الرئيسية / مقالات / عجز العاجزين على الدوام

عجز العاجزين على الدوام

Sudan voices

د. سعاد إبراهيم عيسى 

عادة الذي يكذب, يعمل أولا على التأكد من إمكانية إخفاء الحقائق التي تدحض كذبه, لكن أن يكذب ويعمل هو ذاته على كشف تلك الحقائق, لم نسمع به إلا في هذا العهد, الذي وصل إلى السلطة عبر كذبة فاستمرأها وسار على طريقها, حتى كتب عند الشعب كذابا, لا يثق في أي من أقواله أو أفعاله, وطبعا لا نعلم بما كتب عند الله.

تعودنا في ظل حكومة الإنقاذ, وعند مقدم كل عام جديد, إلى سماع الكثير من الأساطير إلى يطلقها المسئولون, خاصة تلك التي ترمى إلى ستر خيباتهم وعوراتهم التي استعصى عليهم كيفية تداركها وسترها,

فالحكومة التي عملت جهدها لفصل جنوبها عن شمالها, طمأنت المواطن بان قي ذلك الفعل كل الخير والبركة, بتخلصها من حمل أثقال ذلك الجنوب على أكتافها, والذي بذهابه ستتفرغ لحمل الشمال وحده والصعود به, بعد أن أقعده حمل الجنوب بجانبه من ذلك. وما أن زالت سكرة الانفصال وعادت فكرة الواقع, حتى تبين لها  بأنها, قد خسرت بسبب ذلك الانفصال, أهم مواردها من العملات الحرة, عائدات النفط, ومن حينها, ما من ميزانية أعلنت في عام إلا وأرجعت عجزها وقصورها إلى انفصال الجنوب,

بينما ومن جانب آخر يعلن وزير المعادن بمدينة الدمازين, أن إنتاج البلاد من الذهب للعام 2017م, قد فاق فوائد النفط قبل انفصال الجنوب , وان إنتاجه قد بلغ 100 طنا بفوائد قدرت ب 400 مليون دولارا. فيصبح السؤال إن كانت عائدات الذهب تفوق عائدات النفط في زمانها, أين المشكلة التي جعلت من الموازنة العامة في حالة عجز دائم؟

ثم أين المجلس الوطني لحل هذا اللغز ما بين شكوى الحكومة من شح إمكاناتها من النقد الأجنبي التي أرجعت إليها كل البلاوى التي يعانى منها الاقتصاد المحتضر, والتي يعيشها المواطن حتى وصلت به إلى ما هو عليه الآن؟. طبعا ندرى تماما أن للفساد اليد الطولي في كل ذلك, ولكنه لا يعف المجلس الوطني من سبر أغواره وتعريته وكشف حقيقته عسى أن تقلل من حدته. بدلا عن ترك الحبل على القارب.

غير أن السيد رئيس الجمهورية, قد نفى أن الاقتصاد السوداني يعانى من أزمة كما يحاول البعض تصويرها, بل هي صعوبات ومشكلات تتمثل في اختلال هيكلي, منذ إعلان تكوين الدولة الوطنية. بمعنى أن ما أصاب الاقتصاد من علل ومشاكل لا يجوز إرجاعه لحكومة الإنقاذ, بل هو امتداد لخلل بدأ مع بداية الاستقلال وتكوين الدولة الوطنية. وحتى ان كان ذلك كذلك, فان هذه الصعوبات وهذا الاختلال الهيكلي الذي لازم الاقتصاد اثنين وستين عاما, كان نصيب حكومة سيادته منها ثلاثين عاما, اى ما يقارب نصفها.تقريبا. مما يجعل من تحميلها نصيب الأسد منه.

ودونكم ميزانية هذا العام التي ضربت الرقم القياسي في العجز, وبصورة غير مسبوقة, ولا معقولة ولن تصبح مقبولة. ففي الوقت الذي استفحلت فيه مشاكل الحياة وتعقدت واستعصت على للمواطنين, وبدلا من تنبئ الميزانية عن  فرج لذلك, إذا بها تعلن عما تضاعف وتعمق من ذلك الضيق والتعقيد ليضاعف ويزيد من أسباب تكدير حياتهم..

