الرئيسية / فنون وثقافة / الهند وتجربة التعايش السلمي

الهند وتجربة التعايش السلمي

Sudan voices

التعايش يضمن ضرورة الإقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوقهم وحرياتهم الأساسية

د . وداد محمود سعيد 
شأنه شأن العديد من المصطلحات الحديثة فقد استخدم مصطلح التعايش في سياقات مختلفة ومتعددة وارتبط بعدد من الحركات الاجتماعية والسياسية.

يعَّرف مفهوم (التعايش) بأنه: (الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثقافي ولأشكال التعبير والصفات الإنسانية المختلفة)، وهذا يتضح فيه ضرورة الإقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوقهم وحرياتهم الأساسية المعترف بها عالميا.

كما عرَّف مصطلح (التعايش السلمي) في أدبيات السياسة الدولية، على أنه (قيام تعاون بين دول العالم، على أساس من التفاهم وتبادل المصالح الاقتصادية والتجارية) حيث ظهر هذا المصطلح بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين متقاتلين.

يعتبر لينين أول من أطلق تعبير (التعايش السلمي) كمصطلح سياسي بوصفه سياسة الدولة للثورة، وكان يهدف إالى تغيير طبيعة الهجوم الشامل على الدول، وذلك باستبدال النزاعات والهجمات المباشرة على العالم غير الشيوعي بالاتفاقيات والمفاوضات، لذا فقد استعمل المفهوم لوصف مرحلة مؤقتة وكتكتيك لتخفيف الضغط.

أما غورباتشوف؛ فكان يري التعايش كعملية لاستمرار الصراع بين النظم الاجتماعية، ولكن بطرق سلمية، من دون حرب، ودون تدخل من جانب دولة واحدة في الشؤون الداخلية للأخرى، وتكون المنافسة بين النظامين في حقل سلمي.

ثم جاء التحول في المصطلح مع مؤتمر باندونغ 1955م, حيث استخدم مفهوم «تعايش»، بهدف خلق بيئة دولية أكثر سلمية، تقوم علي الاحترام المتبادل لسلامة الأراضي وسيادتها، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول حيال بعضها البعض، والمساواة، والمصالح المتبادلة.

وعلى الرغم من أن المصطلح ارتبط بالعلاقات الدولية، إلا أنه توسع بعد ذلك ليشمل العلاقات داخل الدول، وهذا الاهتمام فرضته حقيقة أن العديد من الدول تعاني من مشكلات داخلية كبيرة على أساس العرق والجنس والنوع مما جعل عملية تعزيز التعايش بين مختلف الشعوب والأعراق والجماعات الدينية والقبائل والهويات من أكبر تحديات العصر. فتحول الاهتمام السياسي والأكاديمي بدراسة نظريات ونماذج التعايش الاجتماعي والسياسي للاستفادة منها في مختلف المجتمعات.

النموذج الهندي للتعايش
الهند من الدول التي تتميز بتنوع فريد في السكان والأعراق واللغات ونجحت مع ذلك في المحافظة على وحدتها داخل هذا التنوع ما جعلها تمثل نموذجا للتسامح التعايش السلمي. فالهند تعتبر ثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وأول دولة في العالم من حيث عدد اللغات والأعراق فيها، الهندوسية تعد الديانة الأولي من حيث عدد معتنقيها حيث أن الهندوس يشكلون حوالي 80% إلى 82% من التركيبة العرقية للشعب الهندي. كما تعتبر ثاني أكبر الدول الإسلامية بعد إندونيسيا، وتبلغ نسبة المسلمين فيها 13.4% (أو أكثر وفقا لبعض المصادر الأخرى)، وأظهرت الدراسات البيانية أن المسلمين زادوا بنسبة 36% إلى 138 مليونا مؤخرا، والمسلمون جزء أساسي وفاعل في تركيبة المجتمع الهندي، وقدموا إسهامات هائلة في تاريخ الحضارة والفكر الإسلام. أما باقي الهنود فيتوزعون بين مسيحيين (2.34%) وسيخ (1.94%) وبوذيين (0.76%) إضافة إلى أقليّات دينيّة أخرى، وهم اليهود والزرادشتيّون والقاديانون والبهائيون.

