الرئيسية / فنون وثقافة / لماذا لم يتحدث الفلاسفة عن العبودية؟

لماذا لم يتحدث الفلاسفة عن العبودية؟

Sudan voices

بقلم : د. كريس مينز *  

كان للظهور والانتشار السريع لظاهرة الرق والاتجار في البشر عبر الأطلسي، خلال القرن السادس عشر، دور كبير في تشكيل العالم الحديث. على المستوى المادي والفكري، حيث لا يزال صداها مستمر إلى يومنا هذا، لكن وبالعودة إلى المنح الدراسية المخصصة للفلسفة الحديثة، ستجد غيابا كبيرا أو ندرة في الدراسات التي تناولت العبودية في سياق تاريخ الفلسفة الحديثة وقد لا تجدها على الإطلاق.
أنا، ونتيجة لبعض التهم، أكاديمية متخصصة في فلسفة العصر الحديث، هذا ما يجعلني مهنيا أتحسس من الخوض في هذه الفترة، بل والحقيقة تقال إنها تزعجني. تناول المقال كان نتيجة عدد من التغريدات، المتسائلة عن الغياب الكبير لموضوع العبودية في المنح الدراسية، وتعليم الفلسفة الحديثة. هنا أصبحت جد مقتنعة بوُجود خَطب في هذه الحيثية.
خلال العقد المنصرم، من جانفي 2007 انتقالا إلى ديسمبر2016، فقط أكبر خمس مجلات قامت بنشر مقالات حول تاريخ بدايات الفلسفة الحديثة (دراسات أكسفورد لبدايات الفلسفة الحديثة، أرشيف تاريخ الفلسفة، المجلة البريطانية لتاريخ الفلسفة، مجلة تاريخ الفلسفة وكذا تاريخ الفلسفة الفصلية)، حيث تم نشر 990 مقالة أصلية مجمعة. من بين العدد السابق نجد فقط خمسة (0.5) تعتبر العبودية موضوعها الرئيسي، ولا أحد من هذه الخمسة، يتناولها مباشرة في علاقتها مع مرحلة بدايات الفلسفة الحديثة، أما العناوين فعنوانين “نيتشة وخطابه ضد العبودية الذهنية”، في حين أن عنوانين آخرين يتناولان أرسطو، أما المقالة الأخيرة تميل إلى فكرة التحرر لجون ستيوارت ميل خلال القرن التاسع عشر.
بالعودة لفترة القرن السابع والثامن عشر، الفلسفة في المستودعات الشعبية فيلبايبس (PhilPapers)، لا يوجد بها أي قسم متعلق “بالعبودية”. وللمقارنة فإن لديها أقسام فرعية مخصصة لأفكار كانط، على غرار ما يلزمك لتكون عبقريا (34 مدخل)، والأخلاقيات عند هيوم في (27 مدخل).
كما أن الغياب لا يقتصر على البحث، فمسار نموذج “الفلسفة الحديثة 101″ سوف يتعرض لمختلف التصورات المشككة، الأدبيات والعقود الاجتماعية، ورغم ذلك لم يتحدث نهائيا عن العبودية، حتى برغم تنوع وزيادة المناهج التي تتناولها الجمعية الفلسفية الأمريكية إلا أنها بقت قاصرة في هذا الجانب، حيث لم تتناول المناهج المدرجة تحت عنوان” تاريخ الفلسفة” موضوع العبودية، ويبرز الرق فقط مرتين في هذه المجموعة في مقرري الفلسفة الاجتماعية والسياسية.

لماذا يغيب موضوع العبودية في تاريخ الفلسفة الحديثة؟
كل هذا يمكن أن يكون صدفة، ففي نهاية المطاف، يكتب الباحثون حول اهتماماتهم وما يتحمسون له، أليس كذلك؟ ولا أحد مجبر على أن يبحث فى موضوع معين، لكن الفلاسفة ليسوا أغبياء، لأنهم مدربون للعودة إلى الوراء، والتفكر، وكان عليهم الانتباه حينما يقوم شغفهم بقيادة أعمالهم تدريجيا إلى الإغفال الجماعي.
