الرئيسية / فنون وثقافة / فرانز فانون وهومي بابا|تجاذب للهوية وجدل في فكر ما بعد كولونيالي

فرانز فانون وهومي بابا|تجاذب للهوية وجدل في فكر ما بعد كولونيالي

Sudan voices

Fanon

ماريا بينيديتا باستو |ترجمة: وحيد بن بوعزيز 

Homi Bhabha  

مع مطلع سنوات 1980، شكلت أعمال فرانز فانون، خاصة كتابه: بشرة سوداء أقنعة بيضاء، لهومي بابا، ذلك الشاب المثقف، صاحب الأصول الهندية والمنحدر من أقلية زرادشتية-فارسية في بومباي، جاء ليدرس في أكسفورد، شكلت نقطة انطلاق مهمة لتعميد مساهمته المتميزة في حقل الدراسات مابعد الكولونيالية الناشيء. سيكون التحليل الفانوني لسيرورات التماهي النفسية المتجاذبة داخل العلاقة الاستعمارية مرتبطا ارتباطا ضيقا بفكرة تراود مليا مصطلح الهجنة، الذي سيلعب دورا مهما في أعماله.

لو نستعير، بطواعية ما، صياغة بابا في إحدى نتائجه من مجموع مقالات كتاب The Location of Culture (موقع الثقافة)، الصادر سنة 1994، أين عاد كثيرا إلى فانون، يمكننا القول بأن الهجنة تحيل على الديناميات الثقافية، حيث تكون لحظة الاختلاف التي تعايش في كنف التذاوت في الوقت ذاته « لحظة تاريخية تحويلية » (1)، مرتبطة مع « التطور التاريخي للذات داخل نظام الرموز الاجتماعية » (2). لقد سمح عمل فانون لهومي بابا أن يأتي في الوقت نفسه بنقد ووجهة نظر مكملة لمداخلة استهلالية في الدراسات ما بعد الكولونيالية؛ نقصد بذلك تحليل بنيات الخطاب الكولونيالي، الذي قام به إدوارد سعيد في كتابه « الاستشراق » (1978). إذ استعان هذا الأخير بفكر ميشيل فوكو للاهتمام بالبناء الثقافي في تشكل الخطاب الكولونيالي المتحدد بسلسلة من التقابلات الثقافية والعرقية العنصرية، حيث يكون الآخرون، دائما، مذعنين. لأجل هذا راح بابا يبحث، ذائبا، عن الكيفية التي يشتغل بها هذا الخطاب كشيء نشأ عن علاقة إنتاجية، أي عن سيرورات التماهي التذاوتية التي تتجاوز التصنيفات البسيطة المختزلة في ثنائية مهيمن/مهيمن عليه.

يجد الخطاب الكولونيالي نفسه، هنا، متورطا مع آليات تحليلية-نفسية، حيث يغدو الوعي مرتعا لتجاذب التماهي ونزعه مع الآخر، بغية خلخلة كل فكرة عن الهوية كبناء مسبق أو مكتمل. تفضي سيرورات التماهي، كما يعتقد بابا في دراساته حول فانون، إلى « زمن آخر وفضاء آخر » بحيث « يرفض الزنجي أن يسكن الماضي الذي يكون فيه الأبيضُ مستقبلا » (3).

على النقيض تماما من النظريات البنوية كما نجدها عند ألتوسير أو فوكو (خاصة قبل مجلديه الضخمين من تاريخ الجنسانية، عندما حدد مكانة الذات بواسطة الخطاب المهيمن)، يفتتح مصطلح التجاذب Ambivalence، إذن، الذي تشهد عليه المقاربة النفسانية التحليلية، لهومي بابا أفقا سياسيا من التفاوض، لهذا فهو يعيّنه « كشرط ضروري للفعل والتخيل في الوضعيات الكولونيالية ومابعد الكولونيالية » (4) لهذا، سيُطرح رهان خاص بالدراسات ما بعد الكولونيالية، يرمي إلى اختبار المسلمات ذات الأصل الميتروبولي، انطلاقا من فضاءات (مابعد) المستعمرة المتصارعة، ونخص بالذكر هنا أعمال فرويد ولاكان. ولكن، لا بد من موضعة الفائدة التي جعلت بابا يحتفي بأعمال فانون على غرار التطبيقات النفسانية التحليلية على السياق الكولونيالي. ولابد من التذكير هنا أن فانون يوظف بطريقة استفزازية نظرية تضفي، خاصة فيما يخص أعمال فرويد، طابعا مَرضيا على الاختلاف بإسقاط مقولات متمركزة أوروبيا (عقدة أوديب مثلا) على الآخرين (5).

على غرار هذا الربط بين البنوية والتحليل النفسي، فإن توظيف فانون، الذي شغل كثيرا بابا، لا يمكن أن يكون بمنأى عن أرضية مفتاحية أخرى في الدراسات مابعد الكولونيالية: نقصد بذلك الالتزام النقدي اتجاه الماركسية. لقد حاول بابا في أكسفورد تطبيق تعاليم البنوية- الماركسية كما جاءت عند أستاذه تيري إيغلتون على تحليل النصوص الأدبية الاستعمارية (مثل روايات نايبول غير المشهورة). كما حاول، من جهة أخرى، الالتزام بنقد الفكر الذي يطول العلاقات الاجتماعية باستغلال مصطلحات الطبقة، لأنه يطمس مسائل الجنس والعرق بإعادة إنتاج نماذج متشابهة من طبيعة جوهرانية وشمولية (6).

انطلاقا من هذه النظرة، تنتج عملية إضفاء الطابع الجدلي على الهويات، لوعدنا إلى قراءة فانون كما يحبذ بابا، نقطة انطلاق سلبية لتسجيل ما يعد « انبثاقا لفكر جذري بامتياز لا يرفع البتة دون إضفاء لمسة من الغموض » (7) يرمي هذا الموقف إلى إحداث قطيعة مع الفكرة القائلة بوجود علاقة جدلية هيغيلية بين هويتين متنافريتين –السيد والعبد- السامحة بإعطاء إمكانية للتفكير في سيرورة تاريخية موجهة نحو تصالح أخير وتحويل شامل للإنسان. حسب بابا، يمكننا التفكير في مكان ما، يسجله فانون ضمن سياق البراديغم الإنساني، في مقاربة أخرى تبرز من بحثه المستميت عن جدلية في التحرر. إننا أمام هوية متجاذبة تتغذى من ديناميات اللاوعي حيث تتموضع الرغبة دائما كمرجع في مكان يسكنه الآخر: « يروم المستعمَر دائما الحلول في مكان المستعمِر، ويحلم بقلب للأدوار » (8)، ويركن دائما في مكانين على الأقل في كل مرة.

