الرئيسية / أخبار / البشير يتحكم في الوضع الداخلي بالعزف على وتر الخطر الخارجي

البشير يتحكم في الوضع الداخلي بالعزف على وتر الخطر الخارجي

Sudan voices

العرب اللندنية 

  • أثبت النظام السوداني مجددا قدرة كبيرة على توجيه الرأي العام الداخلي، من خلال اللعب على وتر الخطر الخارجي، وبدا ذلك جليا في نجاحه في احتواء التحركات الاحتجاجية الأخيرة، من خلال إيهام الناس بوجود تهديدات عسكرية على الحدود الشرقية.

قوته مستمدة من ضعف الآخر

الخرطوم – تستمر دعوات المعارضة السودانية في حض المواطنين على الخروج إلى الشارع والتعبير عن رفضهم للإجراءات الاقتصادية الأخيرة، التي يقدمها النظام على أساس “إصلاحات” لا مفر منها، بيد أنه لا من مجيب في ظل سيطرة هاجس الأمن.

ونجح النظام السوداني في احتواء الحراك الشعبي الذي تفجر في بداية يناير ببعض المحافظات ومنع تمدده نحو مناطق أخرى، عبر تشديد القبضة الأمنية، وانتهاج سياسة تصعيدية مع دول الجوار توحي بأجواء حرب مقبلة عليها البلاد، سرعان ما خف نسقها بعد تراجع منسوب الاحتجاجات. وكانت مظاهرات اندلعت في بعض المدن السودانية وخاصة في العاصمة الخرطوم وفي أم درمان وإقليم دارفور شرق البلاد نتيجة الزيادات الأخيرة ومنها ارتفاع سعر الخبز إلى أضعاف، بيد أن جهاز الأمن والمخابرات تمكن من قمعها عبر شن حملة اعتقالات طالت قيادات ونشطاء سياسيين وإعلاميين، فضلا عن مصادرة صحف يومية.

وترافقت هذه الحملة في الداخل مع حملة موازية موجهة إلى الخارج عبر التلميحات إلى وجود تحركات عسكرية مصرية إريترية على الحدود الشرقية تستهدف البلاد، وذهبت الحكومة السودانية في ذلك إلى أبعد مدى حينما أعلنت الاستنفار في مدينة كسلا وإعلان التعبئة العامة، الأمر الذي أثار حالة من القلق والتوجس في صفوف المواطنين، وخفت حماستهم للحراك.

وتقول أوساط معارضة سودانية إن نظام الرئيس عمر البشير الذي يمسك بالسلطة منذ العام 1989، أثبت براعة في توجيه الرأي العام الداخلي، وإلهائه في معارك “دونكوشوتية” مستعيرا مع كل هزة يتعرض لها كل المفردات التي تخص “نظرية المؤامرة”.

في مقابل ذلك، تقول تلك الأوساط إن المعارضة فشلت في بناء خطاب قادر على التغلغل في وعي المواطن وإقناعه، لا بل إن تدخلاتها في التحركات الاجتماعية، التي عادة ما تنطلق بشكل عفوي، ينجح النظام في كل مرة في تحويلها إلى فرصة لضرب ذلك الحراك عبر ادعاء أن مجموعات المعارضة متواطئة مع قوى خارجية تريد هز استقرار البلد.

وآخر تلك الادعاءات اتهام عمار باشري أمين التعبئة السياسية في حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالسودان، “مخابرات دول” بالعمل على إثارة “الخوف والهلع بين السودانيين” للخروج عن النظام، حاثا المواطنين على القبول بـ”الإصلاحات الاقتصادية” على أنها السبيل الوحيد لتحقيق انتعاشة يشكك خبراء اقتصاديون في حقيقتها.

عمار باشري: المعادل للخروج عن النظام هو الفوضى وعدم الأمن والاستقرار

وقال باشري في مقابلة مع “الأناضول” إن “الإجراءات الاقتصادية كانت قاسية، ودخلت (أثرت على) كل منزل سوداني، لكن لا يوجد خيار سوى الإصلاح الاقتصادي، والمضي بالمشروع حتى نهاياته”،

وأشار إلى أن السودان “فقد ما يزيد عن 60 بالمئة من إيراداته الكلية، بعد انفصال جنوب السودان (عبر استفتاء شعبي) عام 2011، وخسر 80 بالمئة من نقده الأجنبي”.

ومنذ الانفصال يعاني السودان من ندرة في النقد الأجنبي؛ لفقدانه ثلاثة أرباع موارده النفطية.

وأوضح أن انفصال الجنوب “أحدث ربكة اقتصادية، لكن الحكومة استطاعت وضع المشروع الإسعافي الثلاثي (2011 – 2014)، والخطة الخمسية (2014 – 2019)، واستطاع المشروع الثلاثي بشكل كبير أن يكبح جماح التخضم، ويخلق كثيرا جدا من التوازن”.

