الرئيسية / مقالات / الفيس بديلا للتلفزيون القومي: نقل حي لايقاعات الوطن من البوادي إلى الجبال

الفيس بديلا للتلفزيون القومي: نقل حي لايقاعات الوطن من البوادي إلى الجبال

Sudan voices

بقلم عثمان نواي   

على أنغام الدلوكة واوتار الطنابرة وأصوات الحكامات الصادحة وضرب الطبول يرقص السودانيون شرق وغربا وجنوبا وشمالا. يبدو المشهد من على صفحات الفيسبوك سواء الشخصية منها أو التي أنشأت من قبل مجموعات أو كيانات قبلية أو اجتماعية، يبدو المشهد السوداني راقصا نابضاً بالحياة من أقصى القرى إلى الجبال والوديان من كسلا إلى دار حمر إلى جنوب كردفان وغربها إلى شمال السودان، يرقص النساء والرجال بروح عفوية واحتفال بالحياة. هذا الصخب الجميل على صفحات الفيسبوك الذي يعكس التنوع والجمال الإبداعي لشعوب وقبائل السودان المختلفة لا وجود له على الإطلاق على شاشات التلفزيون القومي سواء الحكومي أو الخاص ولا حتى التلفزيونات الولائية.

ان التكنلوجيا عبر كاميرات الموبايل وخدمة الإنترنت يحمد لها انها مكنت الآلاف من السودانيين في كل بقاع البلاد من نقل صورة حية وحقيقية لحياتهم المليئة بالنغم والتناغم والايقاع والرقص والفرح. مكنت هذه الشبكة المفتوحة وهذا الفضاء الواسع على الإنترنت مكن الناس من التعبير عن أنفسهم بحرية بعيدا عن شعارات الأسلمة والفصل بين الرجال والنساء والتمييز اللغوي والديني والأثني والقبلي الذي يمارسه الإعلام القومي. ذلك الإعلام الذي يعبر عن سودان موجود في مربع الرياض كافوري المهندسين المنشية وبالعكس. حيث العمارات السوامق والاسامي الأجنبية. حيث البشرة البيضاء وخبيرات التجميل يقمن بتزيين المذيعات بعدسات لاصقة بألوان شقراء. وهو أمر مضحك فمعروف تماما أن كل الشعب السوداني عيونه عسلية كما كان يكتب في الجوازات قديما. على كل فإن هذا التلفزيون (الغير قومي) ينقل سودان آخر غير الذي على الفيسبوك.

أن السودان المنقول حياً على الفيسبوك والشعب الذي يرقص على كل أنواع الايقاعات بجمال فريد، هو سودان لا يعاني من عقد الجنس التي صنعها هوس النظام بالفصل بين الرجال والنساء وقوانين النظام العام التي فصلت الحفلات ومنعت المشي حتى في الشارع العام مع الجنس الآخر. هذه المجتمعات السودانية التقليدية على طبيعتها ومحافظتها الصارمة على حدود العلاقات الاجتماعية الا انها مجتمعات نقية ومنفتحة لا تعاني أرق الاختلاط الذي نقل إلينا من دولة الوهابية المشوهة. ان هذا الرقص الذي يتم لا يتعارض مع قيم التدين السمح ولا روح الإسلام كما يراها الشعب السوداني المسلم وليس فكر تنظيم الإخوان المسلمين المعقد والمنغلق.

لكن للأسف أن هذا التعبير المتفرد عن تنوع السودان الذي يظهر الان على الفيسبوك قد كان غائبا بشدة عن الاعلام الرسمي للدولة السودانية حتى قبل حكومة الكيزان. ولكن ما اضافه الكيزان هو البعد المتشدد دينيا الذي يحرم الرقص والاختلاط، ولكن الإعلام الرسمي السوداني لم يكن ابدا قادرا على أن ينفتح على تنوع البلاد وغناها الثقافي وظل حبيسا لعدد محدود ورمزي من الرقصات والاغنيات من الأقاليم فقط لإعطاء طابع للتمثيل لهذه الأقاليم. تماما مثلما كان يحدث من تمثيل رمزي على مستوى السياسة.

لكن من المثير للاهتمام الان ان ثورة التكنولوجيا والانترنت منحت الفرصة لكل مكونات المجتمع السوداني من التعبير عن نفسها بصدق وعكس صورة حقيقية، صورة واقعية بسيطة وجميلة لحالة الرقص والفرح والحرية ولو على مستوى ساحات الرقص في كل قرية وكل حلة وكل قوز على امتداد الوطن . وعلى اختلاف الاحتفالات من مناسبات الزواج أو طقوس الحصاد أو غيره فإن السودانيون أحياء يرقصون وليسوا أموات جامدين كما أراد لهم نظام الكيزان. السودانيون أيضا شعوب وقبائل متنوعة بلغات مختلفة وايقاعات متعددة وليسوا ثقافة ولا لغة واحدة. ان وطن بهذا الغنا بالوان الثقافات من المؤسف أن يظل حبيسا لرؤي أحادية مركزية نخبوية قاصرة ومدمرة حرمت السودان من الاحتفاء بغناه عبر مخاوفها من انعدام قدرتها على السيطرة على شعب بهذا القدر من الروح الحرة والمبدعة والمتنوعة. ولذلك استمروا في سياسات القمع ومحاولة طبع البلاد بلون واحد وثقافة واحدة. لكن المشهد من على الفيسبوك ينبئ بان الشعوب السودانية لازالت تقاوم وتحتفي بتنوعها الثقافي والفني وترقص على أنغام الحرية بلغاتها المتنوعة بلا حدود بين نساء ورجال أو صغار وكبار. وهذا هو المشهد الواقعي الذي ترفض النخب إستيعابه والذي حاولت النظم الحاكمة قمعه منذ الاستقلال إلى الان.

ولكن عصر العولمة والانترنت هو أكبر قوة داعمة الان على مستوى العالم لحرية التعبير عن الثقافات المحلية والشعوب الأصيلة واللغات المحلية. ولذلك يبدو أن هذا الحراك العالمي العفوي الذي يحي الثقافات المحلية عبر انفتاح الانترنت وتكنولوجيا الاتصالات يبدو أنه يجتاح السودان أيضا. وربما سوف تجد هذه الشعوب والقبائل المختلفة وسيلتها للتعارف واحترام الآخر من خلال الفرصة التي سنحت عبر هذه التكنولوجيا لمعرفة الاخرين عن كثب وبالتالي احترام ثقافتهم واختلافهم. وربما ما فشل فيه التلفزيون والاعلام القومي السوداني – عن سبق الاصرار والترصد – خلال النصف قرن الماضي في تعريف السودانيين ببعهضهم ربما هذه المهمة يقوم بها الآن الفيسبوك بدون اي توجيه أو تقييد من أحد.
nawayosman@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*