الرئيسية / أخبار / لغة الحروب استراتيجية حكم لدى عمر البشير

لغة الحروب استراتيجية حكم لدى عمر البشير

Sudan voices

كلما ازداد الضغط في الداخل على النظام السوداني زاد هو من تصعيده في الخارج. ففي محاولة للتغطية على المظاهرات الشعبية ضد الغلاء وما أفرزته موازنة 2018 في السودان من أزمات متعددة طالت حياة المواطن المعيشية، اختار النظام الحاكم في السودان أن يتحدث عن جاهزية الجيش للدفاع عن البلد من التهديدات الخارجية، وهو حديث يزيد من غضب السودانيين الذين حفظوا ألاعيب نظامهم وسياسته التي تضر بالبلاد، خاصة وأن التهديد الذي تحدث عنه المسؤولون السودانيون، في إشارة إلى إريتريا ومصر، نفاه الرئيس المصري الذي أكد أن بلاده لن تخوض معارك مع “الأشقاء” مثلما نفاه مختلف الخبراء الذين جزموا بصعوبة اندلاع حرب في المنطقة أو حتى مواجهة عسكرية كتلك التي يروّج لها النظام السوداني منذ الضجة التي أثارتها زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتداعيات مشروع جزيرة سواكن.

لا شيء أهم من الاستمرار في الحكم
الخرطوم – انبرت المنابر السياسية والعسكرية والإعلامية في السودان، على ضوء التصعيد الأخير مع مصر، تدق طبول الحرب وتروّج لجاهزية القوات السودانية للدفاع عن البلاد عن رد للأخطار التي قد تتعرض لها.

وكان أحدث من تحدث في هذا السياق رئيس الأركان المشتركة للجيش السوداني الفريق عماد مصطفي عدوي، الذي قال، الأحد 21 يناير 2018، إن جيش بلاده “جاهز للتصدي لكل أشكال الاستهداف والاعتداء على الوطن”.

وسبق أن ردد هذا الحديث الرئيس السوداني عمر البشير أكثر من مسؤول سوداني. لكن كل المؤشرات تقلل من جدية هذه التصريحات، فلطالما لجأ النظام في السودان إلى الخطاب الشعبوي المتوتر لأغراض داخلية هدفها استدراج الدعم الشعبي لحكومة الائتلاف الذي يقوده حزب المؤتمر الوطني بقيادة عمر البشير.

وتؤكد صحة هذه الرؤية تنامي الامتعاض الداخلي جراء فشل خيارات البشير في تلبية الاحتياجات الحقيقية للسودانيين والمظاهرات المناهضة لقرار الحكومة السودانية برفع أسعار الخبز المستمرة منذ مطلع العام الحالي.

تقلبات السياسة الخارجية هي الخطر الحقيقي على السودان
القاهرة – شهدت السياسة الخارجية السودانية خلال العامين الأخيرين تقلّبات مثيرة للجدل، إقليميّا ودوليّا. واتخذت الخرطوم سلسلة من الخطوات المتتابعة التي تكشف عن الانتقال من تحالف لآخر في المنطقة كما تكشف عن محاولة موازنة العلاقات المتوترة مع الغرب بعلاقات متنامية مع روسيا، والسعي إلى تسوية الملفات الخلافية مع دول الجوار، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن أسباب تنقّل السودان بين المحاور المتناقضة.

يقدّم أيمن شبانة، أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية، الإجابة عن هذا التساؤل ضمن دراسة نشرها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، جاء فيها أن هذا التحوّل في توجّهات السياسة الخارجية السودانية يمثّل امتدادا للطبيعة البراغماتية لنظام الإنقاذ منذ اعتلائه سدة الحكم عام 1989، حيث دأب على تغيير خارطة تحالفاته وعلاقاته الخارجية بشكل دراماتيكي، يستعصي في كثير من الأحيان على توقّعه. لكن الجديد في التحوّلات الأخيرة أنها أصبحت تحدث بشكل متسارع على كل الجبهات بشكل متواز.

