الرئيسية / مقالات / خطوة ثانية نحو الثورة

خطوة ثانية نحو الثورة

Sudan voices

د. عمر القراي 

التحية للشعب السوداني العظيم، ليس لأنه نفذ ما وعد به من مسيرة بحري العظيمة، ولكن لأنه أدار معركتها، كما خطط لها، ونأى بها عن التخريب، فلم يترك لحكومة الاخوان المسلمين، ذريعة لاستخدام الرصاص .. بل كانت هتافاته واضحة، بصورة لا تمكن رجال الأمن، من ممارسة التخريب والحرائق، ثم نسبتها للمتظاهرين، كما حدث من قبل، حين أرادت تبرير تقتيل الطلاب العزل في مظاهرات سبتمبر 2013م. ولو أنهم بالأمس في بحري فعلوا تلك الخدعة، لكذبهم حتى بعض المنسوبين لهم.

التحية للشباب الذين صنعوا هتافات جديدة، تعبر عن أن شعبنا، لايعلم الشعوب أن تثور من أجل حريتها وكرامتها فحسب، بل يعلمها كيف تكون هذه الثورة نور بلا نار .. إن هتاف ثورة بحري : ( أصواتنا مسموعة * راياتنا مرفوعة * أملاكنا محمية * ثورتنا سلمية * ضد الحرامية ) !! لهو قمة في المسؤولية، ودرس في الأخلاق، لو كان لحكومة الاخوان المسلمين بقية أخلاق، تحس بها مثل هذه المعاني !! لقد طور الشباب الهتاف القديم، الذي يهدف الى توعية القوات النظامية، لتكون في خدمة الشعب، لا في خدمة جلاديه، والذي ظهر في مظاهرات جامعة الخرطوم في التسعينات، وهو هتاف ( يا بوليس ماهيتك كم ؟ رطل السكر بقى بي كم ؟) طوروه، وزادوا فيه، فجاء ( يابوليس أقلع كاكيك * نحن اخوانك منك وفيك * يا بوليس أقلع بوتك * شرف الثورة أوع يفوتك * يا بوليس اقلع كابك * أوعك تنسى الوطن الجابك) !! هذه الكلمات على بساطتها، وسلاستها، يمكن أن تعمل عمل السحر، في كل نفس شريفة، نظيفة، وتجعل الشرطي العادي، يلقي سلاحه أرضاً، إذا طلب منه أن يوجهه الى صدر أمه، أو إبنه، أو شقيقته، أو بنت أخيه، أو زوجة جاره.. هذا شعب عجن بأصائل الطبائع، التي عجز الاخوان المسلمون، عجزاً كاملاً ، أن يسلبوها منه بالرغم مما فعلوا به من قتل، وضرب، وسجن، وقهر، وتجويع.

ولقائل أن يقول أن الحكومة كانت قادرة على ضرب المسيرة بالرصاص، ولكنها إحتكمت الى صوت العقل، وفضلت استعمال الغاز المسيل للدموع، وهذا أمر يجب أن يحمد لها .. ولكننا لطول ما عرفنا الاخوان المسلمين، نقول أنهم لا عقل لهم، ليحتكموا إليه، بل تنطبق عليهم عبارة السيد المسيح ( إذا كان النور الذي فيك ظلام الظلام كم يكون ؟!) إن الاخوان المسلمين الآن، يجربون خطة جديدة، ما دامت المظاهرات لم تستفحل، بالقدر الذي يهدد وجودهم، بصورة مباشرة. أما فحوى الخطة الجديدة، فهو أنه يفرقوا التجمعات دون استعمال عنف يؤخذ عليهم دولياً، بعد ذلك يعتقلوا كل من يظنوا أنه يمكن أن يكون قائداً، لمثل هذه المسيرات، أو مخططاً، وموجهاً لها في المستقبل .. وهم يأملون بتوسيع الاعتقالات، أن يحدوا من حركة الشارع. وكانوا في الماضي يعتقلون عامة المتظاهرين، لكنهم الآن استهدفوا القيادات، التي يعتقدوا أنها وراء تنظيم الإحتجاج عليهم. فقد تم إعتقال الأستاذ كمال اسماعيل، رئيس حزب التحالف الوطني، والناطق الرسمي باسم نداء السودان بالداخل الاستاذ محمد فاروق، والأمين العام للحزب الجمهوري الأستاذ أسماء محمود محمد طه، ونائب رئيس حزب الأمة القومي الأستاذ فضل الله برمة ناصر، وصالح محمود عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، وحوالي 280 من الناشطين الآخرين. هذه الخطة يجب إفشالها من ناحيتين: أولاً تصعيد قضية المعتقلين في هذه المظاهرات، على اعتبار أنه عمل مخالف للدستور، ولكافة المواثيق الدولية، وحقوق الإنسان، ونشر أسماء المعتقلين على أوسع نطاق، وأيداعها في منظمة العفو الدولية، وكل المنظمات الحقوقية، في جميع أنحاء العالم، والاستمرار في الوقفات الاحتجاجية، وتسليم مذكرات لحكومات الدول، كما فعل السودانيون بألمانيا. ثانياً : توزيع مهام العمل لقيادات متعددة من الشباب، والقادة السياسيين الجدد، على إعتبار أن العمل لا يوقفه أي أعتقال، لأن كل شخص يمكن أن يعتقل، ويجب أن يكون بديله جاهزاً . ولابد من التحضير لمسيرة أخرى، والإعلان عنها، قبل أسبوعين على الاقل من قيامها، حتى لا تشعر الحكومة، بأن الاعتقالات يمكن أن توقف هذا العمل.

