الرئيسية / أخبار / المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً : صعود وسقوط (المشروع الحضاري)

المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً : صعود وسقوط (المشروع الحضاري)

Sudan voices

المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً
النظام الإسلامي السوداني : صعود وسقوط (المشروع الحضاري)
مدينة فاضلة تضل طريقها
في ذكراها الخامسة والعشرين، ما الذي جنته الحركة الإسلامية بعد أن إختطفت السلطة السياسية بطريقة غير شرعية في 30 من يونيو 1989؟ ففي 2014 يبدو واضحاً أن “المشروع الحضاري” وسرديته الكبرى قد شبعا موتاً، كما أقرّ مسئول حكومي بارز. والنظام يعلم ذلك. فقد تجاهلوا كلية في السنوات القليلة الماضية الذكرى السنوية للثلاثين من يونيو، في إعتراف غير مباشر أن لا سبب للإحتفال.
ذكر قائد الإنقلاب، الذي أصبح رئيساً للبلاد، في بيانه الأول في 30 يونيو 1989 أن أسباب إنقلابه هي الفساد، والفوضى السياسية، وعدم الكفاءة وعدم دعم الجيش في دفاعه عن جنوب السودان. لكن مدبري الإنقلاب كانوا يتحركون في الواقع بتعليمات من الجبهة الإسلامية القومية القوية وقتها، وكان للنظام الذي أقاموه جداول أعمال خفية تثير الإعجاب. إذ سيصبح السودان نموذجاً لأول خلافة إسلامية حديثة، وهي سردية تمثّل نقيضاً بائساً لـ”النظام العالمي الجديد” الذي بسط هيمنته على العالم عقب سقوط سور برلين.
كان المشروع الحضاري للجبهة القومية الإسلامية يوتوبيا شاملة حقيقية تبدأ من الوطن وتنتشر إلى كل مكان في العالم تشكل فيه مجتمعات المسلمين أغلبية عددية، أو أقلية مضطهدة. وسيسعى إلى تمكين الجماعات الإسلامية الراديكالية ذات التوجه المشابه عبر العالم ينظّمها ويعبّئها لتستلم السلطة في بلدانها.
ولكي يحدث هذا، كان على إسلاميي السودان أن يقودوا المسيرة من خلال السيطرة التامة على كافة مقاليد الأمن والسلطة السياسية والاقتصادية في البلاد. فاستلم نائب الرئيس السابق علي عثمان محمد طه، أحد مدبري خطة الإنقلاب، ما سُمّي عن حق “وزارة التخطيط الاجتماعي” التي رمت إلى تحويل أهل السودان إلى ما تصورته لهم الجبهة الإسلامية القومية. وسوف يتم ذلك من خلال حقن جرعات عالية من الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة في مناهج المدارس، من رياض الأطفال إلى الجامعات. وقد أثبتت وسائل الإعلام التي تهيمن عليها الدولة، والتدريب الإلزامي لكافة العاملين في القطاع العام فاعلية عالية في تلقين عدد متزايد من السودانيين ايديولوجيا الحركة الاسلامية الجهادية.
كان غسل دماغ الشباب السوداني ناجحاً. فقد أرسل النظام، في أوج قوته في التسعينيات، آلاف المتطوعين الشباب، معظمهم من قطاع طلاب وشباب الجبهة الإسلامية القومية، وآلاف آخرين من طلاب المدارس الثانوية والجامعات ممن جُنّدوا قسراً لشن حملة جهادية، حفّها الإحتفاء الشديد، في جنوب السودان. صوّرت الدعاية الجهادية متمردي الحركة الشعبية/الجيش لتحرير السودان كعملاء أشرار للكنيسة، والامبريالية الأمريكية، والصهيونية، وهي العقبات الرئيسية أمام تحقيق يوتوبيا الدولة الإسلامية الحديثة في السودان.
