الرئيسية / مقالات / ثم ماذا بعد فشل وزراء المالية!

ثم ماذا بعد فشل وزراء المالية!

Sudan voices

حسن وراق   
@ كلما تعلن الحكومة السودانية عن موازنة للعام الجديد تستحضرني ذاكرة الراحل المقيم الاستاذ الطيب محمد الطيب، الجامع والباحث في الادب الشعبي وما جاء في سفره العظيم بعنوان (الانداية) وهي للذين لا يعرفونها ولم يعاصرونها، عبارة عن سوق (بزينس) في ذلك الوقت، ينحصر في خدمات تقدم لطالبي المتعة من الرواد، الذين يتعاطون الخمور البلدية، خاصة ذلك المشروب الشعبي المعروف بالمريسة التي تتفاوت في نوعيتها من حيث الجودة والقوة ومفعولها باختلاف المناسبة ونوعية المتعاطين. في غالب الاحيان تعتبر غذاء و راح. الانداية هي المكان الذي يجتمع فيه الرواد وطالبي المتعة وهي اشبه في عالمنا المعاصر بالحانات ولكن بطريقة شعبية لها نظامها وقانونها.

@ تناول الباحث الاستاذ الطيب الانداية أيضا كموروث ثقافي في كافة اقاليم وقبائل البلاد وتناول ايضا، النظام الاقتصادي الذي تسير عليه الانداية وهي (مؤسسة) يتم ترخيصها من قبل السلطات المحلية مقابل رسوم واشتراطات كثيرة. النظام الداخلي للانداية كما جاء في السفر، هو حال كل الانادي، يقوم علي أيضا أعلى سلطة تمثلها شيخة الانداية وتنوب عنها الوكيلة. النظام الاقتصادي للانداية يتسم بالقدرة على المنافسة والعدالة في توزيع الريع وعدم ظلم العاملين على الرغم من ان الشيخة تقوم بكل شيء من التصديق وبناء او ايجار المقر وتهيئته وتأسيسه وشراء كل ادوات العمل ووسائل الانتاج والمثول امام السلطات المحلية والعدلية وتحمل اي مسئولية مدنية او جنائية ودفع الغرامات والتعويضات الخ ،، فالعمالة لها نصيب يساوي نصيب الشيخة في نظام الانداية الاقتصادي. .
@ علاقات الانتاج في الانداية اشبه بعلاقات الانتاج في النظام المشاعي التشكيلة الاقتصادية الاقرب للنظام الشيوعي. النظام الاقتصادي في الانداية لا يعرف المواهي كنظام اجور للعاملين من الجنسين، ولكنه نظام دقيق في تقسيم العمل بين الرجال والنساء ويقوم النظام الاقتصادي على مبدأ الحساب المشترك بين الشيخة صاحبة الانداية وبين العاملين لديها، الاتفاق ينص، بعد خصم التكلفة الكلية من العائد يذهب الريع المتبقي لصالح العامل ولا تستثني الشيخة من هذا الحساب المشترك إذ يخصص لها يوم تستأثر بعائده وغالبا ما يكون يوم السوق أو يوم جمعة علاوة على ان يقوم اي عامل بنفحها مبلغ من نصيبه عبارة عن شكر وعرفان إحتراما لهذا النظام العادل الذي يشجع الجميع على العمل بروح الفريق والحرص علي الانتاج والمنافسة ولم يعرف النظام الاقتصادي للإنداية أي ركود إو افلاس او اقتراض أو تسول طلبا لوديعة ولا حتى عجز ولا تمكين او صالح عام .

@ ميزانية 2018، نصيب الأمن والدفاع قرابة (15%) أي (23 مليار و888 مليون جنيه) بينما للتعليم 5 مليارات جنيه أي نسبة (2%) من الميزانية العامة وتمثل (20%) فقط من ميزانية الأمن والدفاع أما الصحة فقد رصد لها حوالي (3) مليار أي نسبة (1.7%) من الميزانية ونسبة (12%) من ميزانية الامن والدفاع التي تعادل حوالي (5) أضعاف ما هو مرصود للصحة و(8) أضعاف ما هو مرصود للتعليم.

@ هذه الارقام المذكورة أعلاه كفيلة بأن تكشف خطورة مشروع الموازنة علي المواطن وأنها ميزانية (حرب) لعدو لا وجود له غير الشعب السوداني الفضل الذي لا حول ولا قوة له بتحمل هذا العبء الثقيل. كل هم الحكومة هو البقاء في كراسي الحكم بمقابل تقوية ميزانية الامن والدفاع وخلق هوة ضخمة بين الامن والدفاع وبقية مكونات ميزانية الشعب السوداني الفضل من خلال الأرقام التي تضمنتها الموازنة وفي مقدمتها مبلغ (11) مليار و(507) ملايين جنيه لوزارة الدفاع و (4) مليار و(654) ملايين لجهاز الامن والمخابرات الوطني ومبلغ مماثل (4) مليار و(170) مليون جنيه لقوات الدعم السريع غير مبالغ اخري لخدمات الصحة والتعليم لهذه المرافق الامنية. خطاب الميزانية في كل عام عبارة عن خطاب انشائي تبعثرت فيه ارقام بلا مرجعية وبلا مصداقية. المشكلة ليست في اعفاء الوزير او الاشخاص لان وزراء مالية الإنقاذ، كلهم (احمد و حاج احمد) بينما العلة في (التيم) الذي يعد خطاب الموازنة لكل الوزراء المتعاقبين، يقوم التيم بعمل روتيني قوامه التلاعب في الارقام ولكنه يبقي على لغة وعبارات الخطاب المحفوظة منذ عهد الشريف حسين الهندي لا تتغير فيه غير الارقام فقط . ما يبعث علي الحيرة في خطاب موازنة الركابي، كيف لهذه الميزانية بعجزها الضخم هذا ان تحقق نموء بمعدل (3،3٪) وكل الموارد تصرف علي قطاع غير منتج في الامن و الدفاع . بعد فشل المشروع الحضاري، آن الأوان ان تبحث الحكومة عن شيخة لإدارة الاقتصاد وحتما ستنجح، ولن تفشل كما فشل حملة الدكتوراه وخبراء مدرسة الاقتصاد الاسلامي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*