الرئيسية / مقالات / ما بعد النظام.. البنية “السايكوسوسيولجية” واعادة تدوير التاريخ

ما بعد النظام.. البنية “السايكوسوسيولجية” واعادة تدوير التاريخ

Sudan voices

بقلم د.أمل الكردفاني  

اولا يجب ان أؤكد ان سقوط النظام صار مسألة زمن فقط ، ربما سنة او سنتين اخريين على اقصى تقدير وسينهار ، ومع ذلك فهذه ليست هي القضية الكبرى ، فالقضية الكبرى هي ان ما سيحدث ايضا هو البدء في انفصال اقاليم السودان الرئيسية عن بعضها البعض وخاصة الاقاليم المشتعلة كدارفور والنيل الازرق ، فهذه الاقاليم لن تهدأ لمجرد سقوط النظام بل ربما تزداد اشتعالا فمسرحي الدعم السريع سيتفرقوا الى مليشيات وستتصادم مع باقي المليشيات وسينتج عن ذلك اتفاق غير مكتوب بالاكتفاء بعمليات سلب ونهب. والنيل الازرق ستنفصل بهدوء او بقليل من الشغب ،، وستتبعها باقي الاقاليم ، هذا امر حتمي ولن تكون هناك اي حلول اخرى ، وسوف يسطو الجيش مرة اخرى على الحكم في اقليم الشمال النيلي ، وسوف تمارس نفس المقاومة وربما يكون انهيار الحكم العسكري سريعا تتبعه حكومات شبه ديموقراطية (لاحظ ان السودان حكمته اشباه ديموقراطيات وليس ديموقراطيات حقيقية) ، فالديموقراطية تتعارض تماما مع المكون السايكولوجي لدى الفرد السوداني ، لاحظ ان الدكتاتورية والاقصاء ممارس حتى في ابسط العلاقات والتفاعلات في المجتمع السوداني ، فاضافة الى ان الانسان السوداني نادرا ما يشعر بالذنب الاخلاقي او ربما ينعدم لديه هذا الشعور ، فان عمليات الاقصاء وما يواكبها من استحواذ هي عملية مستمرة دائرية ، حتى في الصحف الالكترونية هناك تمييز واقصاء ، وحتى على مستوى طابور الخبز او ترشيحات الوظيفة العامة ، او امامة الصلاة ، فكل شيء مبني على فكرتين متواكبتين (الاقصاء والاستحواذ) ، فلنبحث داخل اي منظومة اجتماعية او ادارية او سياسية سنجد انها مؤسسة على قيادة دكتاتورية وقاعدة تنتظر الفرصة وتقتات على الفتات ، لاحظ ان الهندي عز الدين اخفي لقاءه مع صلاح قوش لأنه كان خارج السلطة ثم اعلن لقاءه حينما صار قوش داخل السلطة ، هل هذا شيء مستغرب؟ بالعكس ، لا نستطيع ان نؤاخذ الهندي على نمط تفكري ثابت لدى الانسان السوداني ، حتى ان الانسان عندنا لا يتم مدحه الا بعد الموت ، فمدحه وهو حي يعني امكانية ان تسلط عليه الاضواء . ان الاجيال القديمة منذ الاستقلال وحتى جيلنا الحالي عاشت بذات المفاهيم النفساجتماعية هذه ، لا اعرف ان كانت الاجيال الجديدة قد ورثت ذات التأصيل السايكوسوسيولوجي هذا ام لا ، واتمنى الا يكون هذا قد حدث ، ان الانسان السوداني انسان حالم دائما ولكنه حالم لنفسه فقط ، حينما يحلم بالديموقراطية يحلم بها لأن لديه اعتقاد بأنه سيستفيد منها هو نفسه اما بمنصب او مال ، هناك طبقة كاملة تمارس خديعة ضد الطبقات المسحوقة وهي انها تفرش لهم المستقبل بالورود ، وتصور لهم الديموقراطية وكأنها انبثاق لكائن من الهيولى يغدق على الطبقات البائسة المن والسلوى ، لاحظ ان