الرئيسية / مقالات / السياسة السودانية ومرض النجومية الطفولي عند المثقفين

السياسة السودانية ومرض النجومية الطفولي عند المثقفين

Sudan voices
د. محمود شعراني

بلغة السياسة تعني الإنتهازية إهتبال الفرص العاجلة دون النظر إلى غايات آجلة ، وعادة ما يضحي الإنتهازي بالمصالح العامة في سبيل تحقيق مصالحه الشخصية الضيقة فهو في العادة لا يخشى الوغى حين يكون مدار هذا الوغى هو القتال في جبهة التغيير الإجتماعي ، وهو إن خاضه فإنه لا يعف عن عند المغنم على النقيض تماماً من موقف عنترة بن شداد حين قال :-
ينبيك من شهد الوقيعة أنني * أغشى الوغى وأعف عند المغنم
فالإنتهازي صاحب عقيدة تعبوية تقف عند حد النضال من أجل تحقيق هدف شخصي لا جماعي ، وقد يأخذ هذا النضال عدة أشكال مرتبطة بالهدف الشخصي كما هو الحال مع أفراد المليشيات المرتزقة. وفي الحقل السياسي فأن الإنتهازية ترتبط إرتباطاً عضوياً بالنجومية (STARTDOM) وإحراز التفوق الشخصي حتى وإن كان ذلك على حساب المصالح العامة .. ومن كان هذا ديدنه فإن الغاية عنده تبرر الوسيلة .. وللأسف فإن النزعة نحو النجومية هي أمر يتفشى في أوساط المثقفين اليوم ، وهو أمر ليس بالجديدولكنه قد تفاقم في خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة حتى أخذ شكل الظاهرة (PHENOMENON) وخاصة فى أوساط المثقفين الذين تستهويهم مادة (ساس يسوس).
وتاريخياً ينقسم المثقفون إلى قسمين : قسم استدرجته القوى الحزبية الطائفية فقَبل أن يعمل موظفاً عندها في مقابل المنصب والشهرة حتى إن جرّ ذلك إلى الإزدراء بالمصلحة الوطنية العليا وإهمالها. والقسم الثاني من المثقفين إستهوته الأنظمة المدنية المرتبطة إرتباطاً عضوياً بالطائفية ، فإنساق وراء العسكر موظفاً لكل مواهبه في التخريج السياسي والتبرير للأنظمة الشمولية متخذاً موقفاً براجماتياً دون الوقوف على أرضية فكرية منهجية ، فكانت تلك براجماتية غير حميدة من ذلك النوع الذي وصفه وليام جيمس بقوله: (( يكون الإنسان في الغالب مجبراً على إتخاذ القرار حينما يعوزه الأساس النظري الفكري المناسب)).
وهذا يعني بالضرورة أن كلا النوعين من المثقفين إنما إنطلقا في تعاملهما مع الشأن السياسي العام من منطلقات غير فكرية وإنما هي منطلقات ذاتية ومصلحية ضيقة مما أدى عبر تاريخنا السياسي إلى ممارسة السياسة بلا فكر وبلا منهجية وبلا برامج وذلك لأن الذاتي هنا يتغلب على الموضوعي فتكون النتيجة هي الأثرة لا الإيثار والطموح الشخصي ، ولقد أعطتنا التجربة السياسية السودانية الحديثة نموذجاً ثالثاً للمثقف الثالث المغرم بأليات المفكر والعالم مثل أصحاب السنديكالية والرعوية والإنعتاق البلوري للثورة الواعدة .
والتعبير بلسان الحال ولسان المقال عن عقدة التفوق (SUPERIORITY COMPLEX) والتى ما هي في التحليل النهائي إلا مرضاً طفولياً يعبر عن عقدة نفسية أخرى هي عقدة الشعور بالنقص (INFERIORITY COMPLEX)، وكما يرى عالم النفس (ألفريد آدلر ) : (( فإن كلاً من عقدة النقص وعقدة التفوق متلازمتان وحيثما نجد عقدة للتفوق نجد وراءها عقدة للنقص)). ويجب أن يكون في الإعتبار أن كلمة (عقدة) الملحقة بالحالتين (النقص والتفوق ) إنما تمثل حالة من المبالغة في الإحساس بالنقص والشغف الشديد بالتفوق. إذن فالتناقض الظاهري بين الحالتين ليس حقيقياً ، وهكذا ومن الناحية العلمية فإن كلتا الحالتين توجدان في الشخص الواحد. والشغف بالتفوق والنجومية لا يقف عند هذا الحد بل هو يشكل نفسية وعقلية الفرد ، ونحن حينما نلاحظ الأطفال الكسالى غير النشيطين ونرى عندهم عدم الإهتمام بأي شئ ، فالذي يخطر لنا أن مثل هؤلاء الأطفال خاملون وجامدون ولكن وعلى الرغم من كل هذا نجد عند هؤلاء الأطفال الرغبة الأكيدة في التفوق. ونحن نشاهد أن الأطفال الذين يعانون من عقدة التفوق قد يمارسون نشاط السرقة وهم يؤمنون أنهم يخدعون الآخرين ويأخذونهم من غفلاتهم، وهكذا يشعر أمثال هؤلاء الأطفال أنهم قد أصبحو ( مميزين) أكثر من غيرهم وبمجهود قليل . وهذا هو نفس الشعور الذى ينتاب المثقفين والإنتهازيين الذين يظنون أنهم أبطال في جبهة التغيير الإجتماعي ، وهم دائماً ما يريدون الظهور بمظهر العظمة غير المتوفرة حقيقة في شخوصهم ، ولا يهتمون في سبيل هذا الظهور بمصالح الآخرين، وهكذا هم يفقدون ما يمكن أن يسمى بحاسة التفاعل الجمعي (COMMUNAL SENSE ) .. ويبدو أن هذه نزعة من نزعات الطبيعة الإنسانية التى توضح أن الأفراد (أطفالاً وبالغين) حينما يشعرون بالضعف والنقص فإن إهتماماتهم بقضايا المجتمع وأحواله تتوقف ولكن تتولد في المقابل لديهم الرغبة الشديدة في التفوق الشخصي بدون أن يتم مزج ذلك بالمصلحة الإجتماعية ، وقد تبدو أحيانا عقدة التفوق غير ظاهرة وملحوظة في الفرد ولكنها مع ذلك تبقى كآلية للتعويض عن الشعور بالنقص.