ما نحتاجه في مسيرة الثورة، أن يقوم الشباب في الداخل، برصد دقيق لأسماء المعتقلين السياسيين، والوصول الى أسرهم، وتحديد حاجة الأسر، التي أعتقل العائل الوحيد لها، والتي تتأثر مباشرة، في ضروريات حياتها باعتقاله .. ثم إرسال المعلومات، عن طريق قروبات التواصل، المتابعة للحراك، لمختلف تجمعات السودانيين، المهتمين بالخارج، وتحديد قنوات من أشخاص معروفين، ترسل المبالغ من خلالهم، بعد تجميعها منا جميعاً، في مختلف بقاع الشتات، وهذه ليست منة من أحد، وإنما هي حقوق المعتقلين علينا، ولا بد لنا من الوفاء بها.

وما لا نحتاجه في مسيرة الثورة، كتابات، ولقاءات في وسائل إعلام الحكومة، من بعض المثقفين الذين ينصحون حكومة الإخوان المسلمين، في هذا الوقت، بغرض إحداث إصلاحات فيها، بعد أن عبر شعبنا في المسيرات والمظاهرات، بأن إصلاح الوطن يبدأ بذهابهم. والمثقفون المعنيون هنا نوعان: نوع كان ولا زال مع الحكومة في حزبها، مؤيداً لها عبر تاريخها الملطخ بدماء الشعب، ثم جاء الآن بآخرة ينصحها بعدم ضرب المظاهرات، وضرورة إحداث اصلاحات، وتغييرات، حتى يتفادى النظام ثورة عارمة، يمكن ان تطيح به. ومثل هؤلاء لا يجوز أمرهم على شعبنا، فهم يحاولون القفز على ماضيهم، ووضع مساحيق على وجوههم، من باب التمويه، وخدمة الحكومة .. لأنهم يظهرون للرأي العام أنها تقبل النقد، وتسمح بالنصح !! فإذا دارت الدائرة على حكومتهم، وجدوا لهم موقع قدم مع المعارضة، بحجة أنهم كانوا في وقت الأزمة ضد الحكومة. أما النوع الثاني من المثقفين، فإنهم ليسوا في حزب الحكومة، وليسوا من الموالين لها، ولكنهم يظنون أنهم يمكن أن يسمعوا الحكومة نقداً موضوعياً، من داخل وسائل إعلامها، ربما أدى الى قدر من الإصلاح !! وهم يعلمون أن حديثهم لن يقبل، ولن يذاع، لو ذكروا أن حل مشاكل السودان، لا يمكن إلا بزوال النظام الحاضر!! ولذلك يحيدون عن هذا الموقف الواضح، بأمل أن يجدوا موقع قدم، في وسائل إعلام مدجنة، ومملوكة بالكامل، لنظام قهري يقتل في شعبهم، ويسخر من آلامه. هؤلاء المثقفون مستغلون، بواسطة هذا النظام الماكر، شعروا بذلك أم لم يشعروا. فهو يفتح لهم وسائل إعلامه، ليقول أنه يقبل المعارضة الموضوعية من خصومه !! ولكنه قام باعتقال قيادات الحركة السياسية والاجتماعية، في البلاد، لأنهم غير موضوعيين و يريدون اسقاطه من الحكم فقط، ولم يعتقلهم لأنه حريصيين على مصلحة الشعب. ومجرد إيصال رسالة للشعب من بعض المثقفين، بأن النظام لديه أخطاء، نحدثه عنها، لأنه يمكن أن يصححها، فيه تضليل للشعب، ومن يضلل الناس، يضله الله ولو بعد حين.

لقد أوصلت الحكومة هذا الشعب، الى مستوى من الجوع، تعترف به الحكومة نفسها !! ففي مقطع فيديو موجود الآن على الأسافير، يقول السيد الرئيس عمر البشير ( في ناس قافلين عليهم بيوتهم وحالتم تبكي لا احتجوا ولا مرقوا الشارع حرقوا لساتك) !! فهو يعلم بأن هناك مواطنين جوعى في بيوتهم، لحد يجعل من يراهم يبكي لحالهم، وبدلاً من يذكر فشل نظام حكمه، الذي أوصل شعبه هذا المستوى، يثني على الذين لم يحتجوا عليه منهم، ليظل باقياً في الحكم، ويصبح من أثرى أثرياء العالم، وهم يموتون من الجوع في صمت، ودون احتجاج !! هذا ما يريده البشير، فماذا يريد المثقفون الذين ينصحونه بالاصلاحات، ويظل باقياً ؟!

لقد أثبت الشباب، كفاءة كبيرة في حمل قضية الوطن، والبذل من أجلها، وبرعوا في التعبئة، والحشد، والتخطيط للمسيرات، والوقفات، والمظاهرات الليلية .. على أن ما تتطلبه منهم المرحلة القادمة، هو خلق جسور التواصل مع النقابيين الشرفاء، وإعانتهم على إنشاء النقابات الوطنية، واسترجاع النقابات التي خطفتها الحكومة، بغرض طرح خيار الإضراب السياسي، والعصيان المدني، خاصة وأن الحكومة لن تصبر على تمدد الوعي بالتظاهر، ليشمل كل المدن، وستبدأ العنف العنيف، بمجرد فشل خطوة اعتقال القيادات، في إيقاف التحرك العام. إن رفع شعار الإضراب في المستقبل، هو الوسيلة العملية لتحرير النقابات، من تغول نقابات الحكومة المصطنعة .. لأن العاملين يريدون النقابة التي تنحاز الى الشعب بالاضراب، لا النقابة التي تقبل جوعهم، وذلهم، واعتقالاتهم، ثم تدعي أنها جاءت لتحافظ على حقوقهم. هذا والله من ورائهم محيط.

omergarrai@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*