الرئيسية / شباب وجندر / اوان الميلاد: النسوية السودانية الموجة الثالثة ..

اوان الميلاد: النسوية السودانية الموجة الثالثة ..

Sudan voices

بقلم: غادة شوقي*  

تبني هذه المساهمة اطروحتها علي ان المراة السودانية في حراكها النسوي التحررى قد شهدت موجتين صاعدتين. فقد تصاعدت موجة نهوضها الاولي مع صعود الحركة الوطنية وهدفت اساسا لايجاد صوت يمثل المراة ومطالبها المتمثلة في الحقوق المتساوية في العمل والتعليم والمشاركة السياسية والمساواة فى اطار الزواج والاسرة من خلال تعديل قوانين الاسرة (الاحوال الشخصية)،وقد شهدت زخما واضحا ميزه انضمام المراة لأول مرة للاحزاب السياسية والنقابات المهنية والذي ادي لمولد الاتحاد النسائي كصوت للمراة السودانية. وقد بلغت اوجها بالتفاف اعداد مقدرة من النساء المتعلمات حول برنامجها وشعاراتها وانجاز اجزاء هامة منها بعد ثورة اكتوبر 1964 (حاجة كاشف بدرى،الحركة النسائية في السودان،جامعة الخرطوم للنشر،2002 ).وقد مثل انتخاب الرائدة الراحلة فاطمة احمد ابراهيم في العام 1965 لحظة الهاما مفعمة لنساء السودان بولوجها البرلمان وارتفاع صوتها معبرا عن مطالب المراة وتطلعاتها من داخل برلمان تعددي منتخب ديمقراطيا.
أهتمت الحركة في صعودها الاول اهتماما أساسيا بدور المراة ومساهماتها الاجتماعية، ولم تكن مسائل الحقوق الفردية والشخصية من المسائل ذات الاهتمام المباشر في اجنداتها، اذ ان التطور الاجتماعي وقتها كان بالكاد يتيح للمرأة التواجد في الفضاء العام، فكان حتما ان تنعطف مجهودات الرائدات الاول في إيجاد صيغة تتمتع بالقبول الاجتماعي لتواجدهن في الفضاء العام ومن خلالها التأثير علي اشراطه وأدوارهن فيه.
الموجة الثانية المتمثلة في بروز عدد هام وفاعل من منظمات المجتمع المدني النسوية غير الحكومية في شكلها الحديث، والتي ارتفعت فى فترة الثمانينات من القرن الماضى (عبدالرحيم بلال،القضية الاجتماعية والمجتمع المدني في السودان،عزة للنشر والتوزيع,2005) وقد ولدت في ظرف اقل مواتاة من الناحية السياسية في ظل الشمولية المايوية,الا انه قد ميزها وجود اساس دستورى يتضمن حقوق متقدمة للمراة فى دستور 1973 مما فتح ابواب العمل والمشاركة السياسية والاجتماعية علي مصراعيها للنساء السودانيات وشريحة المتعلمات فى المدن بشكل اكبر.وقد انجزت هذه الموجة انجازات هامة في تعزيز وعي النساء وتمكينهن, وادخال مفاهيم واساليب العمل الحديثة فى التخطيط والتنظيم.كما استفادت من احتكاكها وتواصلها مع حركة حقوق الانسان والحركة النسوية العالمية فوفرت موارد وراكمت معارف هامة في اشكال واساليب العمل المتقدمة للدفاع عن حقوق المراة وقد نادت بايلاء الحقوق الفردية اهتماما مساويا للحقوق الاجتماعية والتركيز علي ان الحرية الفردية هي جزء من كل متكامل يعني بحقوق المراة/ الانسان.(فاطمة بابكر محمود,المراة الافريقية بين الارث والحداثة،كمبريدج،1995)
.
يشهد الراهن تراجعا دراماتيكيا علي مستوي مكاسب المرأة السودانية وحراكها.في واقع مواجه بتشوهات عميقة طالت المراة بقسوة وعنف وعلي الاصعدة كافة. هذه التشوهات التي أفرزها المشروع الإسلاموي الذي قام علي معاداة المراة/الانسان والعمل بكل قوة لتحجيم أدوارها وتهميشها ومعاملتها كإنسان ومواطن من الدرجة الثانية وبمنظور ديني اصولي،من خلال منظومة القوانين والسياسات وايضا باحياء الجانب الأكثر تخلُّفا في موروثنا الثقافي /الاجتماعي ، غير انه ووجه بمقاومة شرسة ومستمرة من النساء فلم يفلح في فرض مشروعه بالكامل كما سعي.