يتوخى مقالي هذا هدفين: أولا، أين يحصر فكرة الهوية المتجاذبة عند فانون الذي يعد، حسب بابا، صاحب تدفق هذه الفكرة من أعماله على الرغم من أنها تتعارض مع توجهاته الإنسانية الخاصة. ثانيا، أن يقوم بعملية جرد لخصوبة هذه المقاربة كي تتم عملية فهم البعد السياسي المرتبط بسرورات التماهي. كما أحبذ هنا، أن أعيد الاعتبار للطريقة التي فهم بها بابا البعد الجدلي عند فانون بطريقة أجلى، لهذا سأختبر إذا كان هذا الجدل غير متطابق مع التماهي المتجاذب كما يزعم بابا.

أثناء قراءة فانون، يتمرجع بابا أساسا، مع بشرة سوداء أقنعة بيضاء، كتب بابا من أجل هذا النص في سنة 1986 (9) مقدمة ستفرز قاعدة لنص أطول نشر في موقع الثقافة. لقد قدم بابا مجددا في 2004 لنص « معذبو الأرض » (1961)، لكن انطلاقا من وجهة نظره في الاشتغال، تبقى قراءته لبشرة سوداء أقنعة بيضاء محسومة، ولتصوير العلاقة المتواجدة بين التجاذب وقلب النظام السياسي سيستشهد بابا مجددا بمقال لفانون يحمل عنوان « الجزائر السافرة » (10)

الهوية المتجاذبة أو مكانة الآخر في الأنا:
هنالك مفتاح مهم سيسمح لنا بالولوج إلى النظرة التي سهلت لبابا أن يقرأ فانون يمكن تلخيصه في التساؤل التالي: « ما الذي يرومه الإنسان الزنجي؟ » (11) وهو سؤال مستعار من سؤال سيغموند فرويد: « ما الذي تريده المرأة؟ ». لقد سمح هذا التساؤل لبابا، من جهة، باستبعاد البعد الإنساني عند فانون، وبالشروع في تأكيد ما يعده الأصالة الحقيقية في بشرة سوداء من جهة أخرى.

في الواقع لا يمكن فهم سؤال فانون بمثابة تساؤل أنطولوجي يطول كينونة الإنسان المستلب. لو كان ذلك كذلك، لجرنا هذا الأمر إلى حسبان الهوية كشيء معطى وإلى الاتجاه صوب حكاية واقعية كبرى تشكل نسيج الوقائع التاريخية والاجتماعية أمام ما سيساهم في انبثاق مشاكل نفسية الفرد أو الجماعة. يفتح سؤال « ما الذي يرومه الإنسان الزنجي؟ » بطريقة معاكسة، طريقا نحو مساءلة تدور حول الشروط التاريخية للإنسان الكولونيالي، بواسطة قضية رغبة الذات. حسب بابا، عندما نقرأ بشرة سوداء يصبح من الضروري احترام الاختلاف بين « الهوية الشخصية » (12) كإعلان عن الواقع أو كحدس بالكينونة والمشكل النفساني المتعلق بالتماهي الذي يرفع دائما سؤال الذات والرغبة.

قبل تحديد نتائج هذه الرغبة، نلاحظ بالنسبة لبابا أن الإرادة تثير مسألة « المطلب السياسي » (13) والأدوات التي بواسطتها نتعرف ونعين فاعله الإنساني » (14) لهذا سنجد هنا طابعا مهما من المقاربة النظرية عند بابا: يرمي إلى اكتشاف أرضية تطول الفعل السياسي المتموضع، حسبه، بعيدا عن جدل العلاقات المتناقضة والثنائية بين الفاعلين المشكلين سلفا. فلنختبر مبدئيا، الخطوط الثلاثة التي تتضمن، بالنسبة لبابا، فهم سيرورات التماهي بإدراج تحليلية الرغبة، إن الخاصية الأولى في هذه السيرورة تمس وجود المستعمِر والمستعمَر في علاقة مع « الغيرية، مع تحديقته وكلامه » (15) الذي يلفظه عن طريق طلب لموضوع براني. إن المثل الذي يضربه فانون في هذا الصدد يطال تبادلات النظر بين الأصلاني والكولون، التي تُبَنينُ علاقتهما النفسية، يروم الأصلاني أن يكون دائما في مكان الكولون، إنه يحاول رؤية نفسه بواسطة الآخر، ويعترف الكولون بكل قرف أنهم يحاولون الحلول في مكانه » (16). يفتح حلم قلب الأدوار مكانا استيهاميا « للاستحواذ » في شكل مكان لا تتمكن فيه الذات من التوطن الكلي. إن لهذه العلاقة، كنتيجة، خاصية ثانية: لأن الانحسار ما بين طلب للإذعان والرغبة في الوصول إلى مكان الآخر سيجعل التماهي بمثابة فضاء « للانشطار ». في هذا المعنى سيكون اهتمام الأصلاني مرتبطا بالحلول في مكان السيد مع الاحتفاظ بغيظ الانتقام. لا يعكس كتاب بشرة سوداء، إذن، انقساما، ولكن يبين صورة انعكاسية، ويبين الوضعية التي نكون فيها ضمن فضاءين في الوقت نفسه، بحيث يكون من المستحيل أن يقبل المتطور (المندمج) دعوة اعتناق هوية المستعمِر: « إنك طبيب وكاتب وطالب، إنك مختلف عنا، إنك واحد منا » (17). حسب بابا، بواسطة هذا الاستعمال المتجاذب للاختلاف –أي أن تكون مختلفا عن الذين يختلفون عنك سيجعلك تشبههم- سيتمكن اللاوعي أن يتطرق لشكل الغيرية، المستوعبة هنا « كظل مرتبط بالديفيرانس différance والإزاحة » (18) لا يمكننا، إذن، الكلام عن أنا مستعمَر أو عن آخر مستعمِر، ولكن يمكننا أن نتكلم عن مسافة مقلقة بين الاثنين تصنع صورة للغيرية الكولونيالية، إننا إزاء حيل الرجل الأبيض وهي تنطلي على جسد الزنجي.