ربما هنالك القليل للحديث عنه، مثل غياب المراجع والأدبيات، ليبقى السؤال هل حقا ناقش الفلاسفة في وقت مبكر من العصر الحديث الاستعباد؟
والإجابة هي نعم. هنالك عدد من الأسماء الكبيرة لفلاسفة نعرفهم ونحبهم قد فعلوا ذلك، حيث يُصِر جون لوك، في المقالة الثانية عن الحكومة (1690) على أن جميع الرجال طبيعيا “في حالة من الحرية الكاملة … والمساواة” وعليه فلا يمكن لأي أحد أن يبيع نفسه للعبودية من أجل الربح، حتى وإن رغبوا في ذلك، ويسارع البعض للاحتفال بالمنشورات المناهضة للرق، مثل ادعاء مونتيسكيو في 1748 بأن “حالة الرق في طبيعتها سيئة”.
إضافة إلى عدد من الأسماء غير المعروفة، مثل الشاعرة فيليس ويتلي (1753-1784)، وهي واحدة من أوائل المؤلفين الأفروأمريكيين، حيث تعتبر قصيدتها المنشورة “حول المجلوبين من افريقيا إلى أمريكا” تجسيدا لتجربتها الشخصية، وأيضا كوبنا أوتوبا كوجوانو (1757-1791)، ولد في غانا حاليا، أين نجا من الاختطاف واستغلاله في العمل القسري في مزارع السكر في غرينادا، وتتعرض مشاعره و أفكاره لفكرة الشر والأشرار الذين يحترفون الاستعباد و التجارة في الأعراق البشرية (1787)، حيث ينتقل خطوة بخطوة لإبراز كل محاولات “الأوروبيين البربريين المتوحشين” لشرعنة الرق، وطالب كوجوانو، بالواجب العالمي لتحرير المستعبدين: “وعليه فمن واجب الرجل الذي يتم سلبه بهذه الطريقة أن يتحرر من يد مستعبديه، كما هو الحال لأي مجتمع صادق من الرجال أن يتحرر أيضا من أيدي المارقة و الأشرار”، إضافة لما سبق يظهر لنا أولودا إكيانو (1746-1797)، الذي يرتبط وباهتمام بسردية حياته أو حياة غوستافوس فاسا، الإفريقي، و المنشورة عام 1789، والتي تتناول مجموعة من الاعتبارات حول الاسترقاق والكرامة والتمكين. الدكتور والفيلسوف أنطون ويلهلم أمو (1703-1750)، أصوله من أكسيم -غانا اليوم- تعاقد مع الجامعات الألمانية مثل جينا وهال. أمو نشر ضد العبودية، بالإضافة إلى الكتابة حول فلسفة العقل ومناهج الفلسفة، نتيجة تعرضه للعبودية مباشرة فأصبحت كتاباته من موقف السلطة المعرفة.
وكانت هنالك موجة من فيلسوفات أوروبيات يدافعن عن المرأة البيضاء، إذ تحدين المواقف الراسخة في المجتمع باعتبارها نوع من العبودية، “إذا كان كل الرجال ولدوا أحرارا، فكيف تولد جميع النساء عبيدا؟” وتستفسر ماري استيل، في بعض تأملاتها حول موضوع الزواج (1706). وتشكو جوديث ديريك، في مقال لها حول الجنسانية والأنثوية (1696) وتقول: “النساء، مثل الزنوج في مزارعنا الغربية، ولدن عبيدا، ويعشن سجينات كل حياتهن”، وقامت هؤلاء النساء البيض بالاستيلاء على صور من العبودية في المزارع الأفريقية الكاريبية وأسقطهن على ظروفهن الاجتماعية.
لا يجب أن تكون محرجا إن لم تسمع بأحد الأسماء التي تم استعراضها، فحتى العديد من المتخصصين في أقسام الفلسفة لن يكونوا قادرين على ذكر واحد من أعمالهم، وهو ما عبر عنه مايكل بيني، محرر من المجلة البريطانية لتاريخ الفلسفة، واعتبر هذا عرضًا من أعراض “آثار التقديس” والذي يكون ماكرا للغاية، لكنه يجعلنا في نفس الوقت ننسى عددًا من الشخصيات الهامة الأخرى وعددا من الأسئلة.