ورغم اتساع حق المرأة فى المشاركة السياسية البرلمانية باقرار الكوتة النسوية والنص علي التمييز الايجابي فى الدستور الانتقالي 2005, كأحد الإصلاحات السياسية التي أتاحتها اتفاقية السلام الشامل، الا ان الواقع يثبت تراجع الدولة خطابا وفعلا عن دعم مكاسب المراة، بل الانقلاب الكامل عليها لاشكال صريحة ومفرطة من التمييز الفردي والمؤسسي المدعوم بسلطة القانون( قانون النظام العام مثالا).رافق ذلك اتساع حجم القضايا النسوية, فقد تعمقت الازمة الاقتصادية وبرز الفقر المؤنث كظاهرة فى المدن والارياف, كما تقلصت الحقوق الاجتماعية بصعود التيارات المتشددة التي تدعو لاعادة عجلة التاريخ الي الوراء وتستهدف المراة بشكل خاص, وتوسعت دوائر النزاعات فانتشر العنف ضد المراة , وتصاعد بشكل غير مسبوق ،واتسعت بذلك القضايا النسوية وتعقدت وتشعبت.
تدعو هذه المساهمة لتصعيد حركة المراة السودانية فى موجتها الثالثة من خلال ترسيخ وتوطين الفكر النسوي التحرري القائم علي مباديء العدالة والمساواة. ولبناء وتعزيز التضامن بين فئات النسويات السودانيات لمواجهة الكم المتشعب من القضايا والمسائل الملحة. تبني أطروحتها علي ان الجماعي والفردي يتكاملان ويتعضدان في اطار منظومة الحقوق، لإنتاج وعي وواقع متصالح بين حق المراة الانسان الفرد في الوجود والحريّة والكرامة والمشاركة، وحق الكل (المجموعة،الاسرة ، المجتمع) في التنمية والحريّة والرفاه.تراهن علي انه قد ان الاوان لتعميق الحوار والفعل لجني ثمرات عقود من الحراك النسوي التحرري السوداني وذلك بإنتاج رؤية نسوية سودانية تحتشد بها قوي النساء حول موضوعاتهن واجنداتهن الاستراتيجية. ياتي ذلك كحاجة انية واستراتيجية ملحة للنساء السودانيات ولرفد العمل الوطني الهادف للتغيير وإعادة البناء.ويتم ذلك علي مستويين: تجذير الوعي النسوى من خلال تعريف وتوطين المفاهيم النسوية، وتحشيد وتحريك النساء ومساندينهم من قوي اجتماعية وتكوينات سياسية وأفراد للعمل معا من اجل تحقيق اجندات متقدمة للمراة السودانية.
وهي تبني علي أهمية ترسيخ إرث النسوية السودانية من خلال عملية اعادة تقييم بناء، تطرح توطين مفاهيم منع التمييز و المساواة والعدالة في إطرها الشاملة واساليب عملها المحدثة والتي طورتها الحركة النسوية العالمية ومنظومتها الحقوقية. ترتكز في طرحها وأساسها النظري علي معايير حقوق الانسان الدولية والإقليمية وما إضافته الاجتهادات النسوية في مجالات الدين والثقافة والمجتمع والتاريخ والعلوم والقانون وغيرها. وتهدف للتوجه للنساء السودانيات والشابات باختلاف أعمارهن وانتماءاتهن، وتخص بخطابها الفئات التي تنشط في دفع الاجندة النسوية التحررية بوعي نسوي متقدم داخل الاشكال والتنظيمات القائمة جنبا الي جنب مع المجموعات التي تقع خارج دائرة الفعل الجماعي حاليا رغم وعيها النسوي بذاتها وسعيها لتحقيق مطلوبات تحررها ومشاركاتها علي الصعيد الفردي.
تستند الاطروحة علي ان التيار النسوي التحرري قد اسسته مبادرات النسويات السودانيات الاول في زخم العمل من اجل التحرر من المستعمر وادماج اجندات تحرر المراة كجزء هام في عملية البناء الوطني الشامل. وقد استمر التيار النسوى التحرري فى المدافعة والمنافحة عن اجندات المراة وفى اتساق تام مع الاجندات الوطنية. وقد شهد احوالا من الهبوط والصعود تبعا لنهوض وصعود الحراك الوطني العام وفي تاثر طردي مع اتساع مساحة الحركة والفعل والمرتبطة بدنياميك الفضاء السياسي والاجتماعي المتاح. تبني هذه الاطروحة علي انه لابد من انتاج رؤية جديدة تصعد باطروحات التيار النسوي التحرري الي غاياتها في تحقيق العدالة والمساواة. فلقد تقدم الفكر النسوى العالمي طارحا مفهومي العدالة والمساواة ليتضمن العمق والترابط والشمول، وقد انعكس ذلك بوضوح علي تطور الاطر المتعارف عليها عالميا لتحقيق المساواة مثل اطار عمل بكين او اجندات التنمية المستدامة. والذي يطرح الحقوق الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية فى اطار تنموي شامل ومتقدم.