في الخاصية الثالثة، يؤكد بابا أن مسألة التماهي لن تكون أبدا إقرارا بهوية معطاة سلفا، لقد كان الأمر دائما متعلقا بإنتاج لصورة تطال الهوية وتحويل للذات حينما تتحمل هذه الصورة، « إن طلب التماهي –أن تعد آخرا- يورط الذات في النظام الاختلافي للغيرية » (19). لقد كان التماهي، كما يستنتج بابا، مكونا دائما بواسطة « عودة لصورة الهوية الحاملة لعلامة الانشطار في الموقع الآخر الذي أقبلت منه » (20). يستحضر بابا في هذا الموطن حالات التوازي المتواجدة بين فانون ولاكان، حيث تتوطن اللحظات الابتدائية لتكرار يخص الأنا في رغبة التحديقة وفي حدود اللغة. « لا تعد الهوية، بالنسبة لتماهي (أ) قبليا ولا نتاجا نهائيا » (21). ولكن تعد بمثابة سيرورة إشكالية من الولوج إلى صورة للكلية » (22). ولا يمكن اختراق صورة الهوية إلا عن طريق نفي لمعنى الأصالة أو الامتلاء. في هذا المعنى، تسجل الصورة موقعا للتجاذب أو التمثل » قد يكون دائما منشطرة في الفضاء –إنها تحول شيئا كحضور بعدما كان غيابا- ومؤجلا في الزمن » (23). لقد أثبت فانون نفسه تعكزه على المفهوم اللاكاني في مرحلة المرآة. وحسب فانون، كما يذهب بابا، لم يعد هناك ريب « من أن الآخر الحقيقي للرجل الأبيض، وسيبقى دوما، هو الرجل الزنجي والعكس صحيح » (24). فقط، يبقى بالنسبة للرجل الأبيض أن الآخر يستوعب ضمن خطاطة الصورة التجسيدية، مثل اللاأنا، أي ذلك الذي لا يمكن التماهي ولا الاندماج معه.

أمسك بابا نقاشه حول بشرة سوداء أقنعة بيضاء مرتين كي يتسنى له تحويل مسألة ازدواجية الهويات الكولونيالية إلى سياق ما بعد كولونيالي. هناك قصيدتان كتبتا من طرف عديل جوشاوالا، شاعر من بومباي، ومابلينغ جين (25) واحدة من الشتات الأسود، سنحتا لبابا بإطلاق إشارة الانطلاق لنقاش راح يوضح بواسطته نظريته في التماهي « الذي لا ينشأ إلا في الفجوة بين التنصل والتعين » (26).

يُعتور هنا في حالة مساءلة، تقليد فلسفي وأنثروبولوجي يشكل هوية الأنا عن طريق « رغبة النظر وركن الاختلاف الثقافي في موضوع متحكم فيه ومرئي » (27). كنقيض لهذه الرغبة، تبين لنا الأشعار في القصيدتين أن الذات التي تم فيها جحود الاختلاف الثقافي والجنسي لا يمكنها أن تضبط « بدون الغياب أو اللامرئية التي تكونها » (28). تشكل حادثة النظر إلى شخص « لامرئي » بالنسبة لبابا، اختراقا من التماس الأنا في حالة التحكم والاستيلاء على موضوع « مباشر من الانعكاس الذاتي » إلى نقطة من الحضور تلتزم بوضعها التلفظي المفضل كذات » (29).

يبحث بابا، إذن، عن بوادر نظرية تزحزح « إطار الهوية في حقل التحديقة إلى فضاء للكتابة » (30). يتوجب هنا الفرار من نمط من التماهي حيث تبني الذات علاقة تماثلية بين الدال (الأنا) والمدلول (الاستمرارية الزمنية للوعي)، بتفضيل هذا الأخير وبإبعاد كل الحالات المائعة؛ التي يطلق عليها رولان بارت « البعد العميق الجيولوجي » (31). أما بالنسبة للخطاب ما بعد البنوي، فعلى العكس تماما تعطى الأولوية للعبة الدال كمؤشر على « فضاء الازدواجية (وليس العمق) الذي يعد المبدأ ذاته لتمفصلات الخطاب » (32). إن الغاية من تعريف « فضاء التسجيل أو كتابة الهوية » (33) يفضي ببابا إلى الاهتمام مجددا بمجاز ثان يعد كمفتاح في أشعار مايبلينغ جين، ونقصد بذلك الصورة المجازية الخاصة بالتحديقة والعين المتنصلة عن الجسد بالنسبة للشخص اللامرئي. تمثل هذه العين شكلا من أشكال الكناية أو المجاز المرسل، « إنها صورة من التجاور يعوض فيها الجزء بالكل (العين بالأنا) » (34). لو ربطنا حالة العين بالمصطلح الدريدي « الإضافي » فلن نجد الكناية هنا عبارة عن شكل من الاستبدال أو الندية، ولكن هي عبارة عن « حالة تابعة تتوطن » وهي لا تنتج إي نتوء، وتعني+ أن أي شيء مهما كان لا يمكن بأي حال من الأحوال يعمر ذاته إلا إذا ساير نفسه للامتلاء بواسطة العلامة أو التفويض » (35). إن داخل « كل حركة مضادة للطابع الجدلي » تتواجد، انطلاقا من كل هذه الأحداث المتقلبة، « كل المواصفات الثنائية أو تجاوزات السلطة أو العلامة » (36).
ينشأ من كل هذا التنزه في ميدان يعده بابا شعرية تابعة لللامرئيات » (37)خطٌ سياسي انقلابي يتعكز، من وجهة نظر ذات طبيعة نظرية سياسية تدور حول العلاقات السائدة بين الهويات المتقابلة، على ما يمكن إدراكه كحالة فشل، أو نقص الاستقلالية عند التابع لأنه يبدو كما يقول غرامشي، « مفرغ من وضعه السلطوي الخاص به » (38). هكذا تتكون، حسب بابا، الشروط الخاصة بإستراتيجية للتجاذب في كنف بنية التماهي التي تشتغل، حثيثا، بِبَنْينة إضمارية يسقط من خلالها ظل الآخر على الذات » (39). إن مما يعنيه هذا الأمر، لو استعرنا هنا بارت، أن قوة الاختلاف الثقافي ستكون « اعتداء على حدود في فضاء الدال » مما يسمح ب »نزعة مضادة للتقسيم في عالم الموضوعات والاستعمالات والمعاني والفضاءات والخاصيات » (40).

