الرئيسية / مقالات / الهوية والعنف “نحو قراءة جديدة لموقف فرانز فانون*

الهوية والعنف “نحو قراءة جديدة لموقف فرانز فانون*

Sudan voices

بقلم الزواوي بغورة *   

 

“أشعر أنّ القراءة الكبرى لعمل فانون لم تتم بعد (…)، وأعتقد أنّ قراءة فانون كمفكر متجانس لم تجر بعد”.

إدوارد سعيد، الهوية تعددية، والمنفى حقل كريم.

يُعتبر فرانز فانون وجهاً بارزاً في الدراسات التي تُعرف منذ فترة بالدراسات ما بعد الاستعمار، بل لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّه يمثل الشخصية المحورية في هذه الدراسات.[1] وبالنظر إلى تشعب وتشابك القضايا العديدة التي تطرح حول هذا المفكر والمناضل، فإننا سننظر في موضوع مركزي سواء بالنسبة لنصوصه، أو بالنسبة للمجال الجديد المُسمّى بالدراسات ما بعد الاستعمار، ونعني بذلك الهويّة وعلاقتها بالعنف.

أولاً: في القراءة الجديدة

لا يمكن الشروع في قراءة مدوّنة فرانز فانون، ما لم ننظر على الأقل في قراءتين أساسيتين: الأولى ذات توجّه وجودي مثلها جان بول سارتر ضمن ما سمّاه بالاستعمار الجديد (néo-colonialisme)[2]، وعرضها في المقدمة التي كتبها لكتاب فرانز فانون: معذبو الأرض، شكلت منطلقاً لعدد كبير من الدراسات والأبحاث. والقراءة الثانية تنتمي إلى الدراسات ما بعد الاستعمار (post-colonialisme) التي يمثلها مجموعة من المفكرين في هذا الحقل الإنساني الجديد، ومنهم على وجه التحديد: إدوارد سعيد[3]، وهومي بابا[4]، وأشيل مبا[5].

والسبب الذي يدفعنا إلى إجراء هذه المحاولة الأوليّة هو أنه على الرغم من الأهمية التي يعرفها هذا المفكر والمناضل من أجل التحرر والحريّة في الفكر العالمي، إلا أنه لم يلق بعدُ في الفكر العربي عموماً، وفي الفكر السياسي على وجه التحديد، المكانة المناسبة التي يتمتّع بها في الدراسات الغربية المعاصرة، رغم أهمية أفكاره وآنيتها بالنسبة للثقافة العربية المعاصرة. ويزداد الأمر إلحاحاً إذا نظرنا إلى مكانته في الدراسات الاجتماعية والسياسية والتاريخية والفلسفية في الجزائر التي لم تقدّم إسهاماً نظرياً يسمح بالحديث عن مقاربة عربية أو جزائرية خاصة بفكر فرانز فانون، رغم الاحتفال الدوري بمآثره والإشادة بمواقفه، وتسمية العديد من المؤسسات والشوارع باسمه من قبل الجهات الرسمية الجزائرية، ولكنها لم تسهم في نشر أعماله ولا في ترجمتها، ولا في دراستها في الجامعات الجزائرية. وما تزال معظم الدراسات المكتوبة باللغة العربية حول هذا المفكر تتّصف بالمحدودية، وتُستخدم إمّا كشهادة تاريخية على الثورة الجزائرية، أو تبرز علاقة فانون بها[6]، أو تخضعه للقراءة التي قدّمها جان بول سارتر في مقدمّة كتاب: معذبو الأرض[7].