في التسعينات نالت بعض الولايات في الهند حقها في الحكم الذاتي سلميا عبر المحكمة

وبالرغم من أن أكثر من 80% من السكان يدينون بالهندوسية إلا أنها لا تعد الديانة الرسمية للبلاد، فقد قامت جمهورية الهند بتبني العلمانية في الدستور الذي اقر في 1950م، ولكن علمانية الهند -إذا جاز التعبير- لها خاصية متفردة إذ لا تلغي الدين من الفضاء العام بقدر ما تخلق أنظمة وقوانين تسمح بالتعددية الدينية والثقافية لجميع الأديان والمعتقدات علي حد سواء دون تمييز أو تفضيل، فقد نصت الفقرة 295 من الدستور الهندي على “أن كل من يحاول بسوء نية وبقصد مبيت المس بالمشاعر الدينية لفئة من المواطنين سواء بالكلمة المكتوبة، أو المنطوقة، أو باستخدام علامات معينة، أو سب ومحاولة القيام بذلك سيكون تحت طائلة القانون الذي يعاقب إما بالسجن لمدة ثلاث سنوات على الإساءة للمشاعر الدينية، أو الغرامة، أو هما معاً”.

وهذا يعكس مدي حرص قادة الهند المؤسسين علي الوحدة والسيطرة على الصراعات التي حدثت بسبب العقيدة بعد مرحلة تقسيم شبه القارة الهندية إلى كيانين مستقلين: الهند وباكستان. وقبل التقسيم وبعده حدثت هجرة جماعية للمسلمين إلى باكستان، وأخرى للهندوس والسيخ إلى الهند؛ ما أدى إلى اقتلاع مجتمعات بأكملها من جذورها، وحصول دمار اقتصادي هائل، واندلاع عنف طائفي غير مسبوق.

وهذا الحرص والوعي يبدو جليا في وصف “نهرو” لديانة الهند وتأثيرها علي الحياة الثقافية” إن العبارة القديمة الشاملة للدلالة على الدين في الهند هي (اريادهارما) إلا أن (اريادهارما) تشير إلى ما هو أكثر من مجرد الدين, أنها تعني الجمع أو التوحيد, وقد شكلت جزءاً من الحياة والثقافة والفلسفة الهندية وأن النظر الى الثقافة الهندية بوصفها هندوسية يعتبر ضرباً من الأخطاء الجسيمة, وقد تأثرت الثقافة كثيراً بالعقائد الأخرى إلا أنها في كل الظروف بقيت هندية بصورة متميزة”. ففي كتابه (اكتشاف الهند) يري نهرو أن ظهور وتطور ديانة أكثر جموداً مع ما رافقها من مراسيم وطقوس أدى إلى أن تصبح العقيدة والفلسفة شيئاً أكثر وفي الوقت نفسه شيئاً أقل بكثير من تلك الثقافة أو الحضارة المركبة. فالمسيحي أو المسلم استطاع أن يتكيف مع القافية الهندية في حياته الثقافية مع بقائه في معتقده المسيحي أو الاسلامي، لقد استطاع يهنِّـد نفسه وأصبح هندياً دون أن يغير دينه”.

وأما على مستوى اللغات، فلا تقل الهند تنوعا. حيث أنها تعد أكثر من مائة لغة ولهجة، ومنها اللغة الرئيسيّة الكبرى المعروفة بالهنديّة الآريّة التي يتحدث بها 75٪ من الهنود، ويوجد حالياً ما يقارب 122 لغة رئيسيّة و 1599 لغات أخرى، وظهر هذا التعدّد في اللغات نتيجة الاتصال المتبادل بين كثير من الشعوب على مدى يزيد عن ثلاثة آلاف سنة، تم الاعتراف رسميا باثنين وعشرين منها في دستور البلاد.