سيجد بابا هذه الأرضية من التأثيث السياسي عند فانون. سيستحضر هذه الأرضية كحالة غير جدلية بمعنى أن البنية المانوية للوعي الكولونيالي لن تجد أي تصالح في الكلية العليا. يعود الكاتب في هذا السياق إلى الوصف الديموغرافي للمدينة الكولونيالية كما طرقها فانون في « معذبو الأرض » حيث تبقى الأفضية الأصلانية والاستعمار متقابلة، فهي ليست في خدمة تطول الوحدة العليا. في السياق نفسه، مخالفا لفانون، يلحظ بابا دينامية ممكنة في اللحظة غير الجدلية للعلاقة المانوية. وفي قلب هذه الدينامية، التي تتبع مسار الرغبة الكولونيالية يصبح من الممكن العبور أو إزاحة الحدود المانوية؛ فبالحلول في مكانين في الوقت نفسه يمكن ان تصير الذات الكولونيالية المتبددة الشخصية والمتشظية موضوعا غير قابل للحساب :بالمعنى الحرفي: صعب أن تحدد في فضاء » (41). حسب بابا لا يستطيع طلب السطوة توحيد رسالته ولا التعرف على ذواته » (42) بهذا المعنى، تُمَشْهِدُ إستراتيجية الرغبة الكولونيالية « مأساة الهوية إلى أن ينزلق الزنجي لكي يبشر بالبشرة البيضاء » (43) « فعند لحظة الحسم يتواجد، دائما، بين الجسد الأسود والجسد الأبيض توتر من الدلالة والكينونة (…) من الطلب والرغبة » (44). انطلاقا من هذا التوتر يمكن، كما يلاحظ بابا، بروز إستراتيجية للقلب. ولتمثيل إحدى أشكال السلطة المطبقة على حدود الهوية والسطوة « عند الروح الساخرة في القناع والصورة » (45) يستشهد بابا بمقال « الجزائر السافرة » (46).

يتطرق هذا النص للنساء الجزائريات المحجبات، اللواتي يعبُرن حدودا مانوية لكي يطالبن بحريتهن، لا تتحول محاولة المستعمِر في نزع حجاب النساء الجزائريات إلى رمز للمقاومة فقط، بل ستصبح تقنية من التمويه ووسيلة من النضال تساعد خصوصا على تخبئة القنابل. إن ما يرتسم بالنسبة لبابا في هذه الفكرة الخاصة بالقلب السياسي « فكرةُ حرية صعبة وخطيرة » (47) تتعين الحرية هنا بتوتر دائم، بحيث يسائل الأنا صورته الاستفهامية لماض أصلي أو مستقبل مثالي. يتورط الأنا، كما يؤكد بابا، مع مفارقة إنتاجه الخاص، إننا هنا أمام حالة من الأشياء تكون فيها ديناميات القلب مستديمة وغير مذعنة لأي تركيب أو تصالح بالمعنى الهيغيلي.

أريد أن أعالج، كذلك، نقطة أخيرة يربطها بابا بالنقاش الدائر حول الاستلاب الكولونيالي للشخص عند فانون. إنه نقاش يدل على نهاية فكرة الفرد ويحول إلى حالة طارئة البحث عن شكل مفاهيمي للتحكم في زمام التضاد الاجتماعي الخاص بالعلاقة الاستعمارية. يركز هنا بابا على فالتر بنيامين لإدراك وعي ثوري لا تكون فيه « حالة الطوارئ State of emergency » استثناء لأنها تشكل القاعدة (48) تخلق حالة الطوارئ، حسب بابا، وضعية يبحث فيها فانون عن التحكم في تجربة معقدة. لا يعد هذا الأمر مرتبطا ببناء نظرية محكمة للعلاقة الاستعمارية، ولكن مرتبط بحالة إنتاج لمجموع تلفيقي حيث تجد الكثير من الأشياء نفسها في حالة مواجهة « إننا أمام جدلية هيغيلية-ماركسية، أمام إقرار فينومينولوجي وتجاذب تحليل-نفساني للوعي » (49).

مادام الجدل، لا محالة، يخوّل إمكانية إيجاد « الأمل في التاريخ، فإن الاستئثار الوجودي بالأنا يرجع لنا حضور المهمشين » (50) أخيرا، يضيء الإطار النفساني التحليلي « جنون العنصرية، ولذة الألم والنزوة الصراعية في السلطة السياسية » (51). في هذا الرابط بين تجربة الوضعية الكولونيالية والعمل النظري والنضال السياسي تسجل حالة الطوارئ حالة من البروز والنشوء من رؤية غير موحدة في التاريخ، ومن رؤية للإنسان تسائل شفافية الواقع الاجتماعي. إن حالة البروز هذه ترد، في رأيي، إلى بعد إنجازي وتجريبي للزمن، يطوره بابا خصوصا في عمله الأمة والسرد (52).

تجاذب الهوية، سياسة وجدل
قبل العبور إلى العلاقة المتاحة بين القلب Subversion والتماهي كإشكالية طرحها فانون، حسب بابا، سأتطرق لملاحظتين: إنه ليبدو لي أساسيا هنا التعلق بتلك الفكرة القائلة بأن « تجاذب الهويات الكولونيالية يشكل قاعدة بالنسبة لتحليل أشكال القلب التي تخترق الحدود المانوية المُرَّوضة بين العالم الكولونيالي وعالم المستعمَرين » (53). إنني أفكر، خصوصا، في قضية امتلاك وتوافق المستعمَرين مع ما يطلق عليه بابا « الكتاب الإنجليزي » (54) أي تلك النصوص القانونية في الثقافة الإمبراطورية، لكي في الأخير تتم عملية قلب لسلطتها. كما أسلم بأن التجاذب الموجود بين المستعمَر والمستعمِر مفيد جدا لفهم السجالات الحالية حول التصور الصعب للواقع الكولونيالي في فرنسا (55).

من هذا المنظور، تتموقع الهوية المنشطرة، التي طرقها بابا انطلاقا من فانون، في المواجهات التي طالت النظام المدني الجمهوري مع التمييزات العنصرية والنفي القسري، لأنها كانت ضرورية لإثبات ذاتها. تطرح هنا مسألة العرق كمكبوت لهوية وطنية تحاول مليا أن تؤكد بكل ثمن كمالها، إلى درجة إنشاء وزارة للهوية الوطنية. فلنلج الآن إلى الإشكالية، انْتُقِد بابا كثيرا كغيره من الكتاب في الحركة ما بعد البنوية الخاصة بحقل الدراسات ما بعد الكولونيالية لأنه استبعد كليا بعد الصراع السياسي المقترح من طرف فانون. لا بد من التدقيق أولا أن بابا أجاز لفانون فكرة أن سياق حالة الطوارئ الذي تواجد فيه استدعى « إجابات ثورية وتماهيات مباشرة » (56). وعلى الرغم من أن بابا لا يشاطر موقف غياتري سبيفاك التي تتكلم في هذه الحالة عما تسميه « جوهرانية إستراتيجية » (57) أي إمكانية توظيف المقولات والتمثلات ذات الدلالة الثابتة وغير التاريخية، مثل فكرة وعي التابع بالنسبة للصراعات السياسية، فإن هذه الفكرة تعد مائعة نظريا. بالنسبة لبابا، تصادف حالة الطوارئ، قبل كل شيء، الحالة العقلية للمثقف مابعد الكولونيالي الذي يجد نفسه أمام الضرورة الملحة للتفكير في النظريات إلى غاية حدودها، والتعرف على التوتر الدائم الحاصل في كنف إثباتات الهوية. ولكن، كيف تتم عملية التفكير، هنا، في مسألة التمفصل الموجود بين النظرية والممارسة كمؤشر على التحول التاريخي، وكيف نفكر في مسألة الجدل كإمكانية للتفكير في زمنية التحول؟ نطرح السؤال بطريقة مجسدة أكثر، هل يمكننا اعتبار الجدل كنظرية تسمح لنا بالتفكير في مجموع الممارسات السياسية ووجود هويات غير جوهرانية؟