مع مواد كثيرة في الفلسفة الحديثة وفي وقت مبكر من الظاهرة، كيف تم تجاهل هذا الجانب أي العبودية في هذه الفترة؟ والجواب لأنه لا يتناسب مع كيفية تفكيرنا حول تاريخ العلوم الحديثة، حيث استعمل الكتاب الحداثيون في وقت مبكر عباءة العلم والفلسفة لتوفير “مبررات” لاستعباد الناس، هذه الحلقات تلطخ الصورة البكر لتراثنا، مع ذلك تاريخ الفلسفة في بعض الأحيان يتحول بسرعة قبيحة سريعة.
ويظهر الاسترقاق في عدد من الأشكال والثقافات، فمن البينيستي (penestae) في اليونانية القديمة، إلى الطبقة النبيلة في أوائل السلالات الكورية، وتجارة الرقيق في العهد العثماني، واستعباد الديون في أوروبا الحالية، تظهر التقديرات 45.8 مليون شخص يعيشون حاليا شكل من أشكال الاستعباد، وفقا لموقع globalslaveryindex.org. ومع ذلك، فإن الفترة الحديثة المبكرة جلبت تغيرا أساسيا ودائما في مفاهيم الاسترقاق.
وقد تمايزت المجتمعات دائما داخل المجموعات وخارجها. ومع ذلك، فإن العديد من المجتمعات اليونانية والعبرية والمسيحية في وقت مبكر مكنت الأفراد من الجماعات الاجتماعية من الهروب من وضعها الأدنى عن طريق الاعتناق (دينيا)، أو عن طريق استيعاب لممارسات المجموعة الاجتماعية المهيمنة. في اليونان القديمة، على سبيل المثال، ما يسمى بـ “البرابرة” (الناس الذين يظهر حديثهم في الأذن اليونانية مثل “بربربر”) يمكن استيعابهم من خلال تعلم الكلام والكتابة والعيش على الطريقة اليونانية.
في أوروبا بدأ هذا التغيير خلال القرن الخامس عشر، كما كتب روبرت دبليو سوسمان في أسطورة الأعراق، قدمت محاكم التفتيش الإسبانية، شكلا بيولوجيا جديدا من التمييز داخل وخارج المجموعة. وبدأت أسباب التمييز لا تشمل فقط الاعتقادات أو الممارسات أو الدين فحسب، بل تشمل أيضا الاعتبارات المتعلقة بالإثنية، بما في ذلك “نقاء الدم”. نشأت الفكرة أن هناك أنواع مختلفة بيولوجيا من الناس. وفي حين أن التمييز كان مدفوعا اقتصاديا وسياسيا، فإن الباحثين المحيطين بالنظرية العلمية أعاطوها مظهر التبرير.
وقد يبدو أن تحويل أحد أسباب التمييز ضد الآخر قد يكون طفيفا، ولكنه كان زلزاليا. يمكنك تغيير عاداتك، والمعتقدات، واللغة التي تتحدث بها. ولكن الأسباب البيولوجية، على أساس الدم، أزال هذا الخيار. في كلمات سوسمان: “الأقلية أو غزو الشعوب لا يمكن أن يغير هوياتهم. لا يستطيعون التحول أو الاندماج في المجتمع السائد”.
في القرون اللاحقة، مع الحماس المتزايد للمثقفين الأوروبيين، نجد أن هذه الأفكار الأساسية تتسع إلى افترائين، الأول يذهب إلى أن هناك أنواع متميزة من البشر. في بعض الأحيان يعبر عن الفكرة بكون جميع البشر يشتركون في أصل واحد باعتبارهم خلقوا من حواء وآدم (وجهة نظر تعرف باسم مونوجينيسيس)، نظرا لتأثيرات المناخ والعادات، تحولت مجموعات معينة من الناس من المثالية إلى “الانحطاط”. في بعض الأحيان كانت الفكرة هي أن كل الناس لا ينتمون في الواقع إلى نفس المصدر، ولكن بعضهم لديهم أصل مختلف (بوليجينيسيس).
اعتبارا لذلك كان التلفيق الثاني هرميًا يحدد أي من الأنواع البشرية هو أقرب إلى الإنسان المثالي، وقد اشتمل عددا من الأبعاد على غرار القدرة على التفكير، الحضارة، الجانب الأخلاقي، ومما لا يثير الدهشة أن الأوروبيين البيض الذين وضعوا هذا التسلسل الهرمي، قرروا أن يكونوا في القمة. في حين “أنواع” أخرى من الناس تحتل المرتبة الدنيا من هذا الترتيب الجامع لهم. كانط على سبيل المثال يقسم البشر إلى “الأبيض والأسود”، “سباق الهون بين المغول أو كالموك” و “الهندوسية أو الهندوستانية”، مشيرا عرضا في محاضراته حول الجغرافيا الفيزيائية أن “الإنسانية هي أعظم الكمال في سباق البيض “.
