الرئيسية / فنون وثقافة / سامي العطا :هل يكفي الصراخ؟ لجسد يئن من عمق الجراح.. (النيل الازرق)

سامي العطا :هل يكفي الصراخ؟ لجسد يئن من عمق الجراح.. (النيل الازرق)

Sudan voices

سامي العطا   

سحر الطبيعة تلهمك بابتسامة قد تفسر بأن لونها أصفر، قد لا تدم كثيراً، عندما يمتد بصُرَك حول الطريق الذي تسير عليه، لافتاتٌ تنبهُك بوجود ألغام، احتراب ساد المكان، يقشعر جسدك وأنت تلحظ أشلاء إنسان تهشمت عظامه ولم يبقي فيها غير بياض، إكتساه بعد أن قضت الطيور علي ما تبقي من فتاته، الطّيور التي تتحيّن فرص البقاء علي ضحايا أرتال الرصاص..

المكانْ، يعتريه صمتٌ مريب، وحَذِرْ .. الناسُ هنا مُجحِظِينْ بأن الأرض أضحَت من غير حروب.. الأطفال كفُّوا عن النحيب والهرع.. إحتمال أن يعودوا، إحتمال؛ طائرُة الهليكوبتر تصل المكان، والأطفال، لا يعرفونها سوي أنها تقصد قصفهم بـــــ (الدانات)، يلوذوا بالفرار، يبحثون عن حجر جبل (كراكير) يقيهم، هكذا حالهم عند الشرور..

آه.. يا فتي.. تمهل.. هنا عمّ سلام.. ألا تسمع أن الأسُودُ تزأر علي سفح الجبال تُنبئُكَ الامان؟، أما تري ان الحيوانات عادت للزحام.. هكذا قالوا الكِبار، كمَا الإعتقادُ، هكذا مُّورس التزّاكي علي الجُهَّال، دون إلتماس عملٍ يوحي بالسّلام..

الأرضُ، يكسُّوها رماد، تولَّد من تلك الحرّيق، هكذا كان النِزالْ، بإسم من يمتهنون عُسرِ البقَاء، أو فقُل رّهن إعتقاد، الله فينا غيرُ ذات، ما هكذا يوكل الله عبداً ضد عباد.. إنّها فوضي الجِهّاد.. 
الارضُ بُّور، تشكُو الصِّيام، لم تذُق بذرةٍ تُنادي بالنضَار، او تحتفي فرحاً بأن أحداً إختارُها وطناً يعيشُ فيها، لم تحتمل وطأة الدبابة التي عشقت عنف التدحرج الي الجحيم..

الأرضُ تُلهِمُك بأن ظهرها مُثقلٌ بالحكايات الحزينة، دمارٌ وخراب، تصور التخيلات انها لم تكن تعرف الحياةُ يوماً، كانما سمتُها الاساسية هي الاحتراب، كما المحطات التي تنعق فجوراً، للتصاوير البعيدة عن الحقيقة..
تصور لك أن لا إنسان يؤدي رسالته في الحياة، لا ثقافة لا فنون ، لاءات كثيرة !!!

المكان: جزء من تراب وطني، يعاني الدمار أرضه رفعت راياتها البيضاء، واشارت باصبعها السبابي بالاكتفاء، ارض ارتوت بالدماء، وخلفت ثائر، بعد موت اخر يحلم بالبقاء..

الزمان: ساعة احتراقه، وكفي..

ما قبل انباتُ الفجيعة، الارضُ تحمل علي صدُرها بيوتات انسانها، وحُبلي بميلاد قاطن لها، يحرثُ الارض ثماراً، ويستغل متبقيها مرعي للبهايم..

يحتفل كما الاخرون، يرقصون ((الدبك)) – رقصة الفرح والمآتم – يعزفون بالوازا والبلونقرو.. يصطادون السمك في خيران يابوس، تمُت، أفُدْ. يصطادون حمام الشقوق، جداد الخلاء في غابات السنط..

المكان يغلي بتحركات اهل المنطقة صباحاً، الكل يصل الي مكان النفير، لبناء (منزلة) جنبو جميل، الشاب اليافع الذي لم يبلغ سوي السابع عشرة من عمره، وصل حد البلوغ الظاهرة – خشونة صوته ونمو شعر شواربه – الرجال يجهزون (أعواد القوائم) وتثبيتُها علي الارض بعد حفرها، النساء ينسجنْ (السعف) لربطه علي القوائم كجدار، كل ٌيعرف عمله بامتهان.. صوت نسج السعف يغزو الهدوء، وبعض دندات تصدر من (بثينه) برائعة الفنان سبت عثمان (حليمة)..
الساعةُ الان، قدر أنتصافُ العمل المراد إنجازه – منزل لــ (جنبو جميل)، اصطف الرجال بشكل دائري، جردل أصفر في منتصف الدائرة، قصبة جوفاء تزداد طولاً عن ارتفاع الجردل بالقدر الذي يتيح (شطف) اخر جرعة منه المملوء بــ(الشرَاب) المفيد، قدر اكتفاء الحضور، واكتساب القوة لانجاز المهمة.. النهل من الجردل لابد وان يصحبه التوزيع العادل الذي يتسيده الشيخ (سلمون جابول)، هو عادل المنطقة يحكم بما اقتضاه توليه هذا المنصب الفخيم.. والنساء ياخذن جانباً اخر بنفس ذات التفاصيل..

