الرئيسية / مقالات / العمال الزراعيون سكان الكنابي بالمشاريع الزراعية المروية بالسودان الإشكالات وآفاق الحلول

العمال الزراعيون سكان الكنابي بالمشاريع الزراعية المروية بالسودان الإشكالات وآفاق الحلول

Sudan voices
إعداد. محمد علي احمد (مهلة)
مقدمة :
عند انشاء اول المشاريع الزراعية المروية بواسطة الادارة الاستعمارية البريطانية ،بغرض توفير القطن لمصانع النسيج في بربطانيا،مشروع الجزيرة عام (1925م) وامتداد المناقل عام (1958م) والذي تقدر مساحته بـ 2 مليون و 200 ألف فدان. واجه المشروع نقص حاد في العمالة نتيجةللزيادة المطردة للرقعة الزراعية وتنوع المحاصيل من قطن وذرة ثم اللوبيا والفلسبارا والقمح والفول السوداني ،ونفور مجتمعات المنطقة من عمليات الزراعة المجهدة وهي مجتمعات رعوية بالاساس.تم سد نقص العمالة ،بتشجيع واستقدام عمالة من اقاليم غرب السودان من كردفان ودارفور ومجموعات امتداد الحزام السوداني القديم ، من ممالك وداي وكانم وسكتو حيث كانت هذه المجموعات منتشرة بالبلاد. فهم اغلبيات من مجموعات التاما والبرقو والهوسا والمراريت والارنقا والفور والزغاوة وغيرهم من المجموعات وبعدها استمرت هجرات مجموعات العمال لمشروع الجزيرة ،وبقية المشاريع الزراعية الاخري كمشاريع ، حلفا الجديدة(1963م) والرهد الزراعي(1977م ) والسوكي الزراعي(1970) بسبب توفر فرص العمل ، وغياب مشاريع التنمية في اقاليمهم ،وموجات الجفاف التي ضربت تلك الاقاليم.
فواجهت هذه المجموعات واقع لا انساني قاهر ،يتعلق بسكن الكنابي الا انساني وغياب الخدمات من مياه شرب صحية وكهرباء ومدارس ومرافق صحية ،اشكال وشروط العمل غير العادلة ، وحق المواطنة المنتقص بخطاب التغريب والدمغ بالاجنبية الذي تعرض له البعض ،واهمال الحكومات لوضعيتهم اللا انسانية ،وغياب قضيتهم عن العقل السياسي المسيطر ، داخل برامج الاحزاب السياسية.
،فسكنوا في أطراف القرى وحول قنوات الري من الكنارات و الترع، وفي البراقين ، وحول مصارف المياه باللقلد، فأصبحوا يقومون بأساس العملية الإنتاجية من بداية الزراعة ونظافة الحشائش وعمليات الحصاد.
العمال الزراعيون فئة لا تملك أرض زراعية تعمل في الأراضي الزراعية المملكة ملك منفعة من الدولة لفئة المزارعون ، حيث يعمل العمال الزراعيون بنظامي (الشراكة أو الإيجار) في علاقة مع الطرف الأخر وهو المزارع. فالشراكة والإيجار هي علاقة العمل الأرسخ مع وجود علاقات بالعمل بأجر مثل اليومية والقوال في سوق العمل الزراعي بالمشروع.
ففي نظام الشراكة:
يقوم العمال الزراعيون بكل العماليات الفلاحية للأرض من زراعة ونظافة حشائش وحصاد ومن ثم يقومون بقسمة المحصود الإنتاجي بالنصف أو الثلث مع المزراع مع العلم بتقاسم العمال الزراعيون والمزارعون تكلفة تحضر الأرض والضرائب المفروضة من الدولة.
أما نظام الإيجار:
ففيه يقوم العمال الزراعيون بتأجير الأرض من المزارع لموسم زراعي واحد وللعامل الزراعي حق الانتفاع بكامل محصول الموسم.
يغيب العمال الزراعيون عن العلاقات الإدارية والقانونية الموجودة بين الأطراف التي تدير المشروع (الحكومة – إدارة مشروع الجزيرة – المزارعون). لذلك لا يأتيهم عائد من ارباح المشروع في شكل خدمات او غيره ، كما لاتوجد صيغ قانونية تلزم إدارات المشروع بواجباتها تجاههم ، من ارشاد وتوعية زراعية ، وهذه الوضعية حرمتهم من صيغ التمويل من البنوك كالبنك الزراعي وبنك المزارع ، وايضا غير ممثلين في مجلس الادارة للمشروع . هذا مقارنة مع فئة المزارعون الفئة المنتظمة ، ذات الربط الاداري والقانوني ،والتي لها جسمها النقابي ، ولها امكانية تمويل بنكي ، ولها حق علي ادارات المشروع.