التسلسل الهرمي للأنواع البشرية تم اعتماد أفكاره باعتبارها ما بعد عقلانية، لإبراز كيف أساء الأوروبيين فهم السكان المحليين، الذين واجهوهم في حملاتهم الاستعمارية، والتي عبر عنها سوسمان: “على الرغم من أن هذه الممارسات التمييزية بدأت نتيجة لظروف اقتصادية وسياسية، فإن النظريات العلمية التي تبرر هذا النوع من العنصرية بدأت تظهر في إسبانيا والبرتغال في القرن الخامس عشر، وبعد اكتشاف أمريكا، تم توسيعها لتبرير العنصرية المماثلة تجاه الهنود الحمر، والآسيويين، وفي وقت لاحق، الأفارقة المستعبدين.”، حيث إذا لم يكن الأمريكيون الأصليون والأفارقة بشريين بالكامل، فليس من الخطأ إساءة معاملتهم واستغلال أجسادهم ومواردهم وكسر الروابط الأسرية والقضاء على تاريخهم الشخصي. اخترع الأوروبيون مفهوم العرق لتبرير الاسترقاق، واعتبروا ذلك علم.
قام الفيلسوف تشارلز ميلز بتصور هذه الأحداث الحديثة المبكرة على أنها تزوير “للعقد العنصري”، في كتابه عام 1997 الذي يحمل نفس العنوان. الاختلاف في “العقد الاجتماعي” المعروف، في هذا العقد العنصري الذي يتحدث عنه ميلز هو مجموعة من البشر، يعينون أنفسهم بكونهم “بيض” استنادا إلى معايير ظاهرية معينة اتفقوا على تصنيف بقية الأنواع البشرية “غير البيضاء”، حيث يتفقون على معاملة الأفراد البيض بكونهم أفراد كاملين، في حين البقية يندرجون في تصنيفات أقل منهم باعتبارهم “تابعين” وكذا مع “وضع أخلاقي رديء”. والعقد العنصري من وجهة النظر هذه هو اتفاق ضمني بين البيض لفائدة أصحاب البشرة البيضاء تفاضليا ينتج عنه استغلال الأجسام والأراضي والموارد والحرمان من الفرص الاجتماعية والاقتصادية لأولئك المصنفين بـ “غير البيض” وفق ما يمليه العقد باعتبارها” أشياء” تدخل ضمن سلطته.
فلاسفتنا المحببون لم يخترعوا هذه المراوغات الفكرية، لكن طوروا دسائسهم: إذ ساهم حماسهم المتحول عبر التاريخ بالتأكيد في ربط فكرة عقلانية الاسترقاق باعتبارها مبادئ محترمة فكريا.
وادعى لوك هابيلي، أن كل الأفراد قد ولدوا أحرار بالطبيعة، حيث ساهم في تأليف الدساتير الأساسية لمدينة كارولينا عام 1669، أين تنص المادة 110 على ما يلي:” كل رجل حر من كارولينا يجب عليه أم يملك القوة المطلقة والسلطة على عبده الزنجي، من رأيه إلى ديانته إلى الأبد” لأن أي خيار آخر من شأنه أن ينتهك حقوق ملكية المتعاقد.
كان ديفيد هيوم، والذي مازال متعلقًا بشكوكه حول الذات و السببية، من بين الأوائل الذي قبلوا نظرية الأصول المتعددة (polygenesis) ورأي أن الناس الملونون كانوا “في طبيعتهم أقل شئنا” من البيض، ويقول هيوم في بحثه حول “الطابع الوطني” (1748): ” لم يكن هنالك لأي أمة متحضرة من أي بشرة أخرى عدا البيض، ولا حتى أي فرد بارز سواء في العمل أو في المضاربة (…) ناهيك عن ذكر مستعمراتنا، وهنالك العبيد الزنجي المنتشرة في جميع انحاء أوروبا، الذين لم يكتشفوا نهائيا أعراض الإبداع: رغم ذلك الأفراد المنخفضون الأميون سوف يرتفعون تدريجيا بيننا ويميزون أنفسهم في كل مهنة.”
