الرئيسية / مقالات / اسماعيل عبد الله يكتب : آخر مراحل إحتقار الشعب !!

اسماعيل عبد الله يكتب : آخر مراحل إحتقار الشعب !!

Sudan voices

اسماعيل عبد الله  

      إن اكثر البلايا شراً هي الاكثر اضحاكاً للناس , فمن يعيش طويلاً يرى كثيراً من عجائب الخلق , نظام البشير لم يجد طريقة من طرائق اذلال و احتقار الشعب السوداني , الا و اتخذها سبيلاً لاستهداف المواطن في معاشه وامنه و استقراره , شهدنا تدافع الناس وتزاحمهم في بوابات البنوك وشبابيك  اجهزة الصرف الآلي للنقود , و تراصهم في طوابير وصفوف مهينة و حاطة من انسانيتهم , بذلك القدر الذي يطرح تساؤلاً واستفهاماً ملحاً , وهو: اين ذهبت شخصية الانسان السوداني ؟ , تلك الشخصية ذات الملامح المعبرة عن العزة و الشهامة و النخوة ونجدة المظلوم , التي رسمت في عقولنا الواعية والباطنة وترددت على اسماعنا وطافت بابصارنا منذ نعومة الاظفار , هل ضاعت كل تلك الاهازيج القومية والملاحم الوطنية , التي رسخ لها الاعلام و مؤسسات التعليم في وجدان كل الاجيال المتعاقبة ,  هذه الاهازيج التي من امثلتها : (دخلوها وصقيرها حام)  و(فرتاق للصفوف في اقل من لمحة) , فعندما يساوم المرأ في ماله و تزايد عليه الحكومة في مرتبه الشهري , وتحدد له سقف كمي لسحب مدخراته من العملة البيضاء , التي ظل يحتفظ بها في حسابه البنكي خصيصاً للايام السوداء التي تمر به الآن , حينها  تكون هذه هي آخر مرحلة من مراحل الاذلال و الاحتقار الذي يمكن ان يمارس عليه , من قبل مثل هكذا نظام  سياسي  يحكمه ويسيطر عليه  ويحبس انفاسه , ان اغلى وانفس شيئين  للانسان هما المال و النفس , وفي احايين كثيرة يقدم المال على الانفس كاولوية , لانه الداعم لحيوات هذه الانفس وتلك الارواح , كدعمه الاطفال الذين هم في حاجة ملحة الى الحليب و الطعام , والشيوخ والكهول الذين ينتظرون ذويهم  ليعودوا اليهم  بالادوية المنقذة للحياة , من شاكلة ادوية القلب و المخ و الاعصاب و الكلي , فلا اظن ان هناك تنازلاً يمكن ان يقدمه الشخص اكثر من تنازله عن ماله وعرضه , فهذه الحال التي وصل اليها الناس من الاهانة والابتذال في هذه الايام العصيبة ,  وعدم احترام وتقدير الذات , والتساهل والتفريط في حقهم في التصرف في اموالهم وممتلكاتهم , يمكنها ان تفضي الى مرحلة اخرى قد يتعرضون فيها الى المزيد من امتهان الكرامة , مثل جرائم الاغتصاب و النهب المسلح لاموالهم من داخل بيوتهم , في حاضرات الاقاليم الكبيرة و المدن الثلاث لعاصمة البلاد القومية , كتلك الحادثة البشعة التي وقعت قبل ايام في احدى احياء مدينة بحري , و التي راح ضحيتها رب اسرة و زوجته عندما سطا عليهما  مدججون  بالسلاح الابيض ,  بهدف سرقة سيارتهما  كما افادت مصادر الخبر.