.والأسوأ من كل ذلك, إحساس المواطن بأنه, رغم كل ما يعانى من بؤس وشقاء بحثا عن مجرد ما يسد رمقه, لا يجد من المسئولين ما يجعله يحس أو يشعر بتقديرهم لصبره وتحمله وتضحياته, بما يعطيه مجرد أمل في  سعي أولئك المسئولين بحثا عما يخفف من ألامه ويقلل من أسقامه. ليس ذلك فحسب, بل ولزيادة طين شقائه وبؤسه بله, فأنهم ينكرون عليه الواقع الذي هو عائشة.

السيد وزير المالية, الذي أعلن في وقت سابق للكشف عن الميزانية المحنة, بأنهم بصدد رفع الدعم تدريجيا, وقلنا بان مثل ذلك الإعلان عادة ما يؤدي إلى اختفاء وزيادة أسعار ما يتوقع تعرضه لرفع الدعم, ومقدما, ثم ستكرر الزيادة مرة أخرى بعد رفع الدعم. وقد كان. وبعد أن اشتعلت الأسواق والتهبت نيرانها, خرجت علينا وزارة المالية بإعلان تتصدر بعض الصحف, يقول بالا زيادة في أسعار الخبز والمحروقات, وان الحديث عن تلك الزيادات مجرد شائعات وهلع. وما أن يصبح الصبح حتى تصبح تلك الشائعات حقيقة ماثلة.

فالخبز تقفز أسعاره بعيدا عن إدراك أيدي غالبية المواطنين, بعد ارتفعت أسعار الدقيق لعنان السماء, لتصبح قيمة (الرقيفة الواحدة) جنيها, بدلا عن اثنين للجنيه. أما المحروقات فقد اختفت تماما عن الوجود, بترولا كانت أو غازا, فمن يطلق الشائعات ياترى, المسئولون الذين ينفون حدوثها اليوم ثم يعلنون تطبيقها غدا أم المواطنون الذين يكتوون بكل نيرانها وحدهم؟ 

أما السلع التي أعلنوا عن إعفائها من الجمارك والقيمة المضافة رحمة بالمواطنين طبعا, فما الذي يجعل من أسعارها تنفى كل ذلك؟ فما الذي جعل قيمة العدس تضاعفت بصورة رهيبة تحديا لذلك الإعلان. وتأكيدا على أن المسئولين قد فقدوا بوصلة الوصول إلى اتخاذ القرارات الصادقة والسليمة  والنافعة لمعالجة مختلف أسقام الاقتصاد العليل..

فالسيد وزير التجارة يرجع تلك التفلتات  في الأسعار, لا إلى سوء التخطيط وعجز التنفيذ, ولكن لمن اسماهم سماسرة الأسواق, ويعلن عن معالجة تلك التفلتات عبر عقد اجتماع بوزارة المالية, لوضع ضوابط للأسعار (يا دوب). وذلك بوضع ديباجة على أية سلعة تبين سعرها الحقيقي, يعنى السير على طريق سياسة الجس بعد الذبح. فهل وضع ديباجة السعر على الأدوية قد أفلحت في ضبط أسعارها أو حدت من تصاعدها, وما رأى سيادته إن كانت ديباجة السعر على السلعة وفى ذات الوقت تباع بضعفها؟ ثم ماذا عن أس المشكلة, سماسرة الأسواق ماذا ستفعلون بهم؟.

ويعلن السيد وزير المالية بأنهم بصدد مراجعة قيمة الدولار الجمركي مقابل الجنيه السوداني, التي قفزت من 6.8 إلى 18 جنيها دفعة واحدة, يعنى قرابة ثلاثة إضعافها,  وهى السبب الرئيس في جنون كل الأسعار وتصاعدها وانفلات السوق وابتعاده عن الواقع والمعقول. وبداية وعندما تم اتخاذ قرار تلك الزيادة اللامعقولة, ما الذي كان يتوقعه أولئك المسئولين بالنسبة لأسعار كل ما هو مستورد, أن تظل كما كانت أو تباع بأقل من تكلفتها؟

