الرئيسية / فنون وثقافة / أزمنة الإنفلات والتمرد: في سيرة عبدالله بولا

أزمنة الإنفلات والتمرد: في سيرة عبدالله بولا

Sudan voices

سانديوس كودي ‏* 

منذ بواكيره كان عبدالله بولا – **وهو فنان تشكيلي ومفكر سوداني – متفرداً وذو نزعة فطرية للانفلات من أي قيد جماعي، لربما كان لظروف نشأته دوراً كبيراً في تنمية ميوله الانفتاحية، فهو ابن عامل السكة حديد الذي تنقل عبر اغلب مدن السودان دون أن يمنعه هذا من الاحتفاظ بمنزل الأسرة بقوز رجب ببربر، والذي استقر به بعد تقاعده، نشأ بولا في بربر متعددة الثقافات، وفي جو أسري خالي من العنف، هذا بحسب ما حكى عنه معارفة وزملاءه واصدقاءه بجلسة نقاش تمت بشأنه ببيت التراث بمركز الفحيل الثقافي بالخرطوم “2”، اللقاء الذي حضره لفيف من المهتمين بالتشكيل من زملاء عبدالله بولا بكلية الفنون الجميلة وبعض طلابه. قال زميل عمل معه في مدرسة حنتوب أن حنتوب كانت مكان عبقري به إدارة تربوية نوعية ومهنية تهيئ بيئة ملائمة لاخراج طلاب عباقرة بمستوى وعي عالي، وفي وسط هذا الزخم أتي بولا إليها معلماً، هو لم يكن مشاكساً بقدرما كان متمرداً على النظم وقوانين المؤسسات الغارقة في الجمود، عندما تم قبوله بحنتوب معلماً للفنون. اتي إليها ولم يقم حتى بتسليم خطاب نقله لمدير المدرسة بل إنه أول ما دلف إلى فناء المدرسة سأل الطلاب عن مكان المسرح ثم توجه إليه، وأخذ آلة الاكورديون وبدأ بالعزف على مسامع الطلاب، مما أثار حيرتهم واعجابهم فاحتشدوا حول هذا الغريب المجنون، وحين سألوه عن اسمه أجابهم مؤكداً لهم أنه معلم الفنون الجديد، فاطلق عليه الطلاب لقب بيكاسو الذي اشتهر به في حنتوب طوال فتره عمله.
كانت حنتوب مسرحاً لنشاط سياسي وثفافي دائم، فوجد بولا وضعاً ملائماً لنشاطه واضعاً بصمته بين طلابه بحركته الدؤوبة، تعرف بولا- كما قال احد زملاءه في اللقاء – بمجموعة من طلاب حنتوب ذوو النزعة الثورية والتمردية العالية، فسماهم بالبلاشفة تيمنا بالثورة البلشفية، ويحكي زميله أن بعض هولاء الطلاب جاءو إليه يوماً وقالوا له أنهم يرغبون في حضور مؤتمر للطلاب في ود مدني، ويخشون أن لا يعطيهم أولياء الفصول إذنا فطلبوا منه أن يتوسط لديها فطلب منهم أن يسجلوا اسماءهم ومشرفوا فصولهم في ورقة، وما أن خرجوا ألقى بالورقة في القمامة، وعندما عاد الطلاب من المؤتمر تمت مساءلتهم فأجابوا بانهم استاذنوا من استاذ الفنون فتم تأنيبهم “تسمعوا كلام استاذ الفنون المجنون دا؟” وتم جلد كل واحد منهم عشر جلدات. جاءوا إلى بولا بعد ذلك يلومونه على ما اعتبروه غشا منه، فأجابهم بسخرية: “إنتوا مش البلاشفة وعاوزين تغيرو المجتمع؟ طيب ما قادريت تستحملو عشرة سيطان؟ قوموا امشوا يلا.”
زملاء دراسته حكوا أن بولا كان متمرداً على قيود المؤسسة منذ أن كان طالباً، فكان خلاقاً ومتفرداً بريشته، يرسم بجنون لا يوافق اطار المنهج في أغلب الأحيان، فتمنع رسومه من العرض، فلم تعرض له لوحات في معارض الكلية اثناء الدراسة إلا في المعرض الأخير الذي سبق تخرجه من المعهد، لافتراض إدارة المعهد أنها تعارض الذوق العام، كان عبد الله بولا مؤمناً بأن كل شخص يملك مشروع يخصه، واسئلة ملحة خاصة به، وأن العلاقة بين الأستاذ وتلميذه يخلقها تقاطع مشروعيهما، هذا ما جعله في خلاف دائم مع كل المؤسسات التعليمية التى عمل بها فعيب هذه المؤسسات هو أنها تقدم أجوبة معلبة لاسئلة لا تشغل بال الطلاب، وكان بولا يرفض اسلوب التلقين هذا.