يطرح بابا هذه التساؤلات في النتيجة مستشهدا بمقال يحمل عنوان « سياسة الذاتية » لتيري إيغلتون الذي يقر « بأنه لا توجد إلى يومنا نظرية سياسية، أو نظرية حول الذات، قادرة على التحكم، ضمن هذا النمط الجدلي، في التحولات الاجتماعية كانتشار وكتأكيد في الوقت نفسه -كموت وحياة الذات- أو على الأقل ليست لنا نظريات لا تنبع من فراغ قيومي » (58).

إن الجواب، أو على الأقل بداية الجواب، يكمن بالنسبة لبابا بالتدقيق في هذا الفراغ القيومي Le vide apocalyptique الذي يختبر « النفي الطلائعي –أو التجاوز- في الفكر الجدلي » (59). هنا، يمكن القول أن الواقع الذي يدل على أن التابع والكنائي غير فارغين وغير كاملين ولا يشكلان جزءا كما لا يشكلان كلا » يفتح إمكانية « لإنتاج أشياء أخرى مجاورة لا تعد فقط بمثابة انفساخ أو انزياح للذات ولكن تحلل للمواقع والفنون الاجتماعية » (61). إن هذه الهجنة تقدم مشروع الفكر السياسي بجعله في مواجهة، دون هوادة، مع الإستراتيجي والمحتمل ومع الفكر التعويضي للامفكر الخاص به » (62).
تتوافق إعادة قراءة فانون، إذن، مع مشروع معقد حول حدس « يرمي إلى أنه يتسنى في مكان ما بين الواقعي والمتخيل (…) لا تحتاج التقنيات والتكنولوجيات السياسية أن تكون مؤنسنة » (63) انطلاقا من هذا المعنى، فإن الاقتضاءات الأكثر جذرية بالنسبة لبابا في كتاب بشرة سوداء أقنعة بيضاء، تتواجد خارج الجدل إذا اعتبرنا هذا الأخير « كاسطورة إنسانوية للإنسان » (64)

إذا تفرغ بابا من تأملاته باستخلاص ما يلي » يبدو لي انه ليس المكان الذي ننتهي إليه بقدر ماهو المكان الذي لا بد أن نبتدئ منه » (65) أروم إذن، الإدلاء بإجابتين ممكنتين لتساؤل تيري إيغيلتون، واحدة تمس مشاكل التحول التاريخي، والأخرى تطال دلالة التجاذب والالتقاء مع الآخر. سأتكئ هنا على أعمال حديثة العهد ساهمت في أَشْكَلة بعض قراءات هيغل، كتبها مؤلفون في حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية.

فحسب دراسات كيا غونكولي، المتكئة على أعمال تسوناي سوريكوبرهان وسوزان بيك-مورس، لا يمكن للجدل أن يختزل في رؤية شاملة ومتمركزة أوروبيا حينما يتعلق الأمر بالصيرورة التاريخية (67). فعلى العكس، راح المؤلفون يقترحون أن الجدل يسمح بفهم الدينامية التعاقبية للتاريخ، التي أزيحت عند وجهة النظر التزامنية الخاصة بالمقاربات ذات الاستلهام مابعد البنوي. إن تزامنية النظام العلامي هذه التي ادعاها الكثيرون هي التي سمحت لهم الاهتمام با »لاختلافات » و »الانقطاعات » و »التفردات ». فحسب غونكولي، قد يفضي تثمين الانزياحات إلى نوع آخر من « الشوملة » (68). تسترجع، هنا، غونكولي بابا بحيث يتهافت نقد الزمن السانكروني لإيديولوجية الأمة على تشييء غيرية مدعاة تقابل بين « الفوضى المتسامية للشعب » و »انتظامية الأمة » (69). تبدو لي هذه القراءة خاطئة، لأنه لابد من الاستبصار، من وجهة نظر تجريبية صرف، بالنسبة لبابا، أنه لا يمكن البتة إدراك الأمة بمنأى عن إنتاجها في زمن التجربة الحصيف. بالطريقة نفسها، لاحظنا بأن بابا، أثناء مناقشته لكتاب بشرة سوداء أقنعة بيضاء، قد ركز على أن التماهي لم يكن في يوم من الأيام تأكيدا لهوية معطاة سلفا. ولأنه يشكل، فقط، سيرورة إشكالية، إنه لا يحيل أبدا على القبلي، أو على نتاج نهائي. يصبح هكذا بابا لا تاريخيا بنزر قليل لا كما تدعيه غونكولي. ولكن يبقى هنالك مشكل عويص. تتضافر، دائما، اللاتزامنية عند فانون هومي بابا مع بعد انقلابي حاضر في الوقت ذاته مع التماهيات التجاذبية للمستعمِرين والمستعمَرين. يمكننا أن نتساءل مليا إذا كان الجدل لا يسمح بالتفكير في المواقع واللحظات التاريخية المضبوطة، حيث، يتحوّل اختراق طلب التماهي الذي يؤثر في راهن العلاقات داخل المستعمرة (البعدية)، ويجرح في الوقت نفسه تماهي المستعمِر والمستعمَر، إلى طلب تساو يستهدف تحولات النظام السياسي تحت غطاء المطالبة بالحقوق (70). يبدو أن هذا السؤال يبقي فانون هومي بابا أصم، ويعيد طرح، في اعتقادي، إشكالية رسوب السيرورة الجدلية.