وقد اسس ذلك علي مواثيق حقوق الانسان التي سعت لمنع التمييز الفردي والمؤسسي من خلال مباديء المساواة امام القانون من جانب، غير انها مضت ابعد لبناء المساواة فعليا من خلال “التدابير المؤقتة الخاصة” فيما يعرف اصطلاحا بالتمييز الايجابي لتعويض الاقصاء التاريخي واستبداله بترسيخ وتعزيز المساواة . في ايجاز غير مخل فان منظومة حقوق المراة العالمية قد توجهت بالكامل لشمول الاجندة النسوية وتوسيع مجالات عملها لتغطي السياسي الاجتماعي الاقتصادي الثقافي متجاوزة بذلك مفاهيم التقسيمات الكلاسيكية للحقوق “اساسية وغير اساسية،او تقسيمات حقوق سياسية/ مدنية تعطي اولوية في مقابل حقوق /ثقافية/اجتماعية تدخل في عداد القوانين الناعمة من حيث التنفيذ.او ربط المراة وقضاياها بالفضاء الخاص حصرا (البيت والاسرة).هذا الشمول والاتساع يتضمن احتياجا مستمرا لتوسيع افق القضايا النسوية المطروحة بتجديد أطروحاتها وتوسيع دائرة عملها وفعلها النشط.
تعقد القضايا النسوية المطروحة وتوسيع دائرة التفاعل فى دعمها يطرح بقوة اهمية الاسلوب او الطريقة في تجديد اجنداتها وتحديد توجهها الاستراتيجي، ولذلك تكتسب عملية صياغة الاجندة النسوية التحررية اهمية لاتقل عن الاجندة نفسها.فليست هذه دعوة “لاعادة انتاج العجلة ” او القطيعة مع ماتم انتاجه محليا او عالميا من فكر ورؤى نسوية تحررية ، او إنكار قيمة ما أنجز وتحقق، ولكنها دعوة لصياغة اجندات نسوية تحررية مواكبة تقوم باعادة النظر والتفكير فيما هو بين أيدينا من تراث نسوي واستنباط رؤي متقدمة من خلال عملية تفكير جمعي نشحذ بها مقدراتنا وادواتنا المعرفية النسوية ونستنهض بها طاقة التفكير والعمل الجمعي القصوي. يتم ذلك باستخدام أدوات ومعارف وخبرات تحت أيدينا من بحث علمي وتحاور بناء ، واخذ خلاق من تجاربنا المحلية وتجارب حركة المراة وتياراتها في الإقليم وباتساع العالم .
تاخذ هذه العملية في الاعتبار الاختلافات والتنوع بين الفئات النسوية السودانية المختلفة وتعتبره مصدر قوة والهام لتنويع الفعل وتوسيع المجالات والبناء علي ارضية من الفرص والمزايا المتعددة. كما تعي في سعيها هذا التحدي الماثل في الصعوبات الكبيرة امام بناء تيار نسوي واسع في ظل غياب حرية التعبير والتنظيم وتباين المصالح والمواقع الاجتماعية، وتري المهدد الماثل في صعود الفكر الديني المتشدد الذي يحد مساحة تحرك النساء ومجال فعلهن ولا يتواني في ممارسة العنف المفرط في مواجهتهن،غير انها تراهن علي مقدرات النساء السودانيات وجدارتهن والتي تمثلت في معركة إثبات الوجود المستمرة التي كللتها نجاحات بارزة في مجالات علمية وعملية هامة في داخل البلاد وخارجها.وميزتها القدرة علي تطوير أساليب للتغلب علي القمع والاستمرار في الوجود بل المبدأة في الفضاء العام وبثقة وقدرة غير مسبوقة، وقد اكتسبن ثقة مستحقة من خلال اتساع مجالات العمل أمامهن والمساهمة في كافة المجالات مما يؤكد توفر القدرة والمرونة لاختراق الواقع المعقد.سانحة اخري تتمثل في اختراقات قد حققتها أساليب الاتصالات الحديثة بما يتجاوز الموانع والحدود والذي هيأ الفرصة لخلق شبكات ومنابر نسوية في الاسفير المفتوح تناقش شتي الموضوعات بانفتاح وجراءة طرح لاتخطئها عين.فرصة ثالثة تتمثل في توفر القدرات القيادية المتقدمة للمرأة السودانية في سعيها التحرري والتي راكمتها النساء السودانيات من خلال العمل المهني و السياسي المنظم وايضا من خلال التدريب وبناء القدرات في منظمات المجتمع المدني وشبكات ومبادرات التضامن وبناء السلام ،وايضا من خلال الخبرات المتقدمة والاحتكاك علي المستوي الدولي بانخراط عدد لايستهان به في الهيئات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق المراة ،وايضا من خلال الكم المعرفي الناجم عن التعلم المتبادل مع نساء العالم من خلال الهجرة والسفر والمشاركات الخارجية.
تخلص مساهمتي هذه الي ان هناك ظروفا موضوعية محفزة تكشف عن حاجة ملحة لميلاد ثالث للحركة النسوية السودانية بأطروحات نسوية تحررية كلية وبمدخل حقوقي ملائم، وقالب مواكب يتميز بالمرونة والاتساع، وبزخم وحيوية يتيحهما تعقد القضايا واتساع اطرها وتنوع مشارب مناصراتها من نساء ورجال، فهل نتقدم؟

* خبيرة حقوقية ومستشارة دولية
ghadaa.shawgi@gmaill.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*