يحكي عنه أيضاً حسن موسى، الفنان التشكيلي والمفكر المعروف، أن أحد أساتذة بولا في المعهد طلب منهم حين كانوا طلاباً أن يقوموا بجلب أشياء من الكوشة لإخراج قطع فنية منها أسوة بما كان يفعل بيكاسو، وكان بولا معترضاً على هذه الفكرة، أو أنها لم ترقه بصورة شخصية، فتماطل في تنفيذ الأمر، فلما ألح الأستاذ ذهب بولا إلى أقرب (كوشة) ووجد جثة متعفنة لبقرة، فقام بربطها وسحبها إلى الكلية، وحين راه مدير المعهد صرخ صرخة اهتزت لها أرجاء المعهد، ولا يمكن تفسير هذه الصرخة سوى أنها نوع من الضجر الناتج عن سوء فهم العملية التربوية، بمحاولة إجابة اسئلة غير مهمة للطلاب، وتناسي اسئلتهم الملحة، وهذا ما حاول بولا تفاديه حين أصبح معلماً لاحقاً. كان يعتبر الطالب عنده هو أساس العملية التعليمية، وكان مؤمناً بمقدرات طلابه الإبداعية، فأفرد لهم مساحات كبيرة، وكان يتقرب من طلابه لدرجة قادت إلى خلافه مع أغلب المؤسسات التعليمية التي عمل بها. فبعد سنين من عمله في حنتوب تم نقله للقضارف بعد تقديمه مع الطلاب مسرحية طلائع القندول والتى رأت إدارة المدرسة أنها تعمل على إشاعة روح التمرد وسط الطلاب، كما أنه أيضاً تم فصله من معهد الموسيقى والدراما مع عدد من الطلاب لعلاقته الجيدة بهم ووقوفه بجانبهم ضد إدارة الكلية، قال أحد الحاضرين – وهو أحد المفصولين حينها – أنهم سألوا بولا لاحقاً أنهم فصلوا لأنهم وصفوا بأنهم تطاولوا على الإدارة، وأنهم قليلي أدب؟ لكن ما سبب فصله هو فرد: “قالوا أنا بفشي أسرار مجلس الكلية، التقول اجتماع البنتاجون الامريكي!”
حكى الحضور عن أن فترة الستينات والسبعينات كان مليئة بالأحداث والتحولات الفكرية والسياسية، وكانت الفترة ما بعد ثورة 64 هي فترة تنامي رغبات وأحلام الطبقات الوسطى، وفي هذا الجو نشأ جيل بكامل وعيه الثوري، في خلال ضوء هذا السياق تم إنتاج نصوص ومقالات بولا كما حكى بعض الحضور، فمقالاته كما في مصرع الإنسان الممتاز تقوم على رافعة ايدلوجية تستند على رفض مطلق للظلم الإجتماعي والإستغلال الإقتصادي وكل اشكال الاستحواذ السياسي والثقافي، تزامنت هذه الحالة مع تبلور الحراكات المطلبية وتكوين النقابات، تلت هذه الفترة أحداث ما بعد العام 1971 حيث تميزت هذه الفترة بهجمة شرسة على قوى اليسار والقوى التقدمية، هذا السياق العام أنتج أعمال بولا.
تبارى الحضور وأصدقاء بولا في حكي لم يكن لينتهي لولا الزمن، وتمنى الجميع في ختام اللقاء شفاءه العاجل بعد ورود تطمينات من خلال اتصال بزوجته بأنه قدر بارح المشفى الذي يتعالج فيه بباريس. كانت ليلة احتفاء مستحقة بأحد الذين أثروا وأثّروا على الساحة الفكرية السودانية بشدة.

* كاتب سوداني

**عبد الله أحمد بشير (بولا ) هو مفكر وفنان تشكيلي سوداني، ولد عام 1943 وهو احد الذين اثَروا بشدة على حركة التشكيل بالسودان من خلال مساهماته الفكرية التي اثْرت سوح النقاش الثقافي منذ سبعينات القرن الماضي وهو خريج كلية الفنون الجميلة في العام 1967 ويعتبر بولا من رواد العصر الذي شهد نمو حركة وعي سوداني بالتشكيل ونشوء مدارس وحركات تشكيلية ذات طابع قومي وتولًد رؤى فكرية محلية خلقت بيئة نقاش وتناظر كان بولا احد المؤثرين فيها بمقالاته الثرية في شتى مجالات التثاقف ذات البعد القومي أو الإقليمي، نال بولا الماجستير بفرنسا في العام 1980 ثم نال الدكتوراه من جامعة السوربون في العام 1984.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*