تبين هذه القراءة الجدلية الطريقة التي تدرك بها فلسفةُ هيغل، من حيث كونها نقطة انطلاق لا مناص منها للتجاوب مع فكر متمركز-أوروبي وشمولي، الحركةَ الجدلية للروح كغائية، أي ك » تطور حر وككل شامل بحيث تحتوي البداية على النهاية وكل لحظة تستلزم تصور الكلي وتعكس بنية معرفة الذات الخاصة بالروح (بنية التاريخ الإنساني) مع بنيته السياسية الأكثر عقلانية أي الدولة » (71). سنجد، هكذا، قاعدة لحكاية شاملة، حيث يرسم تصالح التناقضات خطاً من النمو مرادفا لعوائق تاريخ الآخر. تنسف هذه النظرة، رغم كل شيء، العنصر المحرك لهذه الحركة: نقصد بذلك السالبية La négativité. ينفتح هنا تقليد نقدي يمكن أن نتتبعه من هوركهايمر وأدورنو إلى ديريدا الذي اهتم كثيرا بالحالة التي تبين أن عند هيغل تتطلب الذاتية التي تعد بمثابة وعي بالذات والرافد الوحيد للمعرفة، وجودَ غيرية جوانية، خاصة بالتباين الأصلي للوعي (72). تتحرر، انطلاقا من هذه الفكرة، نظرة لاجوهرانية، يكون فيها التناقض جوانيا أكثر من كونه برانيا على الفكر والحقيقة، إننا أمام ظاهرة دينامية يعاد تشكيلها دائما انطلاقا من وضعية الذات وليس من جوهر ثابت. كمقابل لهذه السالبية الأصيلة، تصبح مسلمة الغاية أو الذات المطلقة للتاريخ في الفكر الهيغيلي مائعة وذات سيولة.

لكن ماهي الدلالة المتوخاة من اعتماد السالبية للتفكير في السيرورات السياسية المتضايفة مع تجاذب التماهيات عند فانون؟ حسب جوهن ك. نويس، فإن الإجابة التي يجيب فيها الجدل عن سؤال المعرفة التي تنتج عندما « يتحتم على وعي السيد طريقة في تفكير ذاته بواسطة أفكار العبيد » (73) لا تستنفذ في تركيب يتعالق سياسيا مع ميلاد إمبراطورية جديدة. لو افتقد الآخر في اللقاء بين السيد والعبد، يغدو الأمر خطيرا بالنسبة لنويس، عندما يؤخذ بعين الاعتبار « سر السالبية » الذي يبشر به « نمط هذا الافتقاد ». ما يبقى موضع السؤال هنا هو أنه في كل « افتقاد عنيف (للآخر) يبقى هنالك إصرار، أو سمة للطريقة التي يرفض بها العالم الفيزيائي وقاطنوه المغادرة » (74). وجد نويس هذه السالبية في الطريقة التي يرى بها فانون وقع الوعي الزنجي الرافض للعب دور المتماهي مع وعي الأبيض، أو الذي يلعب هذه اللعبة بشرط أن يسائل العلاقات التاريخية للسلطة. من هذه الزاوية، لا يبدو الجدل أو اللعب التجاذبي للتماهيات، التي اهتم به بابا على الخصوص، في حالة توافق(75). من جهة أخرى يمكننا أن نتساءل إذا لم تكن عملية المفهمة لرغبة التركيب والسالبية، التي لم تستطع القيام بعملية المحو، ضروريةً لمعاينة خاصية الطلب السياسي الحرة، التي تطال المساواة والتناقضات التاريخية المنتجة من طرف هذا الطلب.

لقد نجح هومي بابا في أن يستخرج جذرية سيرورات التماهي من فانون بالتركيز على الطريقة التي يخلخل أو يقلب بها التماهي المتجاذب التقابلات الزوجية المساهمة في عملية بنينة النظم الكولونيالية ومابعد الكولونيالية وتهميشاتها وآليات حفظها. ينطلق بابا من سيرورة إشكالية للولوج إلى صورة كلية – صورة المستعمَر الذي يروم أن يحل في موضع المستعمِر بالحفاظ على غيظه اتجاهه- للاستحواذ على أرضية سياسية تعبر فيها وتزيح ممارسةُ المستعمَر تصدعات النظام القمعي. إن بروز هذه الأرضية السياسية الخاصة بالقلب يتفتق من سيرورة تاريخية يراها فانون كحالة من الجدل.

قبل أن نختتم الكلام عن هذه القراءة المتميزة التي قام بها بابا اتجاه فانون، لا بد من التذكير بأن النقد الفانوني للتقابل مستعمِر/مستعمَر يمثل لحظة مؤسسة للشروع في بناء فكر ما بعد كولونيالي، حيث لا تعني « المابعد » بعديةً زمنية على الاستعمار، ولكن تعني جهدا مستميتا لتصفية هذا الاستعمار (76). بهذه الطريقة يضع نصب أعيننا المعادي للإنسية هومي بابا والإنسانوي إدوارد سعيد القيمة النقدية لفكر يقترح تصفية الاستعمار كعلاقة ذي معنيين، بحيث تتحرر في الوقت نفسه الشعوب المستعمَرة والشعوب المستعمِرة في أوروبا (77). من هذا الحضور للنظام الكولونيالي في المستعمرة والميتروبول تنبجس الرؤية النقدية التي حملها فانون عن استمرارية هذا النظام بعيدا عن حالات تصفية الاستعمار الشكلية. في هذا المضمار، يكتشف إدوارد سعيد راهنية فانون انطلاقا من اللامساواة المنغرسة داخل وبين الأمم، في حين يموضعها بابا في كنف النظام العولمي الجديد(78). هنالك سؤال ذو أهمية قصوى يطرح في ثنايا الإشكالية الفانونية الخاصة بتصفية الاستعمار، لا يزال الفكر ما بعد الكولونيالي يعالجه بطرق متضاربة بين التيارات ذات التأثير الماركسي والتيارات ذات التأثير مابعد البنوي.

لب السؤال هو: كيف تتم عملية تمفصل السيرورات النفسية للتذويت مع علاقات القوى المادية أو الاقتصادية؟ ماهي الطريقة التي تسير بها تحولات الأولى تغيرات الأخيرة؟