أشياء قليلة هي القادرة على تحطيم مكانة كانط، باعتباره واحد من أبرز المؤثرين في النظريات الأخلاقية في العصر الحديث، لكن كانط الذي كان يشتغل مع هيوم، أطلق أنثروبولوجيا عنصرية، حيث قبل بفكرة نظرية الأصول المتعددة (polygenesis)، معتبرا أن في الترتيب الهرمي لأنواع البشرية فقط الرجل الأبيض يمكنه الحصول على حرية الإرادة، والقدرات الأخلاقية والعقلية الكاملة، بأن يكونوا أشخاص مثاليين أو كاملين. كان للمساواة الأخلاقية لكانط تقييدا كميا للمجال، كونها تنطبق فقط على البيض. وقد ساهمت هذه الأفكار أن تصبح راسخة في تصنيف الإنسانية حتى عمق القرن العشرين. (عنصرية كانط العلنية نشاز، سمحت الآن في جذب بعض الاهتمام العلمي).
بعض “القامات” الحبيبة للعصر الحديث تشربت من أفكار التفوق العرقي للبيض لتتجلى في فلسفاتهم، مما منحها مصداقية فلسفية، ومن ثم المساهمة في الدعاية لها لقرون. إن الصمت المستمر عن الاستعباد في أوائل العصر الحديث يضر بالفلسفة، لأنه غير دقيق تاريخيا، حيث كتب الفلاسفة عن العبودية في ذلك الوقت، لكن عدد كبير من أعمالهم قد تم اهمالها، وعليه ففهمنا لفلسفة هذا العصر في أحسن الأحوال فهم محدود، انتقائي، ومخير، لهذه الاعتبارات الموضوع مؤلم.
يؤلم حتى على المستوى الابستمولوجي، إذ نفتقد للحجج، والرؤى، والبدائل وحتى الجانب المفاهيمي، وهذا لا يتعلق بمسألة ضبط المفاهيم أو الأسئلة على غرار ماهي العبودية، كيف تؤثر على الناس، كيف يتم تبريرها، لكنها ترتبط بعدد كبير من القضايا حول الحرية، الإنسانية، الديون، الملكية، ثنائية الجسد والعقل، القوة أو السلطة، هل من قبيل المصادفة أن سبينوزا، يجادل بأن البشر محتجزون في حالة من “العبودية” لمشاعرهم؟ هل يحدث أن هيوم، في تأريخه للعلاقة بين العاطفة والإرادة كتب: “لا يمكن أن يوجد العقل إلا باعتباره عبدا للعاطفة”؟ كلا الكاتبين أشارا إلى حالة يفتقر فيها كل واحد من (البشر، العقل) للحكم الذاتي، ويساعدهم الاستعباد على تصور ذلك. نحن قادرون على تفويت هذا عندما لا نعترف بكيفية تسلل موضوع الرق في الفكر الفلسفي في ذلك الوقت.
غالبا ما تتجلى الشخصية بشكل بارز في مناهج العصر الحديث، ويذهب ديكارت في أطروحاته حول المنهج والتأملات، أنه في حالة الشك المطلق، فإن الفرد الموسوم بالضمير “أنا” يملك بالمطلق وجوديته: كلما فكرت، أنا – فهي الكوجيتو الخاص به في مجموعه. بينما تظهر وظائف الكوجيتو وتتجلي كصيغة عالمية، يمكن تحقيقها من طرف الجميع، وهو ما اتهم فيه ميلز بكونه يعبر عن زاوية محدودة للغاية في معالجته لعدد من القضايا الفلسفية حول عدم يقينية الوجود الشخصي.
الشخص الذي يتم تجاهله وفق منهجية إنسانية، لاعتبارات نمطه أو شكله الخارجي قد يواجه مشاكل مختلفة جذريا، ويكتب ميلز:” إذا كان وجود اليومي مرتبط بالقمع، وعلاقات مفروضة عليك مع العالم، لن تعالج شكوكك بوجود ظالم لك، بل تستطيع أن تتحول لإشكال فلسفي، هذه الحيثية قد تبدو تافهة وتجميل للتمايز الاجتماعي”
بالنسبة للشخص الذي تتم معاملته باعتباره ليس بشر بل شيء متحرك، أرسطو أطلق على العبيد “أدوات حية”، جوهر المسألة الفلسفية أنه بدلا من إقناع الآخرين أنها شخص يتمتع بالعقلانية، والموقف الأخلاقي. الجزء الأكبر من أفكار ومشاعر كوجوانو كرست لهذا الغرض بالذات.