وشدد على أن مؤسسات مثل “البنك وصندوق النقد الدوليين توقعت انهيارا كاملا للدولة السودانية، خلال ستة أشهر بعد انفصال الجنوب، لكن بموجب هذه الإجراءات تفاجأت تلك المؤسسات بأن الدولة ما زالت متماسكة”.

وتعتبر المعارضة أن سياسات الحزب الحاكم في السودان شكلت أحد المحركات الرئيسية التي أدت إلى انفصال الجنوب، وتنامي الطروحات الانفصالية في أكثر من إقليم آخر وبينها إقليم دارفور الذي يشهد حربا منذ العام 2003 بين القوات الحكومية والميليشيات القبلية الموالية لها وبين مجموعات مسلحة انتفضت ردا على ما اعتبرته تهميشا سياسيا وتنمويا للإقليم وبخاصة للقبائل ذات الجذور الأفريقية، فيما رآه النظام تمردا تغذيه أجندات خارجية، وهي التهمة الجاهزة التي عادة ما يرتكن إليها، كما هو الحال بالنسبة للحراك الاجتماعي الأخير.

ووفق القيادي بالحزب الحاكم في الخرطوم “يوجد تهويل لأمر تأثير الإجراءات الاقتصادية من أجل إحداث ارباك، والكثير من أصابع مخابرات دول (لم يسمها) تزيد من ناره لخلق حالة من الخوف والهلع بين السودانيين، بما يحقق أهدافها بالخروج عن النظام”.

واستدرك قائلا “لكن الشعب السوداني ظل واعيا، ولم يستجب لدعوات التظاهر والخروج عن النظام.. وقد فشلت هذه المظاهرات”. وزاد بقوله “لا نقول ذلك تقليلا من شأن من يرفضون هذه الإجراءات (الاقتصادية)، ولكن نقول من واقع الحال إن المعادل للخروج عن النظام هو الفوضى وعدم الأمن والاستقرار”.

وأردف أن “الشعب السوداني الحصيف يقرأ ويطالع كل الإقليم من حوله، خاصة ما حدث في ليبيا وسوريا والعراق، فلا يجد غير الاقتتال والموت والدمار”.

وشدد باشري على أن “السودان دولة مركزية ومهمة بوجودها الجيوسياسي في هذه المنطقة.. استقرارها فرض عين لكثير من القوى الإقليمية، التي ترى أن أي اهتزاز في هذه المنطقة يمكن أن يؤثر على ما حولها”.

ويرى محللون أن نظام الرئيس عمر البشير أثبت في كل مرة قدرة عالية ليس فقط على توظيف هفوات المعارضة أو عدم قدرتها على استنهاض الشارع، بل إنه برع أيضا في توظيف الأزمات المفتعلة مع دول الجوار والتحكم في وتيرتها، بما يخدمه داخليا وإقليميا.

والدليل أنه بعد تراجع نسق التحركات الاحتجاجية عاد إلى التهدئة مع مصر وإريتريا وتبنى لغة أكثر دبلوماسية.

وقال القيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم إن “كل دولة تحدد علاقتها مع الأخرى بتسجيل مزيد من النقاط لصالحها وتعظيم مكاسبها، والنظر في أهدافها وقضاياها الاستراتيجية”.

وأوضح “لا أقول إن التوترات مع مصر وإريتريا طويت بالمرة، لكن تصريحات الرئيس (السوداني عمر) البشير ورئيس الوزراء الإثيوبي، هايلي ماريام ديسالين، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في أديس أبابا (الشهر الماضي) أكدت ذلك.. ولكن تظل القضية الاستراتيجية هي ما يحرك كل دولة”. واتفق قادة الدول الثلاث، على هامش قمة الاتحاد الأفريقي، الأسبوع الماضي، على حل الخلافات بين دولهم بالحوار.

وتتهم القاهرة الخرطوم بدعم موقف أديس أبابا بشأن سد النهضة الإثيوبي، الذي تخشى مصر أن يؤثر سلبا على تدفق حصتها السنوية، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، من نهر النيل مصدرها الرئيسي للمياه، بينما يقول السودان إنه يراعي مصالحه دون رغبة في الإضرار بمصالح الآخرين.

وملف سد النهضة ليس الوحيد محل توتر بين السودان ومصر، بل أيضا مثلث حلايب وشلاتين، الذي تعتبره الخرطوم تابعا لها، فيما تؤكد القاهرة أنه جزء من أراضيها.

ويقول خبراء إن السودان ليس متمسكا حقيقة بذلك المثلث بقدر ما أنه يتخذه ذريعة أو ورقة ضغط يستخدمها ضد مصر في كل مرة أراد التصعيد معها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*