يعد الحل المقترح من طرف فانون هومي بابا منسجما من حيث أنه يعكس فكرا يكون فيه التذويت والتلفظ مرتبطا مع مادية الجسد الخاصة والعلاقات الاجتماعية، تاركا وراءه التقابلات الميكانيكية للنموذج الماركسي: بنية تحتية/بنية فوقية. تبقى القيمة التحويلية لتجاذب سيرورات التذويت إشكالية على الأقل في مستويين. أولا، سيناقض الحذر الإيبيستيمي المقابل للشوملة الإنسانوية بالمسلمة المضمرة، بحيث يصبح التجاذب أو انشطار عملية التماهي ذات قيمة بالنسبة لمجموع المستعمَرين، وتمتلك إذن، القيمة الكونية. إننا أمام حالة إبعاد لسلسلة كاملة من الاختلافات التاريخية تعتمد مصطلحات الجنس والطبقة والمكان. إنه لمحتمل، مثلا، أن تحليل الرغبة الذي تطرق له بابا مليا يكون قابلا للتطبيق على نخب برزت عن المعمرين، يعيشون في انسجام تام مع المستعمِرين أكثر مما يعيشون مع ذويهم الذين يشكلون ثقافة تحدد مسافة مع الثقافة والمجتمع الاستعماري. ثانيا، لا يجيب بابا عن السؤال الذي يبين الكيفية التي يتم بها التفكير في العبور من التجاذب اليومي للتماهيات إلى صياغة لطلب واع يطال المساواة المطلوبة، في لحظة تاريخية معينة، بتغيير النظام السائد. كمواجهة لهذا المشكل، يخلص نقاد ماركسيون من أمثال بينيتا باري ونيل لازاروس إلى أن تفكيك النزعة الازدواجية لفائدة العلاقات الهجينة والمتجاذبة يمنع الأخذ بعين الاعتبار الأهمية التاريخية لتكون هويات المقاومة لنظام أصلاني أو قومي (79). في نظام الأشياء نفسه، تطرقت إلى فكرة غياتري سبيفاك الرامية إلى حفظ جوهرانية إستراتيجية لتنبري إلى تفكير طارئ ضد هيمنة لا تحتمل.
لو قمنا بتتبع اقتراحات آنيا لومبا، يوجد بديل آخر، يمنعنا من مقاربة المشكل بمصطلحات التقابل بين التفكيكية والجوهرانية. إن المصطلحين يتموضعان في حقل من التوتر، حيث، لو استشهدنا بستيوارت هال : »تصبح الهوية الثقافية قضية « صيرورة » devenir أكثر مما هي قضية كينونة » (80). في هذا الإطار قمت باختبار قوة الشروط التي يتسنى فيها للجدل وبعده التحويلي تاريخيا أن يكون متوافقا مع نظرة لا جوهرانية وسيرورية للتماهي. إلى هذا الحد، بدأت أولا بوضع خط على البعد التاريخي لفكر بابا، الذي نجده مبلورا في فكرته حول إنتاج الهويات في كنف الزمن الإنجازي والسيروري. بعد ذلك صرحت بأننا نجد هذا الزمن السيروري في قراءة للجدل الهيغيلي التي تعترف بببعده السالبي المتعالق مع حضور غير قابل للانمحاء خاص بغيرية جوانية متواجدة في تشكلات الذات. كضد لهيغل، لابد من القول بأن هذه السالبية تحول دون إمكانية قيام مسلمة تطال وجود ذات مطلقة في التاريخ، ولكن من جهة أخرى، فإننا مع هيغل لا بد من الاعتراف أنه عند فانون، لا يمكن للتماهي، كفعل سياسي إستراتيجي، أن يقوم باقتصاد لرغبة التجاوز بحيث « لا يكون الزنجي، كما لا يكون الأبيض »(81). لا يطرق فانون هنا عنصرا أساسيا في الدراسات مابعد الكولونيالية ونقد المقولات المانوية، ولكن، يفتح مشغلا من التفكير يموضع إشكالية تصفية الاستعمار في مجموعة أكثر تعقيدا من الاستفهامات التي تطول العلاقة مع الآخر داخل عالم معولم.