واليوم يتساءل الأعضاء الُمنشقّون من القطاع الشبابي الجهادي للحركة الاسلامية علناً ما إذا كان عشرون ألفاً من شباب الجبهة الإسلامية القومية “الذين أُستشهدوا” في “مراعي القتل” في جنوب السودان قد أُستخدموا لمجرد تمكين الحلقات الضيقة في سلطة الاسلاميين من الانغماس في المحسوبية، والفساد، والاستبداد.
سقوط المشروع
مع إنحدار المشروع في التحلل الأخلاقي، أصبحت الفظائع الجماعية ونهب الأموال عامة أمراً شائعاً. والحركة الإسلامية التي هندست صعودها إلى السلطة ما هي اليوم إلا شبح لذاتها السالفة. فقد انشقت أربع فصائل على الأقل في السنتين الماضيتين ونصّبت نفسها كمجموعات معارضة بعد محاولات فاشلة لإصلاح الحركة من داخلها.
أصبح الفساد مما تأذن به الدولة. واليوم يصعب التمييز بين الدولة والحزب الحاكم. وقد أُختزلت الحركة الإسلامية، التي قُصد منها السيطرة على كليهما، إلى بيرواقراطية مختلة وظيفياً. عمت الفوضى السياسية البلاد، وامتدت الحرب التي شنت يوماً في جنوب السودان إلى أقاليم أخرى من البلاد. دُوّلت نزاعات السودان الداخلية. وانفصل جنوب السودان. ومن الناحية الإقتصادية تبني النظام أشد سياسات النيوليبرالية قسوة، مما أحال معظم أهل البلاد إلى فقراء. وارتكب النظام، لكي يحافظ على السلطة، إنتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 2009 و2010 مذكرتي إعتقال ضد البشير تتهمه بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية اقترفتها القوات المسلحة السودانية والمليشيات المتحالفة معها في دارفور.
أصبح السودان على المستوى الإقليمي مصدراً لعدم الاستقرار لجيرانه. فقد تحالف في البداية مع الراديكاليين المصريين في محاولتهم الفاشلة لاغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في 1995. ثم ساند في السنة الماضية متمردي السيليكا للاستيلاء على السلطة في جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، وهو تدخل لم يجد سوى القليل من الإدانة الدولية.
أقلق الطموح السوداني الامبريالي الصغير للمشروع الحضاري بعض القوي الغربية. ففي أيام أوج المشروع فتح السودان حدوده لطائفة من المجموعات الإرهابية ليصدر آلاف الهويات ووثائق السفر السودانية للمقاتلين العرب السابقين في حرب أفغانستان الأولى. فوجدت المجموعات الإرهابية والأفراد الإرهابيين الذين يعملون لحسابهم مثل أبو نضال وإيليتش راميرز سانشيز (كارلوس)، وبالطبع أسامة بن لادن ملاذاً آمناً في البلاد. وقد صحب بن لادن آلاف من الأفغان العرب الذين شغلوا وظائف في شركاته الإنشائية والزراعية وقتها، لكنهم عملوا في وقت فراغهم على تقويض الحكومات في المنطقة. وقد كان هذا الحضور المثير للاضطراب هو سلف القاعدة، “قاعدة بيانات” للأشخاص ذوي المعتقدات المشتركة، وللموارد والقدرات، مع احتفاظ كل وحدة باستقلالها الوطني، واسهامها، في نفس الوقت، في الهدف المشترك المتمثل في إحياء خلافة العصر الحديث. وهذا يفسر إلى حد كبير لماذا أصبح السودان دولة منبوذة. فقد ضُمّ السودان في 1993 إلى القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب. وفي 1997 فرضت الولايات المتحدة عقوبات إقتصادية وتجارية ومالية شاملة على السودان.
كيف تمكن النظام بالرغم من هذا السجل البائس من الحفاظ على السلطة لخمس وعشرين سنة؟
قمع المنشقين
قام إنقلاب 1989 بحل البرلمان المنتخب على الفور، وحظر الأحزاب السياسية والنقابات، وأغلق الصحف، واعتقل القادة السياسيين. وعلق مجلس قيادة الثورة، الكيان السياسي للنظام الجديد، دستور 1985، ومارس الحكم من ثمّ من خلال المراسيم. وقد أعلن المرسوم الدستوري الثاني حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد.