    يتحمل المواطنون السودانيون بجميع صفاتهم ,  وباختلاف سحناتهم وتنوع انتمائاتهم الجغرافية  نتائج هذا الخنوع  , و اضرار هذا التردي الذي احاط بهم جراء بطش هذه العصبة الانقاذية بهم , فواحد من اهم العوامل التي جعلت هذه الكتل السكانية السودانية الكبيرة من الآدميين , تخفق في ان تتخلص من البطانة الفاسدة التي تتحكم بها وبمصيرها وتحكمها بمنهاج الحديد والنار , هي الانقسام المجتمعي الداخلي على الاساس القبلي و الجهوي والمناطقي , و اصطفاف النخب السياسية الحاكمة  وتضامنها مع هذا الاتجاه الكارثي , حيث قام النظام باستثمار هذا الاصطفاف الجهوي في تمديد عمره واستمراريته , وذلك بممارسة  الارهاب و التخويف بحق سكان السودان المركزي وتحذيرهم , من ذلك القادم المجهول الذي سيستولي على كرسي السلطة  , فعندما يروج اعلام البشير لمثل هذا التساؤل (ماهو البديل) , انما يريد ان يقول للذين يستهدفهم بهذا الخطاب , اذا اطحتم بي و اجبرتموني على ترك القصر الرئاسي فسوف يعتلي عرش الحكم و القيادة في البلاد امثال هؤلاء , و (هؤلاء) هنا يعني بهم قادة المقاومة المسلحة في النيل الازرق و دارفور وجنوب كردفان , بل و بتفصيل اكثر , يعني بها اي قيادي او رمز سياسي ياتي من جغرافيا هذا المثلث الملتهب , حتى لو لم يحمل مجرد (مطوة) في مواجهة  النظام , وبذا تتم  استثارة  النعرات العرقية والجهوية و يصطف هذا المواطن المقهور خلف قاهره , و لا يكترث للقضية الوطنية الكلية التي يعاني منها الجميع شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً , ومن ثم لا يعيرها ادنى اهتمام , بل يتحول كل تركيزه الى كيفية الحؤول دون وصول هذا الغول المجهول الملامح الى عمق البلاد ومركزها , تماماً مثلما كان اعلام الحكومات المركزية يقوم بفبركة الاخبار عن المقاومة المسلحة في جنوب السودان , فحينها اعتاد مخرجوا البرامج الموجهة على تأليف  روايات  وقصص خيالية , عن الرعب و الموت الذي سيطال المواطن من سكان شمال البلاد , اذا تمكن العقيد جون قرنق من تسلم مقاليد الحكم في السودان , وعندما صعد حفيد السلطان ديمبيور الى منصة الساحة الخضراء , اكتشف السودانيون  خطل وخبث تلك الرواية الحكومية المغرضة , فرأينا الدكتور المناضل رجلاً فكهاً ممازحاً ذو ظل خفيف , لا يشبه تلك الصورة المشوهة التي تم عرضها في الحلقات المتواصلة  لبرنامج (في ساحات الفداء) على الاطلاق , فلم نرى تلك الانياب المفترسة التي تسيل منها الدماء , ولم نشاهد رأس ذلك الذئب الوحشي المرعب الذي يكتسي وجهه بالصوف.