كفل الدستور الهندي لأي مجموعة من المواطنين لهم لغة خاصة (أو كتابة أو ثقافة أو دين) الحق الكامل في حمايتها، كما نص علي “أنه لا يحق لأي حكم محلي استصدار قوانين تفرض ثقافة الأغلبية على الأقلية التي تعيش تحت سيادته”، وجعل من أهم مسئوليات الحكم الفيدرالي توفير كل التسهيلات اللازمة للحكومات المحلية لتوفير التعليم لأبناء الأقليات الثقافية بلغتهم الام في المستوي الابتدائي.

هذا إضافة إلي توفير إطارا يحمي الأقليات من أشكال التمييز التي يمكن أن يتعرضوا لها كما يكفل لهم حرية إنشاء وإدارة المؤسسات التربوية والهيئات اللازمة لحماية مقوماتها الثقافية.

وفي أواخر التسعينات شعرت بعض الأقليات في الولايات المحلية بالتمييز تجاهها فلجأت إلي المحكمة الدستورية العليا طلبا للحكم الذاتي، فصدرت أحكاما لصالحها وأنشئت ثلاث حكومات محلية جديدة عام 2000م، هي حكومات: تشاتيسجار (Chhatisgarh)، وجهارخاند (Jharkhand)، وأوتارانشال (Uttaranchal)، مما يدل على مرونة الحكم الفيدرالي وقدرته على استيعاب الصور الحديثة للتنوع الثقافي في الهند.

يشكك بعض الباحثين حول مصداقية التعايش السلمي في الهند باعتبار أن أهم قائدين تاريخيين للهند؛ راحا ضحية اغتيالات عرقية؛ فالمهاتما غاندي، قائد حركة استقلال الهند، اغتيل على يد هندوسي متعصب في يناير/كانون الثاني 1948م؛ لتسامحه تجاه المسلمين ودعوته لاحترام حقوق الأقلية المسلمة، واغتيلت كذلك أنديرا غاندي رئيسة الوزراء، على يد سيخي متطرف في أكتوبر/تشرين الأول 1984م، انتقامًا لرد الدولة العنيف تجاه حركة العصيان السيخية واقتحام معبدهم الذهبي في أمريستار، فيما يرى بعض المحللين أن التزام حزب المؤتمر، المهيمن تاريخياً، بنظام سياسي علماني، تغير في أعقاب فترة الطوارئ (عام 1977م فصاعداً). ففي أثناء هذه الفترة الأخيرة سعت أنديرا غاندي، وفيما بعدها ابنها راجيف، إلى استقطاب خطاب القومية الهندوسية باعتباره أساساً للحشد الشعبي، حيث استغلت قضية الخوف من انفصال الأقليات وأخذت تنجذب إلى هوية دينية من أجل حشد الدعم ضمن المصوتين الهندوس، وقد كانت هناك تبعات لهذ التحول، حيث اعتبرت عملية اغتيال السيدة غاندي إحدى هذه الآثار.

البعض يرى أنه وعلى الرغم من الجذور التاريخية للتوتر الطائفي بين المسلمين والهندوس في شبه القارة الهندية، فإن كلتا الطائفتين حافظتا على نمط من التعايش بينهما، وإن سماه البعض “التعايش السلبي”؛ باعتبار أن الطرفين لم يدخلا في صراع طائفي ممتد أفقيًا أو زمنيًا، ومع ذلك ما زالت هناك “هوة نفسية” بينهما أسهم فيها مجموعة من العوامل، أهمها: سياسات الاستعمار البريطاني، والإرث التاريخي المتمثل في آلام انشطار شبه القارة الهندية إلى بلدين على أسس دينية، وتداعيات الهجرة الجماعية والمتبادلة فيما بين حدود البلدين.

ولكن رغم كل هذا هنالك حقيقة يفرضها واقع الحال في الهند، وهي ما عبر عنها جواهر لال نهرو، حين قال في خطاب وجهه لوزراء الحكومات المحلية: “إن التنوع في المجتمع الهندي هائل وبديهي، وهذا التنوع يمكن مشاهدته في كل ما حولنا، ولكنه موجود أيضا حتى على مستوى الملامح وعلى مستوى طرق التفكير. ورغم كل هذا التنوع الهائل، لا يمكن أن نخطئ في كوننا دولة موحدة”.

  • حوار بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*