تبع هذه الإجراءات الدراكولية قمع منهجي قُصد منه قمع هوية وإنسانية الشعب. وقد هدد البشير في تجمّع جماهيري في 1989: “أقسم هنا أمامكم أن نطهر صفوفنا من الخونة، والمأجورين، وأعداء الشعب والقوات المسلحة … أي شخص يخون هذه الأمة لا يستحق شرف الحياة.”
وإعمالاً لكلمات الرئيس، شن جهاز أمن النظام حملة “أمنية استباقية” شرسة. إذ اعتقل عملاء الأمن آلافاً من من النقابيين، ونشطاء المجتمع المدني والنشطاء السياسيين الذين نجحوا مرتين في تاريخ سودان ما بعد الاستقلال في إسقاط الأنظمة العسكرية من خلال العصيان المدني السلمي. وأُرسل المعتقلون إلى “بيوت الأشباح”، وهي مراكز إعتقال غير رسمية، وتعرضوا للتعذيب ببساطة بسبب ما يمثلونه في نظر النظام. وقد كان مركز النديم، في القاهرة، بين مجموعات حقوق الإنسان الرائدة في توثيق هذه الممارسات. فبين عامي 1993 و2002 عالج المركز 1324 من ضحايا التعذيب السودانيين. ووجد مئات آخرين من الضحايا الاستشارة النفسية والعلاج الطبي في المملكة المتحدة وأماكن أخرى من العالم.
بحلول منتصف التسعينيات كان النظام قد نجح في سحق أي شكل من المقاومة المدنية والمسلحة في الخرطوم. فغادر آلاف من نشطاء المجتمع المدني وساسة المعارضة البلاد، وبدءوا مقاومة المنفى.
التمكين
نهض نجاح النظام في بدايته على سياسة “تمكين” معقدة. وقد إتخذ تحقيق هذه السياسة عدة صور. أحدها كان تعيين أعضاء الجبهة الإسلامية القومية في كافة قطاعات الدولة. ولكي يتمكنوا من ذلك كان عليهم أن يتخلصوا من كل أعدائهم، الحقيقيين أو المتخيلين. وما كان ممكناً تطبيق هذه السياسة ما لم تتم غربلة الخدمة المدنية، والقضاء، والشرطة والجيش.
كان الجيش السوداني المهني حينها يمثل تهديداً للجبهة الإسلامية القومية. فتم فصل 500 ضابط من الجيش بعد شهور قليلة من الإنقلاب. وقد قامت الجبهة الإسلامية القومية في الفترة من 1989 إلى 2000 بتغيير شامل في بنية الجيش في السودان. إذ فصلوا ما يُقدّر بـ 4000 ضابط من مختلف الرتب. وفصل النظام تدريجياً الآلاف من موظفي الخدمة المدنية من مدرسين، وقضاة، ومهندسين، وأطباء، وأساتذة جامعات، وعمال. وطبقاً لبحث موثوق أجراه الصحفي السوداني السر سيد أحمد ونُشر في جريدة الشرق الأوسط في 20 مايو 2001، لم يتجاوز إجمالي عدد موظفي الخدمة المدنية المفصولين خلال 85 عاماً منذ 1904 إلى 1989 رقم الـ 32,419، في حين فصلت الجبهة الإسلامية القومية في عشر سنوات من 1989 إلى 1999 ما يقارب الـ 73,640 من هؤلاء العاملين.
هذا الفصل الواسع من الخدمة غير مسبوق في تاريخ البلاد. وقد عُيّن الموالون بغض النظر عن مهاراتهم، ومؤهلاتهم، وخبراتهم. وحوّلت الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة السودانية التي كانت تقوم إلى حد كبير على أساس الكفاءة إلى كيانات تقوم على المحاباة.