     لقد دفع سكان السودان المركزي ثمن سكوتهم ومباركتهم لمسيرة الانقاذ , بعد المفاصلة الجهوية والعرقية التي حدثت بين الانقاذيين المركزيين و رفقاء دربهم , الذين تعود جذورهم الى اقاليم غرب السودان  الكبير (كردفان ودارفور) في رمضان من العام 1999م , نتيجة لانجرار جماعة البشير والمواطنين المركزيين  المساندين له  وراء الفوبيا القائلة: (لن يحكمنا الغرباوي) , هذه الفوبيا التي جعلت هؤلاء المواطنين يركضون في ذلة وانكسار واستجداء هذه الايام , ليحصلوا على حر مالهم وعرق جبينهم  ولكي يتمكنوا من سحبه من حساباتهم الشخصية والخاصة من البنوك ,  فعندما كانت دارفور و جبال النوبة و الانقسنا تحترق بقنابل طائرات النظام  اللعينة , كان الناس في المدن الخرطومية المكتظة بالبنوك والمصارف وماكنات الصارف الالي يرفلون تحت نعيم بترول هجليج , ويرددون مقولة النظام السمجة (قضية دارفور قضية مصطنعة) , ولم يرتجف لاحدهم جفن من فظاعة جرائم النظام بحق مواطن دارفور الاعزل , من اغتصابات جماعية  للنساء وازهاق لارواح الاطفال الابرياء  , بالحرائق المشتعلة من براميل الانتونوف المنقولة جواً من خرطوم كتشنر والمقذوفة على سكان القرى المساكين , فلم يرتفع  صوت الضمير الانساني  لديهم  في الوقت الذي وقفت فيه كل شعوب الارض , مع ضحايا محرقة القرن بحق الانسان في هذا الاقليم المنكوب , ومن الادلة الاكثر حضوراً على انقسام وجدان الشعب السوداني في تناوله واستيعابه للقضية الوطنية الشاملة , حادثة التعذيب و التنكيل التي حاقت بالمواطن السوداني الذي يحمل الجواز الامريكي بمطار الخرطوم , عندما انبرى الكثير من الكتاب و الناشطين المركزيين الى توبيخ المجني عليه , و البحث عن مخرج للجاني و ذلك بمحاولات تبرير  فعلته النكراء في يأس وخيبة أمل بائنة , فهم يقومون بتلك الدفوعات الباطلة لا لشيء , الا لان هذا المنكل به آت من تلك البقعة الجغرافية المغضوب عليها من مركز الحكم في البلاد.

      حديثاً قدمت اثيوبيا رئيساً لمجلس وزرائها من قومية الأورومو , والأورومو  مكون سكاني  مهمش في المشاركة في الحكم , على مستوى حقيبة الرئيس و رئاسة الوزراء في ارض النجاشي زماناً ليس بالقصير , اذ كانت هذه الحقائب السيادية الى وقت قريب محتكرة ودولة ما بين قوميتي الامهرا و التقراي , وهما مكونان كثافتهما السكانية اقل من سكان اقليم اورومور , فسيطرا على مفاصل السلطة في اثيوبيا  حتى انبلج فجر الصحوة و الوعي السياسي لدى هذا الشعب الاكسومي العريق , فتجاوز السلوك السياسي المناطقي و الجهوي في تصريف شئون الحكم , ان هذه الثورة الديمقراطية والشعبية الاثيوبية التي اندلعت ليست حدثاً معزولاً عن الشعوب الأخرى في المنطقة , فبحكم الوعي و الاستنارة التي شملت جيل اليوم , لم تعد الخرافة في الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة والكاملة من قبل جهة معينة او شخص بعينه , تقنع هذه الاجيال الحاضرة المشرئبة الى الحداثة و الانصهار في المجتمع العولمي , فارهاصات وتفاعلات الاوضاع السياسية و الاقتصادية في السودان , سوف تأتي بما لا يتوقعه الناس من قادة وطنيين من قوميات ومكونات سكانية حرمت حقها الاصيل في التمثيل العادل في حكم السودان على المستوى السيادي , في مواقع دستورية مثل رئاسة الدولة و رئاسة مجلس الوزراء ورئاسة الاجهزة الامنية و المخابراتية , وهذه القوميات المهمشة هي الانقسنا والهدندوة و النوبة و الفور , هذا على سبيل المثال وليس الحصر , فعملية التحول والانقلاب الدستوري هذه سوف تعمل على ايقاف عرض مسرحية الرجل الواحد , التي مللنا مشاهدتها منذ فجر استقلال بلادنا المنقوص , فالسودان في مكونه الديمغرافي والاثني يشبه اثيوبيا الى حد كبير , وعلى كل الناس في جميع اركانه ان يعملوا على انزال موجهات ومعاني الملحمة الوطنية (انا سوداني انا) , الى ارض السودان واقعاً يمشي بين الناس , وخاصةً في الجزئية التي تقول : (كل ارجائه لنا وطن) , اذ لا يصح ان نتصارع  نحن ويفنى الوطن لمجرد هذه المقولة الغبية (لن يحكمنا الغرباوي).

                                                          

اسماعيل عبد الله

ismeel1@hotmail.com

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*