وإذا كنا لا نستطيع الحديث عن دراسات عربية متميزة حول فكر فانون، فإنه يجب الإشارة إلى أنّ أهم كتبه قد تُرجمت إلى العربية[8]. وعليه، فإنّ ما دعا إليه إدوارد سعيد في كتابه: الثقافة والإمبرياليّة، والمتمثل في ضرورة إنجاز دراسة شاملة حول فكره، ما يزال في تقديرنا مطلباً قائماً بالنسبة للفكر العربي المعاصر عموماً، والفكر الجزائري على وجه التحديد، وليس بالنسبة للفكر الغربي الذي يحتلّ فيه فكر فانون مكانة رائدة، بل لا نبالغ إذا قلنا إنّه مطلب ضروري بالنسبة للثقافة الجزائرية المعاصرة التي اهتم بها فانون في وقت مفصلي من تاريخها، ونعني بذلك بالطبع الثورة التحريرية ومآلها.

ومما لا شك فيه، أنّ ما قدمه إدوارد سعيد في كتابه: الثقافة والإمبرياليّة، وفي عدد من حواراته، يشكل إسهاماً أساسياً في دراسة فكر فانون في الثقافة العربية المعاصرة، إلا أنه يجب الإشارة إلى كون تلك القراءة قد تميزت بتوظيفها لطريقة فوكو في تحليل الخطاب، وبقيامها بنوع من المماثلة بين فانون وفوكو. وإذا كان من المؤكد أنّ إدوارد سعيد قد استلهم فوكو في كتابه: الاستشراق، وتمكّن من تقديم قراءة جديدة ومنتجة، فإننا نعتقد أنّ توظيف طريقة فوكو في قراءة فانون، كما عرضها في كتابه: الثقافة والإمبرياليّة، لا تسمح بتحقيق قراءة منتجة وشاملة لفرانز فانون، وذلك بسبب عملية المماثلة التي أجراها بين الفيلسوفين.

فعلى سبيل المثال يستحضر إدوارد سعيد في قراءته لفانون كتابه: معذبو الأرض، ويقارنه بما قدّمه ميشيل فوكو في كتابيه: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، والمراقبة والمعاقبة، حيث قال: “ثمة مسألة مهمة، وهي أنّ كتاب فانون كان نتيجة نضال جماعي، بالمقارنة مع كتاب فوكو(…). فقد تطّرقا لا إلى أنظمة الإقصاء فقط، بل إلى أنظمة التقييد. الصورة الأقوى في كتاب فانون هي صورة المدينة الكولونيالية.. إلخ”[9].

ثم إنّ ما خلص إليه من ضرورة إيجاد نظرية جديدة للثقافة تكون ترجمة لحرب التحرير[10]، لا تستطيع طريقة فوكو أن تقدّم الوسائل الكافية لها، وذلك بحكم إحجامها عن تقديم البدائل النظرية، وبسبب إعطاء الأولوية للممارسات والنقد على حساب النظرية والتأسيس.

والحق، فإننا نستطيع القول إنّ معظم القراءات التي أنجزت حول مدونة فانون قد توقفت عند كتابه: معذبو الأرض، ولم تلتفت إلى بقية كتبه ونصوصه الأخرى. ينطبق هذا الأمر على معظم القراءات التي أنجزت في حقل الدراسات ما بعد الاستعمار، وكذلك على فلاسفة الاعتراف الذين اهتموا بفرانز فانون، وبخاصة الفيلسوفين شارل تايلور وإكسال هناث.

فقد أشاد شارل تايلور بأهمية كتاب: معذبو الأرض في تحليله لسياسة الاعتراف، وأكد على دوره في صياغة مفهوم الهويّة بما هي اعتراف متبادل بين الأنا والآخر، وضرورة التحرر من الاعتراف المزيف أو المشوّه، وإقراره بأنّ فرانز فانون يمثل مفتاحاً للحالة الانتقالية، أي الانتقال من الاعتراف المشوّه إلى الاعتراف الحقيقي. وأنه شخَّص تشخيصاً نقدياً ذلك السلاح الذي يستعمله المستعمر والمتمثل في فرض صورة نمطية على المستعمرين. وبيّن أنه لكي يتحرّر المستعمَر عليه أن يُحرّر نفسه من تلك الصورة الدونيّة والمشوّهة، ويمثل العنف وسيلة فعّالة في هذا التحرر. ولقد تحولت هذه الفكرة الخاصة بالتحرر من الصور المفروضة والنمطية إلى أداة حيوية في الاتجاهات النسوية والتعدد الثقافي[11].