تشكّل التمكين الإقتصادي من خصخصة الشركات المملوكة للدولة باسعار زهيدة وبيعها إلى أعضاء ومناصري الجبهة الإسلامية القومية وأسرهم وأبناء عشائرهم. وقد أجبرت العائلات السودانية العاملة تقليدياً في مجالات الأعمال والشركات المستقلة على السماح لمؤسسات الأعمال التي تهمين عليها الجبهة الإسلامية القومية بالحصول على حصة من القطاعات التي يعملون فيها، أو المخاطرة بإجبارهم على الخروج من السوق إذا قاوموا ذلك. وتظل مؤسسات الأعمال الإسلامية تتمتع بإمتيازات خلقت تشوهات هيكلية كبيرة في إقتصاد السوق: إعفاءات واسعة من ضرائب الأعمال ومن الجمارك والرسوم، وإحتكار التعاقدات مع الدولة التي لم يكن يتم الحصول عليها إلا من خلال المناقصات العامة إلخ. ولكي تتأهل الشركات لهذه الإعفاءات عليها دفع مساهمات مالية كبيرة إلى الدفاع الشعبي وغيره من الكيانات الجهادية التي لا تظهر بياناتها في ميزانية الدولة.
مع تزايد إنفتاح شهية مسئولي الحزب الحاكم وأوليغاركية النظام للبيزنس إلى حد النهم، تغيرت بنية النظام ذاته مع مرور السنين. فقد إنمسخ النظام من حلقة ضيقة لحزب ايديولوجي منظم ومُحكم البناء (الحركة الإسلامية) تسيطر على حزب حاكم ذي قاعدة عريضة يضم الأحزاب والدوائر الأخرى (ما أصبح حزب المؤتمر الوطني اليوم)، وتسيطر من خلاله على الحكومة والدولة، إلى تحالف جائع للمال والسلطة يجمع رجال الأعمال الإسلاميين، والأمن والعشائر القبلية المنحدرة من مواطن أعضاء النخبة الإسلامية الحاكمة.
يفسر إنمساخ النظام كيف أنه أفلح في إهدار ما يُقدّر بـ60 بليون دولار حصل عليها السودان من عائدات النفط بين عامي 1999 و2011. وقد موّل مقادير معتبرة من هذه الأموال العامة حروباً لا يمكن تحقيق نصرٍ فيها، بما في ذلك دفع الأموال لما لا يُعد من المليشيات التي تعمل بالوكالة. كما استخدمت الأموال لإثراء أوليغاركية النظام. وفي ذات الوقت، أُقيمت مشروعات البنية التحتية الكبيرة والسدود والطرق السريعة والجسور، التي اعتبرت إنجازات كبرى، في الغالب في الولايات النيلية الشمالية الأقل من ناحية الكثافة السكانية والإنتاجية. وواضح أن هذا التوجّه بُني على أساس حسابات البقاء السياسي أكثر منه على الجدوى الإقتصادية. وقد اقترض النظام بكثافة من الصين وحلفائه الآخرين لتمويل إنهماكه في التشييد خلال السنوات الأخيرة، وهو أمر مشكوك في عائداته الإقتصادية.
جنوب السودان وإتفاقية السلام
الجبهة الإسلامية القومية عدّت الحركة الشعبية لتحرير السوادن دائماً حركة إنفصالية وعنصرية استهدفت الثقافة العربية والإسلامية. فقد نُظر للحركة الشعبية بوصفها وكيلاً للغرب وإسرائيل وطرفا في مؤامرة ضد الإسلام والعرب – وهي رسالة رُوّج لها باستمرار من خلال وسائل الإعلام الجماهيرية للنظام. كان جنوب السودان بالنسبة للمتشددين الاسلاميين وأولئك الأكثر تشبثاً بفكرة الدولة الإسلامية النموذجية، عقبة وعائقا تجب الهيمنة عليه بالقوة في أحسن الأحوال أو فصله لمصلحة إقامة الحكم الإسلامي. عندما أخفقت الموجات المتكررة من الحملات الجهادية في هزيمة الجيش الشعبي، وأصبحت الحرب حرباً لا يمكن لأي من الطرفين الفوز فيها، قبل الإسلاميون بانفصال جنوب السودان كثمن لاستمرار مشروعهم الحضاري في الشمال. وما تبقى تاريخ فقد مهّد هذا المسار في نهاية المطاف الطريق للحكم الذاتي في الجنوب في عام 2005 ثم الاستقلال عام في 2011.