* التحالف الاستراتيجي مع إيران: بدأت العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإيران عام 1974، بافتتاح السفارة السودانية بطهران، في ظل تلاقي نظامي إيران الشاه وسودان النميري، بشأن الدوران في الفلك الأميركي، لكن العلاقات بينهما انحسرت إثر الثورة الإيرانية عام 1979، وتأييد السودان للعراق في حربه ضد إيران. ثم أخذ منحنى العلاقة في التصاعد في عهد الصادق المهدي، وصولا لمستوى التحالف الاستراتيجي في ظل نظام الإنقاذ الوطني.

* التحوّل تجاه الخليج العربي: أيقن السودان أن علاقته بإيران قد زادته عزلة وأن طهران خذلته سياسيًّا، برفضها التدخل في صراعات الجنوب ودارفور. كما أنها عرّضته للغارات الجوية الإسرائيلية في أكتوبر 2012 دون أن يكون لذلك مردود اقتصادي كبير. وتسببت هذه العلاقة في اتخاذ إجراءات عقابية خليجية ضد الخرطوم بعد استضافة سفن حربية إيرانية بميناء بورتسودان أواخر عام 2012. كما أن السودان لم يستفد كثيرا من الاقتصاد الإيراني المحاصر، فظل حجم التجارة والاستثمارات والمساعدات الإيرانية للسودان متواضعا للغاية، ولا يتسق مع تنامي العلاقات السياسية والثقافية، ولا يكافئ ما تقدّمه الخرطوم من تسهيلات لطهران. ولهذا، دأب الرئيس عمر البشير على تأكيد أنّ الحصار الاقتصادي المفروض على السودان هو ضريبة تدفعها الخرطوم بسبب موقفها من قضية القدس وعلاقتها بإيران. وكان ذلك إيذانًا بتحول السودان من علاقتها بإيران صوب توثيق العلاقات مع دول الخليج.

* توثيق العلاقات مع تركيا: توافقت رغبة النظام السياسي السوداني مع نظيره التركي على ضرورة توثيق العلاقات بين الجانبين، لا سيما مع سياسة انفتاح أنقرة على دول القارة الأفريقية، والتي تمت صياغتها قبل خمسة عشر عاما، بهدف ممارسة دور فاعل على المستوى الدولي، بعد تعثر محاولات الانضمام للاتحاد الأوروبي، واكتساب التأييد الأفريقي للقضايا التركية، والاستفادة من ثروات القارة وسوقها الواسعة.

* التحالف مع إثيوبيا: تنامت العلاقات السودانية-الإثيوبية بعد اتفاق الدولتين على الوقف المتبادل لكافة أشكال الدعم للمعارضة السياسية والمسلحة. ومع تدشين مشروع سد النهضة الإثيوبي، أمسكت السودان بالعصا من المنتصف، بعدم التوقيع على اتفاق عنتيبي، دون الاعتراض على إنشاء السد. لكن بمرور الوقت انحازت الخرطوم لأديس أبابا، فتحوّلت إلى داعم أساسي للسد.

*توازن مع الغرب: تمثّل زيارة الرئيس عمر البشير لروسيا في 22 نوفمبر 2017 الخطوة الأهم لتحولات السياسة الخارجية السودانية، والتي سعى خلالها النظام السوداني إلى إيجاد توازن جديد في علاقاته بالدول الغربية التي تعتبرها الخرطوم السبب الأساسي في ما تعانيه من مشكلات.

وجاءت الزيارة في توقيت يسعى فيه النظام السوداني إلى توسيع هامش المناورة الاستراتيجي مع الغرب، عبر الاستعانة بظهير مساند بحجم وقوة روسيا، خاصة بعد الدور المحوري الذي لعبته في سوريا. إذ يأمل في الاستفادة من ورقة الضغط الروسية في دفع الولايات المتحدة والغرب لرفع اسم السودان من لائحة الدول الداعمة للإرهاب.

