies, published by The College of Humanities and social sciences, North Carolina State University, Volume 1, Issue 2, 1997.

[6] – Said, Edward. Representations of The Intellectual, Vintage Books, New York, 1996,P: 5.

[7] – إدوارد سعيد: الاستشراق، ترجمة: كمال أبوديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان، الطبعة السابعة سنة 2005م.

[8] – ديفيد كارتر: النظرية الأدبية، ص:127.

[9] – إدوارد سعيد: الاستشراق، ص:38-39.

[10] – إدوارد سعيد: نفسه، ص:41.

[11] – إدوارد سعيد: نفسه، ص:57.

[12] – دافيد كارتر: نفسه، ص:126.

[13] – د.سعد البازعي ود. ميجان الرويلي: نفس المرجع، ص:92.

[14] –  خيري دومة: (عَدْوَى الرَّحِيل موسم الهجرة إلى الشمال ونظرية “ما بعد الاستعمار”)، http://www.ibn-rushd.org/forum/Adwa-al-Raheel.htm

 

 

[15] – Bhabha, Homi K.: Locations of Culture: Discussing Post-Colonial Culture.London: Routledge, 1996.

– Nation and Narration. New York: Routledge, 1990.

– Of Mimicry and Man: The Ambivalence of Colonial DiscourseOctober 28 (1984): 125-33.

– The Postcolonial Critics ­ Homi Bhabha Interviewed by David Bennett and Terry Collits, Arena 96 (1991): 47-63.

[16] – ديفيد كارتر: نفس المرجع، ص:127-128.

[17] – Spivak, Gayatri Chakravorty. A Critique of Postcolonial Reason: Toward a History of the Vanishing Present, Cambridge, MA: Harvard UP, 1999.

[18] – ديفيد كارتر: نفس المرجع، ص:128.

[19] – ديفيد كارتر: نفس المرجع، ص:128.

[20]–  د.سعد البازعي ود. ميجان الرويلي: نفس المرجع، ص:94.

[21] – محمد الفيتوري: ديوان محمد الفيتوري، المجلد الأول، دار العودة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1972م.

[22]– Franz Fanon: Les Damnés de la Terre de la terre,première édition: 1961,p:145.

[23]–  د.سعد البازعي ود. ميجان الرويلي: نفس المرجع، ص:93.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/publications_competitions/0/39097/#ixzz5N3iui2L8

*

الدكتور جميل حمداوي من مواليد المغرب (مدينة الناظور) سنة 1963 م.

– أستاذ التعليم العالي مساعد .

– حصل على جائزة مؤسسة المثقف العربي (سيدني / أستراليا) لعام 2011 م في النقد والدراسات الأدبية (جائزة معنوية).

– رئيس الهيئة العربية لننتاج القصة القصيرة جدا.

– رئيس جمعية الجسور للبحث في الثقافة والفنون.

– عضو الجمعية العربية لنقاد المسرح.

-عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.

– عضو اتحاد كتاب العرب.

-عضو الاتحاد كتاب الإنترنت العرب.

-عضو اتحاد كتاب المغرب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*