أغلب العمال الزراعيون يسكنون – الكنابي- وهي عبارة عن مساكن على أطراف قنوات الري (الكنارات – الترع) أو حول مصارف المياه في اللقد والبراقين وفي أطراف القرى. فالكنابي تكون على مساحات ضيقة جداً وأماكنها لا تصلح لأن يكون بها سكن لائق مستقر.
تعاني الكنابي من غياب مصادر مياه الشرب الصحية فلا توجد صهاريج للمياه ولا توجد مراكز صحية للعلاج ولا مدارس للتعليم.
على الصعيد الاجتماعي تعاني مجتمعات العمال الزراعيون في الكنابي من العزلة الاجتماعية، فنتيجة لكثرة النزاعات الفردية والجماعية حول اراضي السكن والخدمات والاستفزازات العنصرية تحدث صدامات بعضها دامي ، مع مجتمعات المزارعين ،من عرب الجزيرة ،كأحداث قري وادي شعير ، محمد زين وودحلام ،وغيرها من الاحداث الفردية المؤسفة ، طوال فترات عمر المشروع.
تعاني مجتمعات الكنابي من تدني نسب التعليم فالواقع الاجتماعي الاقتصادي الضاغط ،الذي يجعل من جميع افراد الاسرة تكدح لتوفير متطلبات الحياة احد اهم الاسباب التي تعوق ابناء عمال الكنابي من مواصلة تعليمهم وتكملته الي الجامعي ،اضافة الي بعض المفاهيم الثقافية التي تقلل من اهمية التعليم المدرسي .لذلك تجد عشرات الكنابي ، لا يوجد خريجين من جامعات.
، وغياب الوعي الصحي مثل كيفية التعامل السليم مع الأسمدة والمبيدات المنتشرة في المشروع. ادي الي انتشار امراض السرطانات ، والفشل الكلوي ،فزادت نسب تردد مجتمعات العمال علي مستشفي الذرة والمستشفي الصيني بود مدني.
تقدر عدد الكنابي باكثر من ـ 1400 كنبو يقطنها ما يقارب مليوني نسمة ، بمشروع الجزيرة وامتداد المناقل هذا غير عدد الكنابي ونسبة سكانها ببقية المشاريع الزراعية المروية الاخري ،كمشروع السوكي -الرهد- وحلفا الزراعي
الوضع الاقتصادي لمجتمعات العمال الزراعيين تدهور مع تدهور المشاريع الزراعية ، فغلاء عملية الايجار (الدوقنتي) للارض الزراعية وعدم جدوي عملية (الشراكة) ,وتدني اجرة القوال واليوميات فاصبح العائد من هذه العمليات لا يلبي طموح الاجيال الجديدة من ابناء العمال الزراعيين التي تسعي لواقع افضل ، فاختار الشباب الهجرة خارج البلاد ، والبعض توجه الي مناطق التعدين الاهلي للذهب ، وآخرون اصبحوا رصيد للعمالة الهامشية في المدن. مما ترتب علي هذا التحول واقع جديد ، جعل أعباء العملية الزراعية تقع علي عاتق كبار السن والمرأة والاطفال الطلاب ، هذا الواقع قلل من فرص مواصلة الطلاب لتعليمهم ، وهي مجتمعات اساسا تعاني من تدني نسب التعليم وخاصة تعليم البنات.
بالرغم من هذا الواقع القاهر ، الا ان مجتمعات العمال الزراعيين اثبتت انها مجتمعات ،قوية الارادة ، واجهت واقع الاقصاء بقوة ، واخططت لنفسها مسار تتطور خارج سياق دعم الدولة. وفي السنوات الاخيرة ، خاضت كفاح نيل حقوقها ،
وبدأت في معالجة قضايا السكن والخدمات عبر الجهد الذاتي ،حيث استطاع البعض شراء اراضي سكنية بحر مالهم ، وحولوها الي قري ،واخرين حولوا كنابيهم التي علي اطراف القري الي احياء تتبع لتلك القري. او لقري منفصلة ، والاكثرية مازالت في البحث عن حلول لوضعية كنابيهم.
في العام 2005 كان هنالك برنامج لحكومة ولاية الجزيرة لمعالجة قضية سكن الكنابي ، يعرف بمشروع السكن الاضطراري ،كانت خطته ان يبدأ بمحلية الحصاحيصا فتم فتح مكاتب بوحداتها الادارية ،وتم تحصيل رسوم استمارات من مواطني الكنابي فدفعوا ملايين الجنيهات ، لكن المشروع توقف واغلقت مكاتبه وضاعت اموال مواطني الكنابي التي دفعت.
اول مبادرات الاجسام المنظمة هي ل تنظيم مؤتمر الكنابي الذي تم تأسيسه بالقاهرة في مارس 2013 ، وصاغ اعضاءه بالداخل مذكرة احتجاج تطالب بانصاف مواطني الكنابي ، ذيلت بنسخة الي رئاسة الجمهورية ووالي الجزيرة ومعتمدي المحليات بالجزيرة.