أما قصة مراجعة قيمة الدولار الحمركى التي أعلن عنها أيضا, فهي لا لأجل خاطر المواطن وإعادة الأوضاع لوضعها القديم رغم بؤسه, إنما هي إحدى الخدع التي يتم اللجوء إليها في مثل هذه المواقف. شاهدناها كثيرا وخبرناها جيدا. فالسلطة تحدد مدى للزيادة التي ترغب في تحقيها, ثم تعلن عن أخرى بمدى غير معقول, وعندما تحتج الجماهير ويتصاعد المشاكل. تعلن السلطات  بأنها ستعمل على تخفيضها لأجل خاطرهم,  بينما تعود بالزيادة إلى الحد الذي حددته بدابة. شاهدناها في خفض الزيادة فى أسعار المحروقات عند بدايات معزوفة رفع الدعم كمثال, ونراهن الآن, على أن السلطات ستكرر ذات البدعة. 

ودخلت الكهرباء هي الأخرى  سباق الارتفاع في الأسعار, ولكنها تفوقت على الكل بان أخذت كل الأمر بيدها, فارتفعت بأسعارها كما تريد, بل وطبقتها كما أرادت وفورا, وقبل أن إجازتها من المجلس الوطني, الذي تعلم بأنه لن يخيب ظنها  بعد أن أصبح ممثلا للجهاز التنفيذي؟

لكن المدهش العذر الذي هو أقبح من الذنب, والذي  برر به السيد وزير الكهرباء استعجاله في التنفيذ, حيث خشي بعد أن تفشى خبر الزيادات, أن يسارع المواطنون إلى شراء الكهرباء بأسعارها قبل الزيادة وتخزينها لعامين أو ثلاثة, الأمر الذي سيبطل عليه مفعول ما قرر من زيادات.

فيا سيادة الوزير, كم من المواطنين يستطيع شراء الكهرباء لنصف عام, أو حتى لشهرين فقط, مقدما, والغالبية الغالبة منهم تعجزعن شراء ما يكفيها للشهر الواحد؟ .أما الذين بمقدورهم تخزين الكهرباء بمثل تلك الأموال ولمثل تلك السنوات, هم القلة من الجماعة التي لا يعنيها زادت الأسعار أو انخفضت, بل ومن مصلحتها ممارسة هذه الضغوط الاقتصادية على المواطنين, التي كثيرا ما تزيد من سعة ثرواتهم.

ثم كيف سيتم تخزين التيار الكهربائي لسنتين أو ثلاثة, وحسب تحاربنا, فان العدادات كلما أصيبت بخلل, تخلصت من كل ما تحمل من تيار كهربائي, تبدأ بعده جدل ومغالطات تحديد ما كان بها قبل الخلل, ثم كيف لتيار عاجز عن أن يفي باحتياجات كل المواطنين الذين وصفهم السيد الوزير بان 62% فقط من جملة السكان يتمتعون بإمداد كهربائي, وكيف لتيار كهربائي تعمل وزارته على تجميعه من المواطنين ودون إرادتهم, لمقابله زيادة الطلب عليه صيفا, أن يتوفر للبيع من اجل التخزين؟

أما الذي حيرنا هو صمت الحكومة على كل المصائب والبلاوى التي جرتها هذه الميزانية الأسوأ على الإطلاق, على المواطنين  وما أضافت عليهم من أعباء ينوء بحملها الجبال, إذ لم تلجا الحكومة إلى وسائل التخدير السابقة والفارغة, التي ظلت تلحقها بإعلان أي ميزانية تعلن فيها عن رفع الدعم أيا كان نوعه, من شاكلة زيادة مرتبات العاملين. وهى الزيادة التي لا تتسق مع الخفض الذي يسببه رفع الدعم لتلك المرتبات. لكن حتى هذه المحاولة البائسة لم تلجأ إليها الحكومة, أو ربما أجلتها لتلحقها بخفض دولار الجمارك, لتفخيم الصورة التي لن يجدى نفعا.

أخيرا, الحكومة وبهذه الزيادات الفالتة على الأقل, في الغذاء والدواء, إنما  حكمت على غالبية شعب السودان باستثناء أهل الولاء طبعا, حكمت عليهم بعاجل الفناء, فهل يا ترى سيسمح لها هذا الشعب بالمزيد من البقاء؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*