ولم يزد إكسال هناث بدوره عن الإحالة إلى كتابي فانون: معذبو الأرض، و: بشرة سوداء وأقنعة بيضاء[12]، مستلهماً قراءة سارتر في تأسيس فلسفة الاعتراف، ومتخذاً منها نموذجاً للقراءة الخاصّة بفرانز فانون، وذلك على الرغم من أنّ القراءة الأولية لنصوصه تبين أنّ مسألة الاعتراف قد شكلت إحدى الموضوعات الأساسية في كتاباته، ومن أنه قد قدّم إسهاماً مميزاً في معناها، وذلك منذ كتابه الأول: بشرة سواء وأقنعة بيضاء.

ثانياً: في قضية جدل السيد والعبد:

وإذا كان من المعروف أنّ نظرية الاعتراف، بما هي نظرية في العدل الرمزي والمادي قد تأسست من خلال قراءة هيغل، وبخاصة في موضوع ما يُعرف بجدل السيد والعبد الذي شكل موضوع نظر عند مختلف فلاسفة الاعتراف الذين توقفوا عنده بالتحليل والنقد والاستنتاج، وبخاصة شارل تايلور في كتابه: هيغل والمجتمع الحديث 1979، وإكسال هناث في كتابه: الصراع من أجل الاعتراف، وبول ريكور في كتابه: مسار الاعتراف. وكان ألكسندر كوجيف (Alexandre Kojeve) (1902 – 1968) في كتابه: مدخل إلى قراءة هيغل قد سبقهم إلى طرح موضوع السيد والعبد الذي صاغه هيغل بين سنوات (1802 – 1807) حيث كان يدرس في جامعة (يينا). وقد وجد تعبيره الكامل في كتابه: فينومينولوجيا الروح، حيث احتلّ مفهوم الاعتراف مكانة مركزيّة.

وفقاً للعديد من الدراسات حول هذا الموضوع، فإنّ هيغل قد جعل الاعتراف في صلب الفلسفة السياسية[13]، وسجّل حضوره في ثلاث لحظات: الأولى متصلة بفكرة القانون، والثانية بالعدالة، والثالثة في رفض الاعتراف (déni de reconnaissance).

ويُعتبر فرانز فانون من المفكرين الذين لم يكتفوا بتفسير وشرح موقف هيغل، وإنما أضافوا لجدلية السيد والعبد جدلية جديدة هي جدلية السيد والزنجي. وجاء ذلك بشكل صريح في عنوان الفصل السابع من كتاب: بشرة سوداء وأقنعة بيضاء، وهو: الزنجي والاعتراف، حيث قسمه إلى قسمين: الأول بعنوان: الزنجي وإدلر، والثاني: الزنجي وهيغل. ويعنينا بطبيعة الحال النظر في هذا القسم الثاني الذي بدأه باقتباس من كتاب هيغل: فينومينولوجيا الروح.

يرى فانون أنّ الإنسان لا يكون إنساناً إلا عندما يفرض نفسه على إنسان آخر بهدف الاعتراف به، وأنه إذا لم يكن هنالك اعتراف حقيقي من قبل الآخر، فإنّ هذا الآخر سيبقى موضوعاً للفعل. لماذا؟ لأنّ بالآخر، وباعترافه تتوقف قيمة الإنسان وحقيقته الإنسانية. ولكن ما لاحظه فانون هو أنّ هذا الانقلاب في العلاقة بين السيد والعبد من خلال الاعتراف إنما كان مجرد انتقال من نمط معين إلى نمط آخر، وليس من حياة إلى حياة أخرى.