أنا لا يمكنني تجنب أفكار ميلز وهو يواجه بقية الفلاسفة، مثلي، الذين درسوا العصر الحديث. هؤلاء هم أبطالنا، وهذا عصرنا، إنه خطأنا إن فشلنا في التنظير له، لكن يبقى السؤال هل أخذنا التحدي لإصلاح ماسبق؟ بالكاد فعلنا من بين 2.629 استشهاد بنصوص ميلز (على غرار نص أوت 2017) قلما وجدناها ترتبط بالمنح الدراسية المقدمة لدراسة ديكارت أو حتى الفلسفة الحديثة عموما.
قلة من الفلاسفة الأبطال خلال القرنين السابع والثامن عشر تحدثوا ضد العبودية وفضحوها، اليوم عدد قليل من مؤرخي العصر الحديث يتحدثون عن العبودية على الإطلاق، يمكننا تسميتها “إهمالا مهنيا”، لست متأكدةً مما إذا كان الاستعباد هو المبدأ الصحيح لتنظيم مواجهة للحقائق الفلسفية ذات الصلة. مثلها مثل الإبادة الجماعية، أو الفقر، أو التحيز الجنسي، لا ينبغي لفكرة العبودية أن تتناول باعتبارها موضوع خفيف. كما أنها ليست مجرد ركن لبحوث أخرى، إن واقع الرق قبيح، ولا يزال الكثيرون يشعرون بوصمة شخصية فيما يتعلق بربطهم بالرق؛ إذ لم يتحقق جبر للأضرار بعد. وعليه يجب على الفلاسفة تجنب تعزيز فكرة “خيال الرق”، كما قال روكسان غاي عن شركة HBO بخصوص مخطط تاريخ الكونفدرالية الأمريكي للحرب الأهلية.
لكن بالنظر إلى أن العبودية هي حقيقة من حقائق العالم الحالي، هذه العنصرية الخبيثة التي تجلت في نسخة عصرية في وقتنا الحاضر، فإن أي فيلسوف مهتم بالحقيقة لابد عليه بطريقة أو بأخرى التعامل مع الموضوع، إذا التزمنا الصمت حول الحجج المبرهنة للعبودية، كما لم يحدث شيء، وباعتبارها نتاج لظرفية في مكان ما، على غرار الحملات التي يقودها الطلبة مثل ” لماذا مناهج الدراسة بيضاء” في جامعة كاليفورنيا، إنهاء الاستعمار في جامعة سواس، و”رودس يجب ان يسقط” في جامعة كيب تاون و أكسفورد، فالعديد من المناهج الدراسية في الجامعات هي مناهج بيضاء، وتمجد الاستعمار، و إذا ألقينا نظرة على بعض الشخصيات القيادية العليا البيضاء نجد كانط وهيوم باحترام أكثر المؤلفين الذين تتم مناقشة أعمالهم في المجلة البريطانية لعلم النفس الصحي (BJHP)، مابين 1993-2013، في حين تم تناسي العديد من الكتاب الذين حققوا في موضوع العبودية، (بما فيهم الرجال والنساء غير البيض، والنساء البيضاء) والتي تعبر رسالة ليست بالجميلة.
في الفيلم الوثائقي الأخير لراؤول بيك، أنا لست زنجيك، يقول جايمس بالدوين: “التاريخ ليس الماضي، بل إنه الحاضر” كيف سنكتب تاريخ الفلسفة باعتبارها الحاضر. لقد قمنا بانتقاء مواضيع معينة وحذفنا أخرى، والتي كان لها تأثيراها. لقد آن الأوان للفلاسفة أن يدرسوا العبودية في العصر الحديث. http://www.imdb.com/title/tt5804038/videoplayer/vi3997021721?ref_=tt_ov_vi

  • بروفيسور الفلسفة في جامعة يوتركت
  • الحكمة الثقافية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*