كانت عوامل أخرى فاعلة. إذ تقر الممثلة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة في جنوب السودان هيلدا جونسون في كتابها، “إندلاع السلام في السودان”، أن العوامل الرئيسية في إنهاء الحرب في جنوب السودان كانت هي الضغوط الدولية المثيرة للجدل، وأحداث 11 سبتمبر 2001 التي أتاحت للخرطوم “دافعاً قوياً لكي يُنظر لها باعتبارها متعاونة”. كذلك قدمت اتفاقية السلام الشامل (2005) الفرصة للمؤتمر الوطني لاكتساب شرعية جديدة وتعزيز سلطته لفترة امتدت حتى وقتنا الحاضر.
كان يمكن لاتفاقية السلام الشامل أن تتيح للسودان التخلص من صورته كدولة منبوذة، ولكن هذا لم يكن ليحدث. فحينما كان النظام يفاوض لينهي أكبر الحروب الأهلية في أفريقيا، قام باتخاذ إجراءات قاسية ضد تمرد صغير وغير استراتيجي اندلع في دارفور في 2003. كانت تكلفة استجابة الحكومة التي لم تتناسب مع حجم التمرد هي حياة 300,000 شخص من أهل دارفور حسب تقديرات الأمم المتحدة وإرسال أكثر من مليوني نازح إلى المعسكرات حيث ما يزالون يعيشون حتى يومنا هذا. وقد ساهمت الحملة في توسّع صفوف المتمردين بالآلاف. وقد عادت جرائم النظام في دارفور على البشير ومسئولين آخرين بالاتهامات و مذكرات الاعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، وأبقت السودان في وضعه الراههن لا يتزحزح كدولة منبوذة.
في أعقاب الانفصال فاقم فقدان 75٪ من عائدات البلاد النفطية من الصعوبات الاقتصادية. كذلك، اشتعلت الصراعات التي نجحت اتفاقية السلام الشامل في تخفيف حدتها مرة أخرى. ففي مايو 2011 جرّت التوترات في منطقة أبيي المتنازع عليها دولة جنوب السودان المستقلة حديثاً الى حافة النزاع الحدودي مع السودان. كذلك أعادت المهام العالقة من إتفاقية السلام الشامل إشعال الحرب في جنوب كردفان في يونيو حزيران 2011، ومن ثم في النيل الأزرق في سبتمبر 2011. واليوم، ترزح سبعة من ولايات السودان الثمانية عشر تحت قوانين الطوارئ وما لا يُوصف من مشاهد الحروب المميتة.
في الجانب الاقتصادي، بلغ الدين الخارجي للسودان في يونيو 2014، 43.8 بليون دولار مقابل 12.9 بليون دولار في 1989. فقد ارتفع الدين الخارجي بنسبة 240 في المائة في السنوات الخمس والعشرين الماضية. وأُعلن السودان بلداً غير مؤهل لاستخدام موارد صندوق النقد الدولي؛ وفي 1993، علّق صندوق النقد الدولي حقوق السودان في التصويت. في 1989 كان سعر الصرف الرسمي للجنيه السوداني4.4 للدولار الواحد. وفي 2014، بلغ سعر الصرف الرسمي 5,700 جنيه سوداني (بالجنيه القديم) أو 5,7 (بالجنيه الجديد) للدولار الواحد. وقد أجبر انقلاب 1989 العديد من المانحين، خاصة في الغرب، على تعليق مساعداتهم الرسمية للسودان. وفي الوقت نفسه، ربما كان برنامج التحرير الإقتصادي السوداني في التسعينيات هو الوحيد في العالم الذي طبق الجزء الأصعب من وصفات صندوق النقد الدولي وفقا للمراقبين الاقتصاديين. وقد أدى هذا التطبيق إلى مستويات عالية من اللا مساواة في البلاد. وصنّف السودان في أحدث تقارير التنمية البشرية في المرتبة171 من جملة187 بلداً، مقارنة بعام 2008، عندما كان في المرتبة147. في الواقع، أنفق السودان أقل من 2 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي على الصحة والتعليم، ويُعتبر هذا أدنى إنفاق في أفريقيا جنوب الصحراء. وقد انخفض مجمل الناتج القومي الإجمالي إلى ناقص 10 في المائة في عام 2012، في أعقاب انفصال جنوب السودان.