الهوامش:
(1)Homi Bhabha, « Race, temps et révision de la modernité », in Les lieux de la culture. Une théorie postcoloniale (trad. De l’anglais) Paris, Payot, 2007 (1994) , pp. 357-385,p. 365 ((الخطوط المائلة مبثوثة في نصوص بابا.
(2) Ibid.
(3) Ibid., p. 359.
(4) Homi Bhabha et John Camaroff, « Speaking of Postcoloniality, in the Continuous Present : A Conversation », in D.T Goldberg et A. Quayson (eds.), Relocating Postcolonialism, Oxford, Blackwell, 2002, pp. 15-46, p.21.
(5) للتعرف على الدور الذي أنيط به التحليل النفسي في دراسة التمييز والاستعمار المعرفي للآخر ينظر: Psychoanalysis and colonial Subjects من كتاب Colonialism and postcolonialism d’Ania Loomba (London and New York, Routledge, 1998, pp 133-150) كما ينظر كذلك كتاب جيل دولوز وفيلكس غاتاري L’Anti-Œdipe, (Paris, Les Edition de Minuit, 1973).
(6) هنالك مقطع في بداية مقاله حول فانون يصور جيدا هذا الاهتمام، أنظر « Remembering Fanon : Self, Psyche and the Colonial Condition » (Foreword to F. Fanon, Black Skin, White Masks, London, Pluto Press, 1986) أعيد طبعه في P. Williams and L. Chrisman (eds), Colonial Discourse and Post-colonialy Theory, New York, Colombia University Press, 1994, pp. 112-123.
(7) Homo Bhabha, « Interroger l’identité : Frantz Fanon et la prérogative postcoloniale », in Les lieux de la culture, une théorie postcoloniale, op. cit., pp. 85-120 ; p. 85.
(8) Ibid., 91.
(9) H. Bhabha, « Remembering Fanon … », op. cit.
(10) Frantz Fanon, « L’Algérie dévoilée », Sociologie d’une révolution, L’An V de la révolution Algérienne, Paris, Maspero, 1968, pp. 16-47.
(11) H. Bhabha, « Interroger l’identité … » op. cit. p. 88.
(12) Ibid., p. 100.
(13) Ibid., p. 88.
(14) Ibid.
(15) Ibid., p. 91.
(16) Ibid.
(17) Ibid.
(18) Ibid., pp. 91-92
(19) Ibid., p. 92.
(20) Ibid.
(21) Ibid., p. 100.
(22) Ibid.
(23) Ibid.
(24) Ibid., p. 113.
(25) Adil Jussawalla, Missing Person, Clearing Houss, 1976, pp, 14-29 ; et Meiling Jin, « Strangers on a Hostile Landscape », in R. Cobham et M. Collins (dir) Watchers and Seekers, London, The Women’s Press, 1987, pp. 126-127.
(26) Ibid., p. 99.
(27) Ibid., p. 99.
(28) Ibid., p. 94.
(29) Ibid., p 95.
(30) Ibid., p. 96.
(31) R. Barthes, « L’imagination du signe », in Essais critiques, Paris, Seuil, 2002.
(32) Ibid., p 99.
(33) Ibid., p 98.
(34) Ibid., p 105.
(35) Ibid., p 106
(36) Ibid., p 107
(37) Ibid., p 112.
(38) A. Showstack Sassoon, Approaches to Gramsci, Londres, Writers and Readers, 1982, p. 16.
(39) Ibid.
(40) R. Barthes, « La métaphore de l’œil ». in Essais critiques, Paris, Seuil, 2002, p. 494.
(41) Ibid., 116
(42) Ibid.
(43) Ibid.
(44) Ibid.
(45) Ibid.
(46) op cit.
(47) H. Bhabha, « Interroger l’identité… », op.cit., 117.
(48) Ibid., p. 114
(49) Ibid., p 86.
(50) Ibid.
(51) Ibid.
(52) Voir « DissémiNation, temps, récit et les marges de la nation moderne », in Les lieux de la culture.. op.cit. pp. 223-266.
(53) لقراءة أوسع تطال هذه المسألة تنظر مقاربتي لهومي بابا انطلاقا من الفلسفة السياسية عند جاك رونسيير (M-B. Basto, « L’écriture dans la colonie. Penser la théorie postcoloniale avec Jacques Rancière », in Cornu et P. Vermeren (dir), La philosophie déplacée. Autour de Jacques Rancière, Lyon, Edition Horlieu, 2006, pp 441-464)
(54) Les Lieux de la culture, 171-198.
(55) ينظر بهذا الصدد مثال: P. Blanchard, N. Bancel, S. Lemaire, La fracture coloniale, la société française au prisme de l’héritage colonial, Paris, Ed, La découverte, 2005, مع النقاش الذي دار حول هذا الكتاب في N. Bancel et P. Blanchard « La fracture coloniale : retour sur une réaction » in Mouvements, n° 51 sept-oct. 2007. Pp. 40-51.
(56) Les lieux de la culture, p 113.
(57) Gayatri Chakravorty Spivak, « Subaltern Studies : Deconstructing Historiography » in Ranajit Guha and Gayatri Spivak (eds), Selected Subaltern Studies, (foreword by Edward W. Said), New York & Oxford, Oxford University Press, 1988. Pp 3-32.
(58) Terry F. Eagleton, « The politics of subjectivity » in L. Appignanesi (dir) Identity, Documents 6 de L’I.C.A., London. Institut d’art contemporain.
(59) Les lieux de la culture, op.cit., p 119/
(60) Ibid.
(61) Ibid.
(62) Ibid.
(63) Ibid., p 120.
(64) Ibid. p. 113.
(65) Ibid. p. 120.
(66) Tsenay Serequeberhan, « The critique of Eurocentrism and Practice of African Philosophy », in Emmanuel Chukwudi Eze (dir), Postcolonial African Philosophy, : A Critical Reader, Oxford, Blackwell, 1997 ; S. Buck-Morss, « Hegel and Hailti » Critical Inquiry, 26, 4, 2000, pp. 821-865.
(67) « Temporalité et critique postcoloniale », in Neil Lazarus (éd) Penser le postcolonial. Une introduction postcoloniale, Paris, Ed, Amsterdam, 2006, pp. 259-280.
(68) Ibid., p. 266.
(69) Ibid., p. 273.
(70) إنني أفكر هنا في التبادل الحاصل بين آخيل مبامبي وفرناندو كورونيل حول مسألة تخص إمكانية قلب النظام السياس لداخل العلاقات المتجاذبة بين السلطة الاستبدادية والشعب، في سياق ما بعد المستعمرة داخل إفريقيا (A. Mbembe, « The Banality of Power and the Aesthetics of Vulgarity in the postcolony », Public Culture, vol. 4, n° 2, 1992, pp. 1-30 ; F. Coronil, « Can Postcoloniality be Decolonized ? Imperial Banality and Poscolonial Power », Public Culture, vol, 5, n°1, 1992)
(71) Nina Belmonte, « Evolving negativity. From Hegel to Derrida », Philosophy &Social Criticism, vol. 28, n° 1, PP. 18-58 ; p. 26.
(72) Hegel, Phénomenologie de l’Esprit, trad, et présentation Gwendolyne Jaccyc et Pierre Jean Labarrière, Paris, Gallimard, 1993, p. 82.
(73) John K. Noyes, « Hegel and the fate of negativity after Empire » texte en ligne sans pagination : http://www.semioticon.com/virtuals/postcolonialis_2/Noyes%20Hegel.htm/
(74) Ibid.
(75) في نص آخر (« الالتزام اتجاه النظرية) من موقع الثقافة صص 55-84، راح يفكر بابا كذلك حول إمكانية وجود جدل دون « بروز لتاريخ غائي أو متعال » (64) عندما افترض الكلام عن التفاوض بدلا عن التعارض. عن طريق هذا المصطلح، يحاول الإجابة عن تحد « يرمي إلى إدراك زمن الممارسة والفهم السياسيين كفتح لفضاء قادر على قبول أو ضبط البنية الاختلافية للحظة الخاصة بالتدخل، دون المساهمة في إنتاج وحدة من التعارض أو التناقض الاجتماعي (التأكيد من عندي) » (المرجع السابق) يمكن أن نرد هنا بذكر أن السالبية عند هيغل حينما نعدها كظاهرة تأملية، أي كسيرورة من التصيُّر بواسطة التباين الذاتي، تشتغل ضد الوحدة. لابد هنا أن نضيف بالنسبة لهيغل أن السالبية تقبل معنى نوعيا ثانيا بحيث يصبح النفي شرطا لتأكيد محدد نوعي، إننا أمام تأكيد لهوية كأنها مختلفة عما يقابلها (Belmonte, op.cit., p 26) إن وحدة الذات هذه الملتحمة بقبول هذا النوع من السالبية هي التي انتقدت من طرف ديريدا (ينظر محاضرته حول مصطلح ديفيرانس المطبوعة في كتاب هوامش الفلسفة 1972) إنه من المؤكد أن بابا تأثر بهذه المحاضرة وهذه القراءة.
(76) للاطلاع على نقد يطال « مابعد » يمكن العودة إلى Anne Mclintock, « The angel of progress : pitfalls of the term –postcolonilism », Social Text, printemps 1992. Pp, 1-15.
(77) E. Said, Culture and Imperialism, London, Rondom House/Vintage, 1994 pp. 335-336. Et Homi Bhabha, « Is Fanon Still Relevant ? » préface à the Wretched of the Earth, trad. Richard Philcox, New York, Grove Press, 2005, http//archives.econ.utah.edu/archives/marxism/2005w11/msg00020.htm.
(78) E. Said, Ibid., p. 45, p. 258 ; H. Bhabha, Ibid.
(79) voir Benita Parry, « Direction and Dead Ends in Postcolonial Studies », in D .T. Goldberg et A Quayson (eds), Relocating postcolonialism, Oxford, Blackwell, 2002, pp. 66-81. Et les contributions de N. Lazarus, Penser le postcolonial, une introduction critique, op.cit.
(80) Stewart Hall, « Culture Identity and diaspora », P. Williams and L. Chrisman (eds), Colonial Discours and poscolonial Theory, op.cit. pp. 392-403., p 394. Cité par Ania Loomba, op.cit. p181.
(81) Frantz Fanon, Peau noire, masques blancs, éd. Seuil, 1952, p. 187.Frantz_Fanon

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*