وبسبب هذه العقدة النفسية إغتربت نخبة من المثقفين عن مشكلات حياتنا وجنحت نحو التعلق بالنجومية والمطامع الخاصة رغم طلاء الوطنية الظاهري الذي يحاول عن طريقه المثقفون (بزعمهم) إخفاء حقائق نفوسهم وتوجهاتها وانتقل محور السلوك عندهم من النضج إلى الطفولية ، فتراهم وقد تصدرت صورهم صفحات الصحف اليومية ، وغالباً ما تظهر الصورة وقد وضع صاحبها سبابته على صدغه على طريقة (أحمد شوقي بك) كما يقول صديقنا البروفيسر فاروق محمد ابراهيم . وهم يكتبون فيما يعرفون وفيما لايعرفون، والنماذج كثيرة ولكننى سأكتفي بالتعرض لنموذجين ( دون ذكر أسماء) وذلك لإرتباط تناولهما الكتابي بالمصلحة الإجتماعية والتوعية الشعبية التى أهملها المثقفون منذ فجر الحركة الوطنية ، وقد كان هذا واجبهم الأول تجاه مواطنيهم وأهلهم الذين أنفقوا الغالي والنفيس فى سبيل تعليمهم حتى حاز بعضهم أعلى الدرجات الأكاديمية ولكن وكما يقول المثل الشعبي السائد فإن (( القلم ما بيزيل بلم)).
واول نموذج هو لكاتب يطل كل يوم على قراء الصحف بصوره وقلمه الذي سبق وأن كتب به رسالة للدكتوراة يبدو أنها من النوع الذي لا يزيل البلم ولا يشفى السقم. فقد كتب هذا الكاتب مرة وهو ينتقدني شخصياً لأننى قد قمت في زمن ليس بالبعيد برفع دعوى قضائية ضد جعفر نميري لإنتهاكه لحقوقي الشخصية، وثم للدعوى الدستورية التى رفعتها ضد رئيس الجمهورية الحالي لإسباغه العفو على جعفر نميري ، بحيث لم تحظى دعواي بالنظر القضائي – وقد قال وقتها ذلك الكاتب واصفا أياي بقوله (( ديل ناس قريعتي راحت)) .. فتأمل _ عزيز القارئ – وقتها مثل هذا الفهم السقيم للأشياء ممن يدعون أنهم من المثقفين ومن نجوم المجتمع . وثم أنظر إلى مثل هذا التزييف والتعتيم والتغبيش لوعي الشعب والمواطن البسيط الذى يقع على عاتق (المثقفين) – وأنا أضعهم دائما بين قوسين – مسئولية توعيته بحقوقه الأساسية بحيث يدرك هذا المواطن العادي أن مطالبته بحقوقه لا ينبغي أن تصنف وتوضع تحت خانة ( ناس قريعي راحت) حيث أن مثل هذه المطالبة إنما تتضمن إلى جانب نشر الوعي بالحقوق ، المطالبة والمنادة بمساواة كل الناس أمام القانون ويستوي في ذلك الحاكم والمحكوم . أما الذى ضاعت (قريعته) فهو مثل هذا ( المثقف) الذى لم يستطع قلمه أن يزيل شيئا من (بلمه) ، فكان كالذى أعطى الآيات فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض وهو يطلب نجوم السماء.