نموذج البقاء
يعتمد بقاء النظام بشكل كبير على “أمننة السياسة” حسب تعبير الكاتب السوداني حيدر إبراهيم، التي تُحوّل أي مسألة سياسية إلى شأن أمني. فالأجهزة الأمنية في السودان تتبنى دائماً نظريات المؤامرة لتفسير أي حركة، ونقاش واحتجاج بوصفه شكلاً من أشكال التدخل الأجنبي. وتميل العقلية الأمنية إلى تجاهل أية دوافع سياسية أو شخصية أو إنسانية. فهم يسيئون تفسير الأسباب، مما يقود إلى تشخيص خاطئ يتبعه، على الدوام، علاج يعتمد على القمع والحظر.
تموّل الفروع الأمنية المختلفة بسخاء ويحميها القانون من أي ملاحقة. ومن الناحية السياسية فقد مدّ حزب المؤتمر الوطني بنجاح شبكة ضخمة من التحالفات، كانت ستثير غيرة القوى الاستعمارية القديمة. رسّخ الحزب علاقاته مع أفراد طبقة رجال الأعمال القديمة والجديدة، وبعض الطرق الصوفية وزعماء القبائل. كذلك توسع نظام الاستتباع ليشمل عددا من الأحزاب السياسية التي انضمت إلى الحكومة في مراحل مختلفة. واستبدل النظام منظمات الطلاب، والعمال، والنقابات، والمنظمات المهنية، ومنظمات الشباب بأولئك الذين تعهدوا بالولاء الثابت للحركة الاسلامية والنظام.
في الوقت نفسه، أحزاب المعارضة الرئيسية ضعيفة، وزاد النظام من ضعفها بالقمع والاستيعاب. ومجموعات الشباب مبعثرة ومختلفة، وتفتقر إلى حد ما للحنكة السياسية. والمجتمعات المدنية المستقلة في وضع هش وتحت رحمة بيروقراطية الدولة، والأمن والمانحين. ويظل السودانيون في الشتات فاعلين ومتفاعلين مع الأحداث السياسية في بلدهم من خلال الاحتجاجات لكنهم لا يشكلون تهديداً مباشراً لبقاء النظام.
تظل الجماعات المسلحة المنتمية للجبهة الثورية السودانية محصورة في مناطق محدودة جداً من جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق ودارفور. إمكانية أن تهاجم الجبهة الثورية السودانية مركز السلطة في الخرطوم واردة، لكنها ستكون مهمة انتحارية. وقد نجحت الجبهة الثورية في صد هجمات النظام في موسم الجفاف التي تزداد شراستها. لكن ما يزال عليهم الخروج ببرنامج سياسي متماسك ومقنع من شأنه أن يكون مقبولاً لسكان وسط السودان الشمالي الذين صوّر لهم عقدان من دعاية النظام المتمردين كبرابرة أباعد. وبدون خطاب سياسي فعّال وممارسات حكم مسئولة تعضد هذا الخطاب، ليس أمام مقاتلي الجبهة الثورية سوى فرصة ضئيلة لكسب الدعم لقضيتهم بين سكان وسط السودان. والنتيجة النهائية هي الاستقطاب المتنامي وانفصام العروة بين السكان المتأثرين بالحرب ما يعني المزيد من تمزق البلاد.