(حليمة) العروس المرتقبة لـــ جنبو، فتاةٌ سمراء فارعةُ القوام، خصرها نحيف، أردافها ممتلئة، في وجهها نصف ابتسامة تُظهرُ اسنانها الفاقعة البياض، لم يثنيها عنها؛ تدفق المياه علي وجهها، من (الباقة) التي تحملها علي رأسها وسريانها حتي تبلل فستانها المرتعد مع حركتها في اعلاه ورهق مشوار الطريق بين القرية وخور (تمُت)، تقدر مسافتها (3 ساعات مشي كراع).. اخفت نفسها سريعا بين سيقان (القنا) بغية التركيز حتي لا تفقد توازنها من جراء نظرة عشيقها (جميل)..

اعضاءُ النفير هناك، كانوا علي اعتاب ختام العمل، ليعلنوا جاهزية المنزل، والشروع في اتمام زواج حليمة وجنبو جميل..

اسبوع مرّ كما نسيم هائم يتحين الفرص لارتشاف قبلات من اوراق الاشجار، والنساء يجتمعن لتجهيز حليمة لمراسم الزواج، والرجال في رحلات الصيد غذاء الفرح..
الجميع اصطف في دائرة كبيرة، مركزها عازفي (الوازا) العشرة – بغية تدرج الصوت من رفيع الي خشن- بالاضافة الي شيلةُ العروس التي اشتراها جميل، وقبل بداية العزف تأتي (موشنق) مسرعة، انا داير غنا بتاع سبت؛ بقول فيو (حليييييمة ..حلييييما وللا وللا… وللا) داك، قائد الفرقة (أنور جديان) لا مجال له سوي الخنوع وتنفيذ طلب موشنق الفتاة التي اجتهدت مع حليمة طيلة فترة التجهيز يبدأ هو بالمقطوعه بعدها يبدأ باقي العازفين، يصرخ الحضور بــــ (هوووووي) إشاره للالمام بالاغنية، خاصة انها ايضاً صادفت اسم العروسة، الحسناوات تتمايل طرباً في البدايات كما اغصان شجرة اشبقت من طبع قبلة ذاك النسيم، اصطف الجميع رقصاً دائريا (نساء ورجال) خلف عازفي الوازا، علي نمط موسيقي واحد وتبادل مموسق بين وتريات الوازا العشرة، صوت الوازا الخشن يعلن انتهاء عزف المقطوعة.. تنتهي الاغنية والجميع شبق للحن اخر، يحتمي به من ملذات الفرحة العارمة باستصدار صرخة (وااااااااااااا)
تتواصل الاحتفالات.. واكتمال المراسم

وفي (يابوس) هناك حيث الخور الذي يجري طوال العام، يموت (هانقوق)، ويجتمع اهل القرية لتجهيز الجثمان اثناء عزف موسيقي مستمر يعبر عن الحزن الذي خيم اهل المنطقه، حتي يتصدر (كونق) الحديث عن انهم أتوا لاخذ جزء من املاك الميت (غنم، ذرة او او) لضمان بقاء روح هانقوق بينهم..
وهناك، (عنتر) ياخذ (السفروق) لاصطياد جداد الخلاء، أب شوك، ابو دربال، وحمام الشقوق.. وتقديمه لي (عشه) كي تطبخ له وللمارين علي طريق سائقي لواري (القنا)، ملاح (تقليه)، عليه (طرقة) كسرة ذرة مطحون بالمرحاكة..
وفي سركم الجبل اقاقو، يشرح للصغار الحالمين نقاط ادراك الحياة، ويسرد لهم ان وجود الاسد بينهم يعني الامان دايماً، وانه يهرب في الاوضاع الحرجة (اسد في جبل داك كن كورك معناتو بلد كوويس، وكم ما سمعتو معناتو كعب)..

بعد احتمال الاشياء لبعض التصورات الحزينة، تخلف الاسد عن الزئير، وهرب تاركاً خلفه العويل، الاطفال امست دون احتضار كلمات قاقو عن السلام، والنساء ثكلي لاتقترف غير النحيب لتخفف عنها وطأه جحود الانتماء الي الطبيعة، علها تخفف وزنها لتجعل الركوض نحو الاحتمالات المقيته، افضل من انتظار المصير الآتي من شبح المحطات التي تنفق كل طاقتها للنيل من شرفات التصافي مع الحياة..
سلمون،حليمة، جميل، مشونق، كونق، عنتر، وعشه، اناس تعشمو بالحياة دون اجتياح،
حتي هانقوق اصدر اشعارا بالصراخ، لانه ما عاد مرتاحاً تحت التراب..
وقال: ان الارض فوقه ابتلت بالدماء حتي وصلته هناك، ولم يعد قادراً علي الصمت ..اكثر.
الي متي يبكي الرصاص علي جسد الحياة.؟
أسئلة طائشة عميقة،تحتضر، هل نعود كما كُنا، أم نتظاهر بتفاؤل يخفي حرج السؤال؟! هكذا حال من عادوا إلي ديارهم، باسم من نطقوا نداءاً بالسلام، وألهموا أن الأرض رحُبَتْ بمن كانوا هراء، وستنتقي أدباً جديداً للحراك..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*