وثاني المبادرات ل مبادرة مجتمعات العمال الزراعيون للحقوق والتنمية (CIALRD ) فبراير 2016
بهدف طرح القضية لتضمن كاحدي القضايا الوطنية ،واجراء دراسات لقضايا العمال الزراعيين وبناء قدرات الشباب للمساهمة في تنمية مجتمعاتهم.

آفاق الحلول لقضايا العمال الزراعيين
تبدأ ،بالمعرفة الحقيقية للواقع وتعقيداته ،والتغيرات الديمغرافية التي تمت بمناطق المشاريع الزراعية المروية والتركيبة السكانية الجديدة ، الماثلة الآن ، وكيفية انصاف العمال الزراعيين ،وتحقيق التعايش المستدام بين المكونات المتواجدة في هذه المشاريع. وادراك اهمية البحوث والدراسات في التخطيط للمستقبل ،.
ودعم مبادرات مجتمعات العمال الزراعيين.
وتجدر الاهمية لضرورة افق سياسي يتجذر فيه مفهوم المواطنه ، ويكون التخطيط التنموي اولي اهتماماته. خصوصا واقع الفئات الريفية غير المنتظمة ، كفئات العمال الزراعيين.
لأن واقع قضايا العمال الزراعيين معقد ،متراكم ومهمل تاريخيا فالحلول والمعالجات ليست بالامر الساهل ، فهي تحتاج لنهج جديد من تكثيف الضغط علي الحكومة ، وان تدير مجتمعات عمال الكنابي ومجتمعات المزارعيين حوارات جادة ، لرفع سقف مشتركاتها والعمل لتغيير واقع الانقسام هذا.
فمثلا هناك مقترحات لمعالجة قضية السكن للكنابي تتمثل في
-استمرار جهود المعالجات التي انتظمت في بعض الكنابي ، والتي تتم عبر شراء اراضي عبر الجهد الذاتي ،ويتم تحويلها الي قري ، وتوجد نمازج كثيرة تمت بهذه الطريقة ، علي الرغم من ان بعضها واجه عقبات كبيرة تتعلق بتعنت بعض الجهات الرسمية والاهلية.
– مقترح ان يتم اقتطاع جزء من اراضي المشروع الزراعي ، وتحويلها الي قري لمواطني الكنابي لمعالجة وضعية السكن غير الانسانية هذه ، وان يتم ذلك بعد دراسات دقيقة تعالج كل الاثار المترتبة لهذا الخيار وبصورة عادلة.
او اي مقترح آخر يساعد في عملية معالجة قضية السكن.
اما قضية علاقات العمل من قوال ، وشراكة وايجار ، فاجتراح شكل صناديق تعاونية يساعد الاسر في عملية تمويل الشراكة او الايجار ، او اي تجمع منظم يتيح التعامل بشكل رسمي لكيفيات التمويل.
فمقترح ان يكون للعمال الزراعيين علاقة ربط اداري وقانوني مع ادارات المشروع الزراعي ، لتنظيم عملية الحقوق فهي مسألة صعبة ، لان العمال الزراعيين هم فعليا فئة غير منتظمة وغائبة عن العلاقات الادارية بين فئات المشروع (مزارعين – ادارات المشروع – الحكومة)
لكن مقترح ان يكون للعمال الزراعيين نصيب من سياسات ما بعد تغيير الوضع القائم الآن ، فبالامكان ان يتم تحويل جزء من العمال الزراعيين الي مزارعين بانشاء مشاريع جديدة ، او امتداد للمشاريع الحالية. وجزء اخر يتم استيعابة في المشاريع المرتبطة بعملية تحديث القطاع الزراعي بالسودان. وهذا ما اعنيه بتحقيق الافق السياسي والتنموي الجديد.
– وفي مجابهة مفهوم التغريب ، المستخدم للانتقاص من حق المواطنة لبعض المجتمعات ، فهذا يستوجب التصدي له بخطاب جديد ، لخلق وعي متجذر بمفهوم المواطنة ، وتقوية هذه المجتمعات عبر شبابها ومبادراته.(مؤتمر الكنابي ومبادرة مجتمعات العمال الزراعيين للحقوق والتنمية) .
واشجع ، ايضا دخول الفاعلين من مجتمعات العمال الزراعيين ، لتعزيز مسألة المشاركة السياسية ، وبحث الطرق والكيفية التي تضمن وجودهم البنيوي داخل قوي بناء الدولة السودانية بأسس عادلة.
فالتحليل والمقترحات الواردة في هذه الورقة ، هي اضاءات حول وضعية العمال الزراعيين بالمشاريع الزراعية المروية ، تحتاج لكثير من التحاور ، للوصول الي رؤي وبرامج منصفة ، تعالج الاشكالات وتضع اساس للاستقرار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*