ملاحظات ختامية
قال أحد قادة الشباب من حركة التغيير الآن للمجموعة السودانية للديمقراطية أولاً “شهدت السنوات الخمس والعشرين الماضية الفصول الاكثر دموية في تاريخ السودان”. وفي الواقع تحول وعد المدينة الفاضلة الإسلامية إلى واقع إسلامي مرير. إذ آلت معظم وعود انقلاب 1989 في مجالات الاقتصاد، والحكم والسلام ومحاربة الفساد إلى عكسها. ومنذ 1989، لم يتسامح النظام على الإطلاق مع أي مظاهرات سلمية مناهضة للنظام، وهذا واقع موثّق بشكل جيّد. واستجابة النظام الوحيدة لحركات التمرد المُستعٍرة في المناطق المهمشة هي الرد العسكري السافر والوحشي بنيّة سحق مجتمعات بأكملها حتى الخضوع الجماعي. والنتيجة المتوقعة هي مزيد من التشرذم حيث تكبر الأجيال الجديدة تحت سحابة القصف الجوي والهجمات البرية المميتة. كذلك لجأ النظام في المراكز الحضرية في الوسط، التي هي أقرب إلى الخرطوم، إلى القوة المجردة رداً على الاحتجاجات السلمية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 متظاهر في سبتمبر عام 2013، معظمهم دون العشرين.
مع ارتفاع مد الاحتجاجات الجهيرة والهادئة، حاول النظام في 2014 إعادة اختراع نفسه من خلال عمليات الحوار الوطني. لكن الخوف من التغيير حوّل الدعوة إلى الحوار الوطني إلى شعار فارغ أكثر كونه عملية سياسية حقيقية وصادقة تهدف الى اخراج البلاد من المستنقع الذي جرها إليه الاسلاميون. وقد أداروا ظهورهم بما لا لبس فيه لكل الوعود النبيلة من سلام ورفع للقيود المفروضة على الحريات الأساسية مما أُعلن في يناير وأبريل 2014. العادات القديمة لا تموت بسهولة، فالنظام يحافظ على تحكّمه في حرية التعبير، وتكوين الجمعيات. وهذا يشمل مصادرة أرقام قياسية من الصحف بسبب أي إشارة انتقاد. وفي أحدث هجوم على المجتمع المدني أُغلق مركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة في 24 يونيو وهو واحد من آخر المجموعات النسوية المستقلة. وعلى الرغم من الوعود بإطلاق سراح كافة “المعتقلين السياسيين”، تستمر الاعتقالات التعسفية كما لاحظت منظمة هيومن رايتس ووتش. وفي حين يواصل النظام قصفه العشوائي في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وصف تقرير حديث لمنظمة العفو الدولية القصف المكثف بجرائم حرب.
وفي خاتمة المطاف فالدليل الصارخ على الإخفاق الكلي للمشروع الحضاري هو فقدان النظام لشرعيته الأخلاقية والدينية في نظر بعض المنشقين عن الحركة الإسلامية ممن كانوا بين مهندسي المشروع القدامي ووهبوه حياتهم. وعلى الرغم من إضمحلال هذا المشروع، ما تزال الدعاية له مستمرة حتى يومنا هذا في مناهج التعليم العام في السودان وفي وسائل الإعلام الحكومية، بالتعليمات البيروقراطية وقوة الدفع الذاتي. وقد توصلت الجماعات السلفية والجماعات الإسلامية المتطرفة التي يتسامح معها النظام في حين يقدم، للمفارقة، التقارير عن أنشطتها إلى وكالات الاستخبارات عبر أنحاء العالم. فالنظام الذي يستمر في ترويع مجتمعات بأكملها في بلده عمل بجد ليكسب صفة الحليف الموثوق به في الحرب ضد الإرهاب الدولي، وما هذا إلا سلاح آخر في كنانته.
10يوليو 2014.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*