ويخلص أيمن شبانة إلى أن التحوّلات السياسة الخارجية السودانية بين الدول الإقليمية المختلفة تكشف أن النظام السوداني لم يحرص على صياغة استراتيجية راسخة على المدى البعيد لسياسته الخارجية.

وتتخذ معظم تحوّلات السياسة الخارجية السودانية في إطار الدائرة المغلقة المحيطة بالرئيس عمر البشير في حزب المؤتمر الوطني الحاكم والأجهزة الأمنية بعيدا عن البرلمان، كما ترتبط أغلب تحوّلات السياسة الخارجية السودانية برغبة نظام البشير في الحفاظ على بقائه أكثر منها بالمصالح العليا للدولة السودانية.

ويؤدي تقلّب السياسة الخارجية لنظام عمر البشير إلى عدم قدرة السودان على استثمار موقعه الجغرافي في ممارسة دور إقليمي فاعل في تحقيق التواصل العربي-الأفريقي وصيانة الأمن القومي العربي، بدلا من استعداء الدول، وتهديد أمنها.

أضحى الرأي العام السودان يعتبر أن لغة الحروب ليست ظرفا طارئا بالنسبة لنظام البشير بل استراتيجية حكم وعنوان أصيل منذ “ثورة الإنقاذ” وسيطرة البشير على السلطة في البلاد عام 1985، لذلك لم تلق تهديدات عدوي آذانا صاغية بين السودانيين الذين يعانون من أزمة الغلاء وقمع السلطة لأي محاولة للتعبير عن هذه المعاناة.

وجاءت تهديدات الأركان المشتركة للجيش السوداني خلال فعالية حضرها قادة الجيش السوداني، بالعاصمة الخرطوم، حسب وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا). وقال رئيس الأركان السوداني “أؤكد على جاهزية قوات الجيش للتصدي لكل أشكال الاعتداء والاستهداف للوطن بقوة وجدارة لا تعرف الخنوع، ولا تحتمل الغفلة”.

وتؤكد دوائر سودانية معارضة أن نظام البشير عمل على استدراج الحروب الداخلية والخارجية لإطالة أمد حكمه وإشغال الجيش السوداني بمعارك تبعده عن أي طموحات تأتي بجنرال آخر إلى الحكم بعد أن أتى البشير نفسه لحكم البلاد من صفوف هذا الجيش.

ولم تستطع قوة الجيش السوداني العسكرية حسم الحرب القديمة مع الجنوب لصالح الشمال، كما لم تستطع التخلص من حركات التمرّد العسكرية التي نمت كالفطر في مناطق عديدة أثناء حكم البشير، وإن كان أشهرها ما نشط في إقليم دارفور.

وتلفت بعض المراجع الدبلوماسية الدولية التي عملت في السودان أن الخرطوم لم تستطع تسجيل نصر ساحق على قوات الحركة الشعبية بقيادة الراحل جون غارنغ في الجنوب وأن اتفاقا سياسيا وقع في نيفاشا عام 2003 هو الذي أدى إلى وقف أطول حرب أهلية في أفريقيا وتنظيم الاستفتاء الذي أدى إلى الانفصال لاحقا.

وتضيف المراجع أن إخماد كافة حركات التمرّد التي لم تنته لم يحصل إلا من خلال تفاهمات واتفاقات سياسية أَقرّت للمتمردين هنا وهناك حقهم بتقاسم ما للسلطة والثروة في مناطق التمرد وعلى مستوى البلد برمته.

وتشهد ولايات دارفور (غرب) قتالا بين الحكومة والحركات المسلحة المتمردة منذ 2003، وأعلنت الحكومة مررا، انتهاء التمرد في الإقليم، لكن الحركات تنفي. كما تشهد ولايتا النيل الأزرق (جنوب شرق) وجنوب كردفان (جنوب) قتالا بين القوات الحكومية والحركة الشعبية المتمردة منذ 2011.