كل من هم يصيحون ويرفعون بعقيرتهم منادين المسحوقين باسم الديموقراطية هم يوما ما اما تحالفوا ضدها او انقلبوا عليها او شاركوا في الدكتاتورية بشكل او بآخر ، لقد بكى قوش حين خاف من الاعتقال وعاد الان ليبكي الاخرين ، ان القصة قصة صراع فردي في جوهرها وليست قضية صراع مبادئ ، فالحقيقة ان المبادئ لا يتمسك بها الا المسحوقون او من اسماهم الشيوعيون (بالمغفل النافع) ، لن تستمر اي ديموقراطية في السودان لأن البناء السايكوسوسيولوجي غير متوفر ، ولن تستمر اي دكتاتورية لأن البناء السايكوسوسيولوجي للدكتاتور المستنير غير متوفر ، وهذا ليس فقط ثيمة سودانية بل متوفر حتى في دول اخرى كتشاد مثلا ، وكدولة جنوب السودان . وهناك سبب واحد انتج هذا النمط وهو انعدام اي رابط اقتصادي أوثقافي بين هذه الشعوب بل كان رابطها اساسا رابطا استعماريا بالدرجة الاولى ، ولذلك فان الصدام بين الطبيعة والصناعة ينتج هزيمة نكراء لكل ما هو صناعي . فالطبيعة اقوى من اي دستور او قانون.. ولذلك في بعض الاحيان قد يتمكن عرف ما من فرض تعديل على القانون او حتى تجاهل هذا القانون لمصلحة العرف. فلنلاحظ كم عدد الدساتير التي تمت كتابتها منذ الاستقلال سواء دائمة او مؤقتة ولماذا سقطت او اسقطت ، ان كتابة دستور محترم ليس شيئا يحتاج لمجهود خرافي ، ان اي طفل في زماننا هذا يستطيع ان يكتب دستورا محترما بمجرد القيام بقراءات مقارنة بسيطة للدساتير حول العالم في قوقل ، فالقضية ليست كتابة دستور ولا قانون ، لكن البنية السايكوسوسيولوجية التي تتأسس عليها الدساتير والقوانين غير متوفرة لدينا ، ان كل مواطن سوداني يفضل ان ينتهك القانون ليقفز بالزانة على الآخرين ، ان الاستعداد لدفع رشوة لموظف عام لاختصار الوقت والجهد شعور مستبطن بوفرة بالغة لدى كل انسان سوداني مهما صاح مستنكرا لنفس هذا السلوك حتى لو كان إمام جامع. ان هذه البنية المفقودة هي التي قوضت جميع الدساتير او مشروعات الدساتير ، وليس لأن الدساتير سيئة ، فحتى دستور 2005 م من افضل الدساتير التي لم تتوفر للكثير من الدول العربية والافريقية ، ولكن مالذي حدث؟ لقد بدأ النظام نفسه في خرق الدستور بل كان هو اول من خرق ما كتبه بيديه ، ليس هذا فحسب بل بلغ انعدام البنية السايكوسوسيولوجية حد المجاهرة بتعديل الدستور لاعادة ترشيح الرئيس ، ولازالت الترقيعات التي مارستها بدرية سليمان والبرلمان تلقي بثقلها على الشعوب السودانية . ولكن هل هذا بدعة .. لا .. فلنعد بالوراء الى تعيين السيد الصادق المهدي في مقتبل مشواره السياسي وسنجد هذا الخرق للدستور والقانون .
ان الحالمين بدولة ديموقراطية في الواقع هم البسطاء ، لكن الرموز السياسية التي توسوس للبسطاء بذلك هي وحدها التي تعرف حقيقة ذلك الوهم … وقد آن الاوان لأن نكشف ذلك للمسحوقين ، رغم ان هذه الرموز لن تقبل بأن تنجلي ابصار الاغلبية المطحونة على رؤية حقيقتهم المريرة…..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*