الرئيسية / أخبار / علامات نهاية السودان

علامات نهاية السودان

Sudan voices

الكراهية هي أكثر المشاعر التي تجعل الإنسان ينزع إلى الوحدة ، حيث تأخذ الشخص إلى نفسه فقط فتُلهيه بها ، وتنسيه كل ما / ومن حوله ، وتقتل في دواخله المشاعر والاحاسيس ، فيصبح الشخص الذي تحركه الكراهية دون المبادئ ، جزءً لا هوية له ، يتحرق رغبةً في الالتحام بالأجزاء التي تشبهه ، فينتهي به الأمر إلى البحث عن كارهين و(كريهين) آخرين ليتحالف معهم.

وفي النهاية لن تكون محصلة هذه الكراهية الخطيرة سوى أنها تجعل ذلك الشخص يتخلى عن كل القيم النبيلة التي ظل يدافع عنها وينافح من أجلها ، فُيعيد دون أن يدري صياغة نفسه على غرار ظالميه.

أتمنى لو كنت أنا قائل هذه الموعظة الأخلاقية العظيمة ، ولكنني أنقلها من نسخة رديئة مهترئة لكتاب لاحقني به بائع كتب جائل وألح علىّ دون سائر خلق الله من السابلة بشارع طلعت حرب في القاهرة أن اشتريه منه ، اسمه : (المؤمن الصادق : أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية) من تأليف (إيريك هوفر) وترجمة (غازي القصيبي) ، فإشتريت الكتاب إكراماً لإسم المترجم ، وهو شاعر ومثقف ودبلوماسي سعودي بارز وقعت تحت تأثير كلمته منذ أول قصيدة قرأتها له عن غزو (العلوج) للكويت . والحق يُقال انني بعد ان أكملت قراءة الكتاب ، دعوت للراحل القصيبي بان تضاف ترجمته النيّرة هذه لميزان حسناته الكثيرة ، وأن تعم شآبيب الرحمة المفكر الأمريكي “إيريك هوفر” حياً كان أم متوفي.

كل هذا الإستطراد سببه كتابات البعض على حوائط الـ (فيس بوك) ، وتعليقات بعض القراء حول أحداث الخرطوم الأخيرة ، فحادثة الإعتداء التي تعرض لها الأستاذ “عثمان ميرغني” رئيس تحرير صحيفة (التيار) من عناصر تابعة لجهاز الأمن ، كشفت عن مقدار الكراهية التي عشعشت في قلوب بعض من يدعون معارضة النظام القمعي في الخرطوم ، ولكنهم ودون وعي منهم يرجمون بحجارة من سجيل كيبورداتهم الضحيِّة دونما توجيه أية إدانة للمُعتدي ، كما عبر عن ذلك أحد (النشطاء) على حائطه الفيسبوكي ، وهو يضع صورة عثمان والدماء تغطي وجهه ، كاتباً دون أن يرتعش كيبورده : (كيدهم في نحرهم) ! وكالعادة لم يترك (ناشط) آخر حفلة الشواء المجانية هذه تفوته دون أن يتدخل فكتب وهو يضع صورة أكثر دموية : (يارب بهم وبأهلهم عجل بالنصر والفرج) . يا للهول ويا للمأساة ، لماذا يُحاسب الضحايا بماضي أفكارهم ؟ وكيف يتنازل ناشط عن إنسانيته بهذه السهولة المٌخيفة؟!

والطامة الكبرى ما كشفه العدوان الإسرائيلي المجنون على (غزة) وما خلفه من مأساة إنسانية حقيقية وسط الأطفال والنساء والمدنيين هناك ، حيث كشف عن جهل وزيف بعض الديمقراطيين السودانيين ، فليست الكتابات المُرتجفة والمُرجفة وحدها التي استثارتني ، بل أن صديقاً كنت أدخره ليومٍ عبوساً قمطريرا أدخل البؤس والعبوس في نفسيّ عندما قابلته هذا العيد ، حيث حكى لي بإنتشاء وفرح عارمين وكأنه قادم للتو من جلسة إستماع لسيمفونية بتهوفن التاسعة ، وليس من مشاهدة نشرة الأخبار بقناة العربية ، قال مزهواً : إن الصواريخ الإسرائيلية على غزة ستُدمر (حماس) وتركيا وقطر ! هنيئاً لمعارضتنا به وتعساً لصداقتي معه .

لم ير هذا الصديق في كل هذه الصواريخ التي تفتك بأجساد الأطفال وتحرق أكباد النساء وتُشرد المدنيين الآمنين في غزّة سوى أنها أداة لتدمير الأخوان المسلمين ، فتنازل بفعل الكراهية التي أكلت قلبه وعقله طوعاً عن إنسانيته وعن كل القيم التي ظل يدافع عنها فالتقى دون أن يدري مع ظالميه من الإخوان المسلمين ، فالبغل القطري المتخلف والآغا التركي الطامع يقفان نفس الموقف معه ، إذ لم يُدينا حتى الآن القصف الاسرائيلي على أطفال غزة ، لأن الكراهية التي تملأ قلوبهم تجاه كل ما هو مصري أعمتهم عن رؤية حقيقة وكنه الأزمة ، فلم يروا ثمة ما يستحق الإدانة عدا المبادرة المصرية لحل الأزمة ، فتفرغوا للنيل من مصر ورئيسها ، وكأن “السيسي” هو الذي يقتل أطفال غزة وليس “نتنياهو” ؟!

هكذا إستطاعت الكراهية توحيد العناصر المتنافرة فأصبح صديقي مع (قطر وتركيا) دون أن يدري ، وهذا ما حذرنا منه كتاب (المؤمن الصادق) .

ليست هذه كل المأساة كما يحدثنا كتاب “إيريك هوفر” ، بل تتجلى في أحقر صورها عندما يرى المجرم في جرائم أخرى إرتكبها غيره فرصة لتطهير النفس دون ان يتخلى عن رغبته في ارتكاب جرائم مثلها أو تفوقها فظاعة ، وهذا ما رأيته عياناً بياناً ثالث أيام العيد عندما أطل “عمر البشير” على قناة (الجزيرة) وهو يردد : أين مجلس الأمن الدولي الذي يتحدث عن حفظ السلم والأمن الدوليين ؟ أين مجلس حقوق الإنسان عن ما يحدث في غزة؟!

حكاية مُعبرة حكاها الكاتب اللبناني البارز “سمير عطا الله” مُلخصها (أن “فيليب تقلا” وزير خارجية لبنان في عام 1975 كان خارجاً في الصباح من منزله متوجهاً لحضور جلسة مجلس الوزراء ، وفي الطريق رأى قتلة يسحلون ضحيّة ، فطلب من السائق التوجه للمطار مباشرة ، ولم يعد بعدها إلى بلاده ، قال “عطا الله” أنه عندما قابله بعد سنوات وسأله عن سبب مغادرته ، رد وزير الخارجية قائلاً : إن القتل علامة البدايات ، أما السحل فعلامة النهايات).

وتأسياً بمقولة ذلك الوزير العاقل ، أقول : إن القتل بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق كان علامة للبدايات ، أما الكراهية التي أدخلتها السلطة الحاكمة في أنفسنا فهي علامة النهايات.

عبد المنعم سليمان

abdoalsudan@gmail.com

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*