الرئيسية / مقالات / حسن وراق: دفّار المحاكم اللعين !!

حسن وراق: دفّار المحاكم اللعين !!

Sudan voices

حسن وراق 

@ يصبح الحديث عن تجربة الأيام الخمس في سجن أم درمان مبتورا ما لم يتعرض لوسيلة النقل الوحيدة للمحكومين وللمنتظرين المعروفة بدفار المحاكم أو دفار الهيئة القضائية، وهو أول فصل من فصول رواية مصادرة الحرية ويعرف وسط النزلاء بالدفار اللعين لأنه لا يمت للانسانية بأي علاقة و حتي تصميمه اقتبس من شاحنة نقل الأحصنة (الخيل) للاسطبلات إلا أن دفار المحاكم تم تصميمه على شكل أن من بداخله مخلوقات متوحشة وخطرة على المجتمع، ولذلك تم إحكام اغلاقهم في صاج من الحديد في أعلاه عند السقف فتحة للتهوية بعرض 10 سنتيمترات من شبك السكسبندة بطول قفص الدفار الذي توجد به كنبتان وشماعتان حتى يسع لأكثر من 100 شخص يتنفسون من أنوف بعضهم بعضا على الرغم من أن سعته القصوى لا يفترض أن تتعدي (30) شخص فقط.

دفار المحاكم أصبح أول مؤشر إتهام يوجه لانتهاك حقوق الانسان في السودان البلد الذي تتراوح فيه درجات الحرارة معدلات لا تحتمل ولم يتم تصميمه بطريقة تحترم آدمية من يتم نقلهم به حيث أفردت مساحة لمقعدين أكثر راحة وتهوية وبانوراما للحراسة في مؤخرة مدخل الدفار (اللعين)، الذي لا علاقة لحركة سيره بالعربات والشاحنات التي استنسخ منها لأنه يتقافز في سيره مثل الكنجارو ويتمايل ذات الشمال وذات اليمين كفرامة الملوخية ومن بداخله صاروا كشرائح سمك الساردين يتصبب عرقهم ويتناثر على الملابس المعطونة، ورائحة العرق لا يمكن تجاوزها لأنها الوحيدة التي تملأ الدفار غير الروائح الاخرى مكتومة الأصوات وجميع الروائح كأنها جيفة (مدفوسة) وسط ركاب الدفار. لا حول ولا قوة إلا بالله لا يمكن أن ترفع يدك لتسد بها أنفك أو تخرط ما لصق بوجهك من عرق لأنه وببساطة لا توجد مساحة للحركة ولا حتى للسكون .

لا أدري لماذا تجاهلت منظمات المجتمع المدني ولجان حقوق الانسان دفار الموت هذا وهو ابلغ دليل لاضطهاد الانسان لأخيه الانسان وعدم الاعتراف بآدميته ومن رأى ليس كمن سمع. بعد إعلان الحكم في الثامنة والنصف صباحا وهو موعد جلسة اصدار القرار انتظرنا حتى حوالي الرابعة عصراً في انتظار دفار الموت الذي اختتم جولته المكوكية بمحكمة جرائم المعلوماتية الصحافة والمطبوعات، التي جاءها الدفار منهك ومرهق بعدجولة شملت أربع محاكم هي النظام العام والاوسط ومحكمة الأراضي ومحكمة الامتداد وكنت مع زميلي أشرف آخر محكومين يقلهما دفار الموت الذي يحمل أمة من البشر لا أحد يعرف خط سير الدفار لأن الجميع أشبه بمن في باطن زنزانة ولا سبيل الى احتمال الموقف غير الخروج بذهنك بعيدا عن بطن دفار الموت، الذي أرحم منه بطن الحوت .

لا حديث داخل السجن إلا عن دفار الموت وهو قطعة من جهنم تمر فيه الساعات على مهل وكأنها أيام وكل نزيل في السجن تنتظره جلسات في المحاكم يقتله الهم عندما يتذكر أنه على موعد مع زنقة دفار الموت اللعين ويتمنى في قرارة نفسه أن يقبض الله روحه قبل أن يركب الدفار الذي يقله الي دائرة محكمته. الحكاوى لا تتوقف عن الدفار وحوادثه و العدوى التي ينقلها والأمراض التي اصبحت مرتبطة بدفار الموت وكيف أن الدفار إنقلب ذات مرة قبل وصوله للسجن وتعرض ركابه لإصابات متفاوتة بعد تعذر إنقاذهم هذا غير تعرض البعض لانزلاقات قضروفية أدت الى اصابتهم بعاهات مستديمة. الدفار يتبع الى ادارة المحاكم التي تحصد المليارات من رسوم وغرامات أولى بها توفير عربات نقل النزلاء تحترم آدميتهم وحقهم في الحياة لأنهم من دفع تلك الغرامات والرسوم ومن هنا نناشد كل لجان حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني المعنية أن تضع دفار المحاكم في قمة انتهاكات حقوق الانسان في السودان ولابد من إبدال الدفارات الراهنة بعربات نقل محترمة تتوفر فيها أبسط وسائل النقل الآدمي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*