الرئيسية / مقالات / من الاستقلال الى الاستغلال 62 عاما من فشل الشعب السوداني في حكم نفسه..

من الاستقلال الى الاستغلال 62 عاما من فشل الشعب السوداني في حكم نفسه..

Sudan voices

د. امل الكردفاني

أليس هذا العنوان مخزيا… عام 48 كانت اليابان مدمرة تماما ، بل مسحوقة تحت وطأة قنبلتين نوويتين ، وكانت اغلب دول شرق آسيا تحت الاحتلال او في عصر الظلام … في 56 خرج الاستعمار من رقعة جغرافية كانت تسكنها قبائل متفرقة ، شعثا لا يجمعه عقال ، كان السودان منفى في العهد التركي ، خلاء ، وجاء الاستعمار وكان بالفعل استعمارا ، لقد غنى العطبراوي (عمروا الأرض اينما قطنوا) ولكن هل هذا ينسب للاستعمار أم لتلك القبائل البدائية التي كانت تعيش في هذه الرقعة والتي لم تعمر حتى شبرا في الأرض؟ انني اتساءل: مالذي فعلناه بعد ما يسمى بالاستقلال ؟ بعض الاسلاميين يعزون الفشل للاستعمار ، كعادتهم دائما ، يقولون مثلا أن المناطق المقفولة هو سبب انفصال الجنوب؟؟؟ وانا اتساءل : 62 عاما لم نستطع ان نفتح أقفال هذه المناطق…لماذا؟
خرج الاستعمار وقد حول تلك الرقعة الخالية الى دولة حديثة ، مطارات..سكك حديدية ، مشاريع زراعية قومية كبرى ، مصانع ، مدارس ، جامعات ، طرق معبدة ، اقتصاد قوي ، كان هناك فائض في الميزانية ، كان هناك قضاء رفيع على اعلى مستويات المعرفة القانونية ، برلمان ، شرطة وقوات مسلحة مدربة ومجهزة للدفاع عن الارض بما يفوق كافة الجيوش الافريقية والعربية من حولنا في ذلك الوقت ، الاستعمار البريطاني الذي كان يستنزف الهند والصين وغيرها ، كان يبني لتلك القبائل البدائية دولة حقيقية ، دولة من العدم ، منحها حدودا سياسية لم تتوفر لأي دولة افريقية او عربية بل ومتفوقة على اغلب الدول الاوروبية (واحد مليون ميل مربع) ، وفر الاستعمار أمانا داخليا عبر شرطة تتمتع بكفاءة مهنية واخلاقية عالية .
هذا الاستعمار الذي نحتفل بخروجه هو من منحنا الاطار الجغرافي والسياسي الذي كان من المفترض أن يلتئم فيه شملنا ويعقل فيه شعثنا ، وتنتظم فيه مبادئ الحق والحرية والعدالة.
ومنذ ان خرج الاستعمار ، وتولى الشعب السوداني حكم نفسه ، حتى بدأ المنحنى في الهبوط ، بل الانحدار الشديد ، بدأ بمقتل المزارعين اختناقا وانتهى بحكم الاسلامويين الارهابي . كل ما انجزه الانجليز تحول الى خراب ، وكأني بالانجليز الآن وهم يرون حاانا يتحسرون على ما انفقوا بالأمس وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . لكن هذا ليس بالشيء المستغرب ، نعم لقد منح الانجليز الشعب السوداني ادوات الدولة الحديثة ، لكنهم لم يتمكنوا من تعليمه كيفية استخدام هذه الأدوات ، كان هذا الشعب يحتاج الى عقدين او ثلاثة أخر من وجود الاستعمار ، يتمرن فيها على كيفية استخدام هذه الادوات والأهم من ذلك ان يتعلم كيف يتخلص من عقليته البدائية ، عقلية القبيلة ، وعقلية البداوة . ربما لو استمر الاستعمار لبعض الوقت لتمكنا من ان نبلغ ما بلغته جنوب افريقيا الان.. كان علينا ان نستقل مع جنوب افريقيا تماما اي في بداية التسعينات…بعد عقود من اختبار الالتزام الديموقراطي في الفكر الجمعي ، والتعود على رفض فكرة الاستحواز التي طبعت العقل السوداني منذ ما قبل المهدية.
عقولنا استحوازية جدا ، وكان هذا هو اول مخاطر أن نمنح حرية اطلاق هذه النوازع الاستئثارية داخلنا ، فالنخبة التي حكمت حكمت لتمجيد نفسها وليس لتحقيق مجد قومي ، ارتفعت اسماء ولمعت وبرقت دون ان يكون لها اي وجود ذو قيمة على الارض ، النخبة التي حكمت كانت مغتبطة بنفسها ومعتدة بذاتها كونها نخبة مثقفة متعالية على الجماهير الادنى معرفة ، ولذلك تصارعت هذه النخبة من أجل مجدها الشخصي تحت مزاعم آيدولوجية وطائفية كاذبة بل ومزيفة.
62 عاما منذ الاستقلال لم يشهد فيها الشعب استقرارا لا في ديموقراطية ولا في ظل دكتاتورية ، لا في حكم علماني ولا اسلامي ، لا في ظل ايدواوجيا ولا في ظل طائفية. اثنان وستون عاما من الانحدار والى الان لم يتجرأ أحد هؤلاء النخبة ليعلن على الملأ هذا الفشل وموت وطن.
اثنان وستون عاما من الصراعات الباردة والساخنة ، المشروعة وغير المشروعة ، وكلها كانت تدور حول نحت تماثيل صامتة لهذه النخبة ، كتب البشير في احتفائه بوالدته أنها ربت ابنائها وهاهم يدخلون التاريخ…. أي تاريخ دخله البشير ؟؟؟ ان البشير يعتقد بأنه دخل التاريخ ، أليس هذا مضحكا مبكيا، يظن النخبة نفس ظن البشير هذا ، يظنون بأنهم دخلوا التاريخ ، فهل حقا هم دخلوا التاريخ؟؟؟ إن الدولة المنهارة يا سادة … لا تاريخ لها أساسا…. التاريخ تكتبه الدول العظيمة الماردة وليست الدول القزمة ..لو كان كل من وصل اسمه الى مسامع الناس قد دخل التاريخ لكان تجار المخدرات الكبار هم اول من دخل التاريخ ، إن هذه النخبة التي تعتبر نفسها قد دخلت التاريخ هي تماما كالتلميذ الذي جاء طيش الفصل … فصار معروفا للجميع بأنه الطيش فهل دخل بذلك التاريخ؟ إن دخول التاريخ ليس بالشهرة وانما بانجاز مشاريع قومية عظيمة ، سياسية واقتصادية وثقافية …الخ …. عندما تنجز للوطن أكثر مما تنجز لنفسك ، أما ان تكون الطيش وتظن بأنك قد دخلت التاريخ فهذه لطامة كبرى ورب الكعبة.
لقد فشنا في حكم الدولة … وأول علاج لهذا الفشل هو أن نعترف به على الملأ ورؤوس الأشهاد… ليس علينا أن نفرح بالاستقلال ، لأنه كان استقلال النخبة وليس استقلال الوطن ، إن الوطن لم يستقل بعد.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*