الرئيسية / مقالات / محمد أبوالفضل :مصر تميل لطي صفحة المعارضة السودانية

محمد أبوالفضل :مصر تميل لطي صفحة المعارضة السودانية

Sudan voices

محمد أبوالفضل *

مصر تميل لطي صفحة المعارضة السودانية  

إثارة الغبار السياسي حول علاقة القاهرة مع المعارضة السودانية، يعني تحقيق انتصار معنوي للخرطوم على قيادات المعارضة، والقاهرة ذاتها التي ظلت مترددة في هذه الخطوة.

منع دخول الصادق المهدي مصر ترك ارتياحا لدى الخرطوم
المتابعون لشؤون السودان من المصريين، كان من السهل عليهم لقاء قيادات المعارضة السودانية في أي وقت، للحصول منهم على معلومات واستطلاع وجهة نظرهم في مواقف سياسية معينة. ارتبط تنامي نشاط المعارضين أو انخفاضه بدرجة قرب أو بعد القاهرة من الخرطوم. ظلت حركة هؤلاء محصورة في النطاق السياسي ولم يمارسوا عملا مسلحا.

لم يتوقف النظام السوداني عن المطالبة بوقف هذا النشاط، لأنه يوحي بزخم تفتقر إليه المعارضة في الواقع، وفشلت كل المحاولات السياسية والمسلحة في هز أركان الحكم في الخرطوم، الذي كانت له اليد الطولى، يقرب ويبعد من يشاء من المعارضين، لكن القلق من وجود بعضهم في مصر لم يبارح حسابات الخرطوم.

القاهرة من جانبها، لم تعر هذه المسألة اهتماما كبيرا، وفسرتها دوما بأن بقاء قيادات المعارضة ينطلق من روابط تاريخية وفي الحدود السلمية. مع ذلك بقيت هذه الورقة غصة في حلق الخرطوم، تطالب بضرورة لفظها كلما سنحت الفرصة، وتستخدمها ضمنيا لتبرير استضافتها لعناصر تنتمي إلى جماعة الإخوان ومطلوبة جنائيا في مصر.

التحسن الملحوظ في العلاقات بين البلدين مؤخرا، جاء عقب نقاشات طويلة بين المسؤولين، أدت إلى تهدئة ملموسة في عدد من القضايا، وبدت ورقة المعارضة معلقة، ولم تفلح المسوغات بشأن انضباط حركتها وعدم ممارسة دور حيوي انطلاقا من مصر، في تجاهل الخرطوم هذا المطلب، واعتبرت اتخاذ موقف سلبي منها مؤشرا مهما على حسن النوايا، وإزالة جانب آخر من السحب المتراكمة.

تحركات النظام السوداني حيال الحركة الإسلامية عموما حتى الآن لم تتعدّ تنحيتهم عن الواجهة السياسية والأمنية

التردد السابق في طريقه ليتوقف، بعد أن رفضت القاهرة استقبال الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي، ورئيس تكتل “النداء الجديد” الذي يقود المعارضة السودانية، ما يُعد تحولا نوعيا، كانت الخرطوم تنتظره منذ فترة لأنه ينطوي على بعد معنوي. وازدادت أهميته عقب نجاح الخرطوم في التوصل إلى تفاهمات بهذا الشأن مع كل من تشاد وإثيوبيا، وبدأت خطوات جادة في هذا الاتجاه مع كل من إريتريا وجنوب السودان، يقوم على المعاملة بالمثل، لأن ورقة الحرب بالوكالة من خلال المعارضة استنفدت أغراضها الإقليمية.

منع دخول المهدي مصر الأسبوع الماضي، بكل ما يحمله من معان سياسية واجتماعية كبيرة، ترك ارتياحا لدى الخرطوم، بعد أن لحق به تصعيد آخر، تمثل في توجيه سفارات مصر في الخارج بالحرص على التعامل فقط مع حكومة الخرطوم ومن يمثلونها.

في هذا السياق، قالت مصادر سودانية إن رسالة مصرية وصلت إلى معارضين بارزين يقيمون في مصر، طالبتهم بعدم القيام بأي نشاط سياسي مناهض للحكومة، حفاظا على الأمن القومي لوادي النيل.

التصرف المصري، جاء بعد رسائل وجهها السودان لعدد من قيادات الإخوان بالتواري عن الأنظار وعدم ممارسة نشاط على أراضيه، ضمن خطوات يتخذها لتقليص حضور الحركة الإسلامية في الحكومة والحزب الحاكم (المؤتمر الوطني)، فرضتها توازنات داخلية، لا تخلو من تقديرات إقليمية.

إقدام القاهرة على المزيد من ضبط إيقاع المعارضة، ينسجم مع الرغبة في تحاشي التوتر مع الخرطوم ونزع ما يعكر صفو العلاقات، حفاظا على الهدوء الظاهر في المواقف من بعض القضايا المصيرية، مثل سد النهضة الإثيوبي، وملف النزاع الحدودي حول منطقة حلايب وشلاتين.

