الرئيسية / أخبار / د.حيدر ابراهيم علي : السودان… ربع قرن خارج التاريخ

د.حيدر ابراهيم علي : السودان… ربع قرن خارج التاريخ

Sudan voices

جاء إنقلاب الإسلاميين السودانيين في 30/6/1989، في اللحظة التاريخية الخاطئة تماماً. فقد كانت البشرية تدشن عصراً خالياً من النظم الشمولية، والديكتاتوريات، وتزامن الإنقلاب مع سقوط نظم الحزب الواحد في الكتلة الشرقية وانهيار حائط برلين، وما يحمل ذلك من رمزية. وأجمع المجتمع الدولي على إدانة الاستيلاء على السلطة بالقوة بخاصة أنه قام ضد نظام ديموقراطي منتخب.

لكن الإنقلاب الجديد قدم مبرراته للخروج من المأزق. فقد قدم نفسه، بعد فترة تقية قصيرة، مشروعاً حضارياً إسلامياً في القرن العشرين ولديه أجوبة جديدة وأصيلة معاً عن الأسئلة التي عجزت الحضارة الغربية عن مواجهتها رغم تقدمها المادي. وكانت مرجعيته كتابات الشيخ حسن الترابي في التجديد الديني، والتي عالجت قضايا الديموقراطية والشورى والمرأة والأقليات من غير المسلمين والفنون…الخ. وبهذا حاول الإنقلابيون رفض تصنيفهم كنظام عسكري، وبشروا بعودة الإسلام الأول، وبأن يكون مسرح تجربتهم العالم وليس السودان فقط. وهذا سبب محاولة الترابي تأسيس أممية إسلامية تحت مسمى «المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي» مطلع 1991. وكان من أسباب استمرارية النظام الوليد، السند الخارجي القوي الذي منحته الحركة الإسلامية العالمية لإخوان الخرطوم، بخاصة في مجالي الإعلام والمال.

لكن التحدي الأول الذي واجه النظام الإسلاموي هو: هل يستطيع الإسلامويون وقد وصلوا الى السلطة أن يحكموا ديموقراطياً؟ فالتجربة السودانية كشفت عن فقر الفكر السياسي الإسلامي المعاصر الذي خلت أدبياته من أي مساهمة فكرية قد تساعد النظام الجديد. واضطر الإسلامويون في بحثهم عن النظام المناسب إلى التجربة والخطأ، بدءاً بالمؤتمرات الشعبية على الطريقة الليبية وصولاً الى تعددية حزبية يضبطها جهاز الأمن. وقد أدخلوا أثناء بحثهم عن نظام سياسي خاص نموذجاً للفاشية الدينية كانت غريبة على الواقع تمثلت في بيوت الأشباح وممارسة التعذيب مما لم يعرفه السودانيون حتى في أشد مراحل صراعهم السياسي. وأصبح جهاز الأمن الحاكم الفعلي وليس المساعد للدولة، فقد منح صلاحيات مطلقة تعطيه حق تعطيل دستور النظام نفسه. وكانت تجربة الإسلامويين الأمنية خلال ربع قرن بعيدة من الأخلاق السودانية والقيم الإسلامية. ولذلك وجدت الرفض والإدانة باستمرار.

لكن النظام الفاقد الشرعية يصر اليوم على الجلوس على الرماح نفسها التي أوصلته الى السلطة قبل 25 عاماً. وقد سببت تجربة الحكم الإسلامي في السودان حرجاً بالغاً للحركات الإسلامية في البلدان المجاورة بعد «الربيع» العربي. وكان الإخوان المسلمون في مصر وحزب النهضة التونسي يرفضان أي مقارنة مع النموذج السوداني. ويتجلى فشل الإسلامويين في حكم السودان في الانشقاقات التي ضربت الحركة الإسلامية. كما يظهر في المراجعات التي طاولت كل ثوابتهم. وتموج الحركة الإسلاموية الآن بعدد من الأجنحة وأصحاب المذكرات والكتّاب الأفراد ذوي الانتماء الإسلامي السابق. وقد وصل الأمر ببعض العناصر التاريخية في الحركة أن كتبوا عن زملائهم: «إنهم يسيئون للإسلام باسم الإسلام». ويعيش الإسلامويون السودانيون، في السلطة وخارجها، دوامة تيه وحيرة فكرية وأخلاقية أيضاً، لا يحسدون عليها. فقد رأوا «الطوبى» الإسلامية التي وعدوا بها، تقدم نموذجاً للفساد الشرعي الذي لا يواجهه عقاب قانوني أو رادع أخلاقي أو ديني.