أما النموذج الثاني فهو مثقف يدعي أنه من (المنظِّرين ) بكسر الظاء، وهو في الحقيقة من (المنظرين) بفتح الظاء – من الذين يضلون الناس بأفعالهم وأقلامهم إلى يوم يبعثون ، تسويقاً للشمولية وتغبيشاً لوعي الجماهير طلباً لنجومية زائفة لا تعبر إلا عن عقد نفسيه كما أسلفت القول .. وقد علق هذا (المثقف) في عموده الصحفي اليومي مشنعاً على بعض المحامين السودانيين من الذين إستجابوا لدعوة الإنضمام لهيئة الدفاع عن الرئيس العراقي صدام حسين برفع الدعاوى في هذا الخصوص ضد الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية للتجاوز الذي تم في العراق من قبل هاتين الدولتين فيما يخص إتفاقات (جنيف) والشرعية الدولية . ولقد فسر الكاتب موقف أولئك المحامين تفسيراً سياسياً ضيقاً وظن أنهم إنما يدافعون عن نظام سياسي ويتبنون موقفاً سياسياً بعينه ، بينما يدرك طلاب السنة الأولى في كليات القانون أن حق الدفاع عن أي متهم هو حق إنساني تكفله له القوانين المكتوبة وغير المكتوبة وتنص عليه العهود والمواثيق الدولية ، وإن هذا هو الذي دفع بمحامين أمريكان وأوروبيين للإنضمام لهيئة ا لدفاع عن صدام حسين. ولو قرأ مثل هذا (المثقف) التاريخ الإسلامي و اطلع على موقف الخليفة عمر بن الخطاب من قاتل شقيقه وقد جاءه يطلب حقاً … فقال عمر (( والله إني لا أحبك حتى تحب الأرض الدم)) فقال الإعرابي ( ( أو يمنعك هذا من إعطائي حقي ؟)) فقال عمر ((لا..)) فقال الإعرابي (( إنما تأسى على الحب النساء)). لو قرأ مثل هذا (المثقف) هذه الرواية التاريخية وقرأها معه (المثقف) السابق ذكره ، إذاّ لأدركا أنهما يتخلفان عن عصر هذا الإعرابي بنحو أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان !!
وخلاصة القول أن أمثال هؤلاء (المثقفين) من أصحاب النجومية الزائفة إنما يقفون حجر عثرة أمام التوعية الشعبية والتنوير الإجتماعي وهم اصحاب مصلحة خفية في إبقاء الشعب على جهله وقلة وعيه. وهم في نهاية المطاف ليسوا سوى نسخ مكررة من نسخ تاريخية سابقة ، وهم من تلك الطبقة التي يصدق في حقها قول أبى جعفر المنصور في بيته الشهير :
كلهم يطلب صيدْ * غير عمرو بن عبيد
فليتحرر هؤلاء من قيود النفسية ومصالحهم الذاتية وذلك لأن مفهوم الثقافة له إرتباط لا ينفك بالأخلاق، فالمثقف الحر هو الذي يفكر كما يريد ويقول كما يفكر ويعمل كما يفكر ويقول ويتحمل مسئولية كل ذلك ، تماماً كما فعل الشهيد محمود محمد طه الذي قال في المثقف (الأمثل) أنه ذلك الذي يفكر كما يريد ويقول كما يفكر ويعمل كما يقول ثم لا تكون نتيجة عمله إلا البر بالأحياء والأشياء … وفى هذا المقام فان تعبير البر بالاحياء والاشياء والذى افترعه الاستاذ محمود انما يحدد لدى التحليل الاخير الهوية الاسلامية فيجعلها هوية انسانية كونية وفق منهجية تحتم اتباع احسن ما انزل فى القران من احكام ومبادئ تستوعب قضايا العصر وتلاحظ روحة وفق القاعدة القرانية ..واتبعوا احسن ماانزل اليكم من ربكم ….وعليه فينبغي ان تنعكس هذة الرؤية فى الدستور المرتقب فتكون الدولة السودانية دولة مدنية ولا يشترط ان يكون رئيسها مسلما لان الاغلبية مسلمة اذ ليس فى الفقة الدستورى الحديث او العرف مايسمى بدستور الاغلبية وذلك لان الدستور الديمقراطى تضعة الاغلبية ولكن تشارك فى وضعه معها الاقليه لانه يعبر عن تطلعات الجميع الذين يمثلون الشعب صاحب السيادة.كذلك ينبغى ادراج وثيقة الحقوق الاساسية فى صلب الدستور القومى وكذلك تدرج فى دستور الولايات .كذلك فانه لابد من خلق الالية التى تستقبل شكاوى الانتهاكات فى الافراد والجماعات ويمكن تسميتها باللجنة القومية لحقوق الانسان والتى تقوم باجراء التحريات واحالة الشكاوى للمحكمة المختصة وهذا انما يمثل مجهودا عمليا يحول كل ضمانات الحقوق الاساسية الى واقع ملموس ويجب ان تاتى اللجنة القومية بالانتخاب.
ان كل هذا الذى المحنا الية دون تفصيل يقتضى بالضرورة ان ينص الدستور المرتقب على انشاء المنابر الحرة فى كل ولايات السودان كاداة للتوعية الجماهيرية ذلك ان الشعب مالم تتم له التوعية بحقوقة فلن يستطيع اختيار حكامه وذلك ان الشعب الان يقع بين براثن السلطة الدينية المتهوسة والمتخلفة وبين سندان المتهافتين على الحداثة من المنحازين دون وعى لتجلياتها فى الغرب .
د.محمودشعرانى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*