رأى دبلوماسي عربي في الخرطوم أن السودان لم يستطع أن يربح معركة عسكرية واحدة تحقق لنظامه نصرا ساحقا، وأن القوة العسكرية للجيش السوداني بنيت على أساس استخدام النيران في الداخل السوداني وتأمين حماية النظام السياسي من أي تهديدات داخلية، وبالتالي فإن نظام الخرطوم ليس جاهزاً لخوض حرب كبرى على النحو الذي يلوّح به قائد الأركان السوداني.

ويضيف الدبلوماسي المتخصّص في شؤون السودان أن القوة العسكرية السودانية أقل من أن تجابه القوة العسكرية المصرية، مع العلم أنه لم يصدر عن القاهرة ما يبرر هذا الضجيج السوداني الأخير حول أخطار عسكرية مصرية تهدد البلاد من جهة الشرق.

وقال إن مزاعم الخرطوم حول نقل قوات مصرية صوب إريتريا والتي تم نفيها من قبل أسمرة والقاهرة تمثل اعترافا سودانيا ضمنيا بالرشاقة التي تتمتع بها القوات المسلحة المصرية وتفوقها مقارنة بالآلة العسكرية في السودان.

ومؤخرا، شهدت علاقات السودان مع كل من مصر وإريتريا توترا على خلفية أنباء عن حشود عسكرية من حركات متمردة سودانية داخل الجانب الإريتري من الحدود السودانية. لكن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، رد لاحقا مخاطبا السودان ودول المنطقة، قائلا إن بلاده “لا تتآمر على أحد ولا تتدخل في شؤون الآخرين ولن تحارب أشقاءها”.

غير أن التصعيد الرسمي لا يتعلق بأخطار حقيقية تترصد بالسودان بل بالحاجة إلى تبرير الاتفاقات العسكرية التي أبرمت مع تركيا وأُعتبر أنها تشكل استفزازا للقاهرة. وقد تكون في صد التمهيد من خلال هذه التصريحات لاستقدام وحدات عسكرية تركية على النحو الذي فعلته أنقرة في قطر.

وغالبا ما يطغى الارتجال على مواقف نظام البشير المتعلقة بالسياسة الخارجية، والانتهازية التي يعتمدها لجهة تغيير تحالفاته وخياراته باتت مفرطة وعلى نحو عبثي فيه كثير من قصر النظر، فيما يعدّ اللعب بين الرياض والدوحة وأنقرة والقاهرة وواشنطن وموسكو دليل قلق ينتاب الخرطوم وليس دليل عافية استقرار.

ويبدو الرئيس السوداني منذ لقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الخرطوم وكأنه يستقوي بالجانب التركي معوّلا عليه لتحسين شروطه داخل منطقة حوض النيل.

لكن، الخيار التركي، إضافة إلى بعده الانتهازي، يُعدّ ابتزازا لن تسمح القاهرة بالخضوع له، ولن يفيد السودان كثيرا بل إن حسابات الخسارة ستكون أكبر. فالخرطوم قد تخسر ما حققته في السنوات الماضية منذ أن قطعت علاقتها مع إيران وانضمت إلى عاصفة الحزم بقيادة السعودية في اليمن، وكان من ثمار هذه العودة أن استغلت القاهرة والرياض علاقتها بالولايات المتحدة وضغطتا لرفع العقوبات الأميركية عن السودان، بالمقابل جاءت مواقف الخرطوم عدائية انقلابية.

ورغم التعقيدات المحيطة بقضية سد النهضة إلا أن إمكانية الاتفاق المصري الإثيوبي واردة، وهو أمر سيضعف من وزن السودان في هذا الملف، كما أن اللعب على وتر الخلاف المصري التركي هو سلوك تدفع الخرطوم ثمنه، لا سيما أن النظام السوداني يربط مصيره بمصير تحالف مع أنقرة التي تعاني هذه الأيام أزمة أمن ووجود ودور داخل النظامين الإقليمي والدولي.

  • المصدر العرب اللندنية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*