ويتهرب دعاة الدولة الإسلامية من الإعتراف بالفشل، ويرددون قولاً ساذجاً: «هذا ليس الإسلام الصحيح!». وهنا لا بد من أن يسألهم الفطن: «لماذا ضنّ علينا الإسلامويون بالإسلام الصحيح ولم يجربوه فينا، وهل يخزنونه لزمن قادم؟». وكان الفشل الآخر للحكم الإسلاموي في تعاملهم مع غير المسلمين في الدولة الإسلامية. فكان اختبار معالجة قضية جنوب السودان فرصة لتقديم نموذج لكيفية التعامل مع الآخر المختلف دينياً. فهل تستطيع الدولة الاسلامية منح غير المسلمين حق المواطنة الكاملة أم تصر على تمييزهم حسب العقيدة الدينية؟

كانت «الجبهة الإسلامية القومية» (اسم الإخوان في السودان) قبل استيلائها على السلطة، تقدم في برامجها الانتخابية وعوداً وردية لمعاملة الجنوبيين حين تحكم. ولكن قبل أن يكمل الإسلامويون عامهم الأول في السلطة، أعلنوا الجهاد المقدس على الجنوبيين، وصرنا نرى «عُرس الشهيد» ونسمع بتزويج «شهداء» الجنوب ببنات الحور في الجنة. وبعد كل التضحيات والفقد من الجانبين، قرر الإسلامويون فصل الجنوب لأنه يقف عقبة في سبيل سودان «نقي إسلامياً»، كما صرح الرئيس البشير بعيد إعلان الإنفصال. وهكذا تسبب الإسلامويون في تقسيم السودان وتحقيق الحلم الاستعماري والصهيوني التاريخي لأنه حين اصطدمت العقيدة الدينية، وفق فهمهم، بحقوق المواطنة لم يتعبوا أنفسهم بأي اجتهاد فقهي بل قرروا الحل الأسهل: فصل الجنوب. وفي هذا درس لكل الدول العربية ذات الإقليات غير المسلمة، بأن الإسلام السياسي ليست لديه أية رؤية لاستيعاب غير المسلمين كمواطنين كاملي الحقوق داخل دولتهم الموعودة.

ويعتبر الاقتصاد المظهر الثالث لفشل المشروع الإسلامي. فقد ثبت أن ما سمي بـ «الاقتصاد الإسلامي» مجرد شعار فارغ ليس لديه أي مضمون اجتماعي، وليس نظاماً ااقتصادياً اشتراكياً ولا رأسمالياً ولا خليطاً. وعلى رغم أن رائد فكرة الاقتصاد الإسلامي، الدكتور النجار، أنكر الفكرة، أصر الإنقلابيون على أنهم يطبقون اقتصاداً إسلامياً. وكل ما في الأمر منع التعامل الربوي الصريح وإلباسه أقنعة دينية تستخدم الحيل الفقهية لتمرير القروض والمعاملات الربوية. لقد اقتصر اقتصادهم الإسلامي على المضاربات المالية والعقارية وبيع الأراضي. ولا يسمح المجال بتفاصيل الأداء الاقتصادي، ويكفي أن البلد الذي كان مرشحاً ليكون سلة غذاء المنطقة باتت تضربه المجاعات موسمياً وصار متلقياً ثابتاً للمعونات الغذائية من منظمة الغذاء العالمي ومن الشيطان الأكبر- الولايات المتحدة.

والغريب أن قيم الانتاج والعدالة الاجتماعية غابت عن تجربة الاقتصاد الإسلامي في السودان. وعانت كل محاولات المشاريع الكبرى الفشل بسبب انتشار الفساد والتسيب في التعامل مع المال العام الذي يعتبرونه مال الله، وهم يحكمون باسمه تعالى، فغابت المحاسبة والمراقبة وضاعت مليارات الجنيهات في مشروعي «النفرة الزراعية» ثم «الثورة الزراعية» ولم يحاسب أحد.

ومن القضايا الاجتماعية المهمة التي فشلت دولة المشروع الحضاري في التعامل معها، على رغم الحديث الكثير والمنمق عنها، قضية المرأة. فقد فرض النظام الحجاب بطريقة ناعمة، إذ لم يصدر قراراً أو قانوناً بفرضه، ولكن لا يتم توظيف غير المحجبات في الوظائف العامة مثلاً! ومن أخطر مظاهر اضطهاد الإسلامويين للمرأة سن قانون «النظام العام» والذي يسمح بالجلد علناً بسبب الملابس والزي. ويستخدم النظام ديكور وجود نساء في البرلمان والوزارة، هن أكثر رجعية ومحافظة من أغلب الرجال المتعصبين. ويكفي أن الاكثرية من المؤيدات المتحمسات لتعدد الزوجات! لقد عانى الشعب السوداني كثيراً تحت الحكم الإسلاموي وصار المرء يتساءل فلسفياً: هل الإنسان السوداني حيّ أم موجود؟ فقد تعمد النظام حيونة الواقع لمنع الوعي والمعارضة. وصار المواطن يلهث طوال يومه من أجل لقمة عيش صارت صعبة ومغموسة بكثير من المذلة والشقاء.

وفي النهاية لا يجد الإنسان السوداني فراغاً لقراءة صحيفة أو مشاهدة التلفزيون. لقد افتدى الشعب السوداني الشعوب العربية، لكن الغريب أن بعض هذه الشعوب لا يزال يصر على أن يجرب، ومن جرب المجرب حلت عليه الندامة.

    د. حيدر ابراهيم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*