عندما أقدمت مصر على تغيير موقفها من المعارضة السودانية بوضوح في حالة المهدي، كانت تضع عينيها على تشجيع الخرطوم على الإقدام على خطوة تتجاوز حدود ضبط نشاط قيادات الإخوان والجماعات المتطرفة في السودان، وتتعلق بتسليم المتهمين منهم في قضايا إرهاب.

تحركات النظام السوداني حيال الحركة الإسلامية عموما حتى الآن لم تتعدّ تنحيتهم عن الواجهة السياسية والأمنية، والقيام بعملية إحلال ضمن لعبة خاصة بمعادلة الحكم، تخص فتح الطريق لترشح البشير لولاية رئاسية جديدة بلا منغصات أو شوشرة داخلية.

الخرطوم لم تطالب القاهرة بتسليم قيادات المعارضة السودانية، واكتفت برمزية منع الدخول والخروج بحرية ووقف كل نشاط سياسي لهم، لأن غالبيتهم يدخلون ويخرجون السودان نفسه، بما فيهم الصادق المهدي، كما أن القيادات المسلحة لم تعد تتردد على مصر منذ فترة. الرمزية السودانية تكمن أهميتها في التأكيد على النجاح في غلق معظم أو كل المنافذ أمام المعارضة، التي تمكنها من التعبير عن مواقفها السياسية، ما يمنحها ثقلا مختفيا على الأرض.

لنافذة مصر أولوية بحكم عدد السودانيين من القيادات والكوادر النشطة والكامنة التي تقيم في أراضيها، وبعضها مضى عليه حوالي ثلاثين عاما، عندما كان التجمع السوداني المعارض يتخذ من القاهرة مقرا له، وتزايد نشاطه في القاهرة بعد تعرض الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك لمحاولة اغتيال عام 1995 في أديس أبابا، اتهمت الخرطوم بالمشاركة في تدبيرها.

وقتها كان من السهولة علينا لقاء الصادق المهدي، ومولانا محمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي، وفاروق أبوعيسى رئيس التجمع ومبارك الفاضل المهدي المنشق عن حزب الأمة القومي، وغيرهم. اليوم لن تجد شبحا لهؤلاء ومعاونيهم في القاموس السياسي والإعلامي في مصر، لأسباب كثيرة مثل تغير الولاءات (الميرغني والفاضل)، أهمها تحاشي غضب الخرطوم.

إثارة الغبار السياسي حول علاقة القاهرة مع المعارضة السودانية، يعني تحقيق انتصار معنوي للخرطوم على قيادات المعارضة، والقاهرة ذاتها التي ظلت مترددة في هذه الخطوة، لأنها كانت ورقة سياسية تعتقد أنه يمكن الاحتياج إليها عند اللزوم، فضلا عن تأكيد صفة الندّية التي يعتقد قطاع من السودانيين أنها مهضومة وتميل لصالح مصر.

النظام السوداني لم يتوقف عن المطالبة بوقف هذا النشاط، لأنه يوحي بزخم تفتقر إليه المعارضة في الواقع

الحاصل أن استرضاء مصر للسودان ليس بخاف على المتابعين لتطور العلاقات المشتركة، كأن القاهرة تريد أن تبدد هواجس تاريخية. ظهرت تجليات الاسترضاء في تحركات عدة، منها التنبيه على حسن معاملة السودانيين في مصر، ومنع وسائل الإعلام الرسمية من توجيه انتقادات للخرطوم، أو حتى تناول الشأن السوداني بما يغضب الرئيس عمر البشير.

الوصول إلى هذه الحلقة، يرمي إلى سد الثغرات التي تمنح النظام السوداني ذريعة للتملص من التزاماته مع مصر، وقطع الطريق على إمكانية تطوير العلاقات مع دول مثل قطر وتركيا، التي ترتفع حرارتها كلما انخفضت مع القاهرة، ما يؤثر سلبا على المصالح المصرية.

القراءة العميقة للتعامل الجديد مع المعارضة السودانية، تؤكد أن القاهرة تنتظر تسلم عدد من القيادات الإسلامية المتورطة في أعمال عنف، ووجدت ملاذا في الخرطوم عندما وفر لها مسؤولون هناك غطاء شرعيا، ومُنح بعضهم بطاقات هوية جديدة ودعما ماليا سخيا.

الطموح المصري غير مستحيل ومبني على عاملين. الأول تململ الرئيس عمر البشير من العبء الذي يمثله هؤلاء له، وضجره من تصرفات بعض قيادات الحركة الإسلامية في بلاده ممن يريدون حصر علاقته مع القاهرة في عنصر الإزعاج. والثاني قيام البشير بعقد صفقات سياسية سابقة مع الولايات المتحدة، عندما طرد أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، وسلّم إلييتش راميليز سانشيز المعروف بكارلوس لفرنسا.

تعامل القاهرة مع المعارضة السودانية حمل رسائل سلبية لمعارضين من دول عربية مختلفة، درجت على استقبالهم والتعامل معهم بمرونة في سياق الحاضنة الأم، والوساطة بينهم وأنظمتهم الحاكمة أكثر من كونهم ورقة للضغط. يبدو أن هذا الاتجاه قابل للتعديل مع تغير حسابات مصر السياسية.

محمد أبوالفضل
كاتب مصري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*