ويشبّه هذا الانتقال بالمريض الذي يقرر الطبيب أنه قد شفي، ولكنّ ذلك لا يمنع من معاودة المرض. وهذا يعني أنّ فانون يهتم بالحالات التجريبية وبالوقائع العينية أكثر من اهتمامه بالافتراضات النظرية أو المثالية، وبذلك يتقدم في تقديرنا إلى طرح ما أصبح يُسمى في نظرية الاعتراف بتجارب الظلم واللّامرئي والذل.. إلخ.

والحق، فإنّ فانون يتقدم بأطروحة جديدة مؤداها أنّ العبد الزنجي لم يناضل من أجل الحرية، وإنما السيد الأبيض هو الذي اعترف به في لحظة معينة، لذا فإنّ الزنجي لا يدرك قيمة الحرية، وأنه عندما يناضل من وقت لآخر من أجل الحرية والعدالة، فإنّ الأمر يتعلق دائماً بالحرية والعدالة كما يفهمها الرجل الأبيض. وهذا يعني أنّ فانون يدعو إلى قلب كامل، ليس للأوضاع والمستويات الاجتماعية والثقافية والمنزلة القانونية، وإنما إلى قلب الفكر نفسه معتمداً في ذلك على رأي فيخته من أنّ الأنا تفرض نفسها بالمعارضة، ولكن يجب النظر إلى هذه المعارضة من زاويتين: زاوية تقول نعم للحياة وللحب وللكرم، وزاوية تقول لا لإذلال الإنسان أو استغلال الإنسان أو احتقاره، وكّل ذلك من خلال ما يسمّيه بالفعل أو الممارسة[14].

ثالثاً: في الهوية والعنف:

تشكل هذه القراءة الأولية لمنزلة الاعتراف في فلسفة فرانز فانون في تقديرنا مدخلاً مناسباً لدراسة موضوع الهويّة والعنف الذي كرّس له فانون جهداً كبيراً ومكانة واضحة في مختلف أعماله. وقد ساعده في ذلك تكوينه العلمي كطبيب نفسي وقف لسنوات في مستشفى (بليدة) بالجزائر الذي أصبح يُسمّى باسمه عند تجارب نفسية عديدة تعاني أزمة في الهوية، ثم انتقاله إلى عالم النضال السياسي في صفوف جبهة التحرير الوطني حيث نظر في الهويّة الجماعية لإنسان العالم الثالث.

ولا يتّسع المجال لمناقشة مختلف عناصر هذا الموضوع، وإنما سنتوقف عند بعضها، آملين أن ننجز لاحقاً عملاً متكاملاً. وممّا لا شك فيه أنّ أول عنصر يجب الإشارة إليه هو العنصرية التي كانت تتملكه مرارتها طوال حياته. يقول: “عندما أتحدث إلى من يحبونني يقولون إنهم يحبونني على الرغم من لوني، وحينما أتحدث إلى من يكرهونني يعتذرون بأنهم يكرهونني بسبب لوني. وفي الحالتين أجدني حبيس الحلقة اللعينة إياها”[15].

وإذا كانت العنصرية ظاهرة مرئيّة ويمكن إدراكها وإدانتها وتجاوزها، فإنّ هنالك صوراً أخرى تتخذها الهويّة توقّف عندها كثيراً فرانز فانون بالتشخيص والنقد. وأهمّ هذه الصور هي صورة الاستلاب/الاغتراب. فقد وصف الإنسان الزنجي، وبخاصة القادم من جزر المارتنيك موطنه الأصلي، بأنه: “يفعل كل ما بوسعه حين يصل إلى فرنسا لكي ينفي هويته الزنجية، فتراه يقول متباهياً: إنّ الزنوج إفريقيون، أمّا هو فإنسان مهذّب تشرّب الحضارة الأوربية، وإن كان ملوّناً”[16].

وهذا يعني أنّ هذا الزنجي لا يعطي أهمية للون البشرة، واضعاً على وجهه قناعاً أبيض، في حين يراه الأبيض مجرّد دمية مضحكة ترطن بالفرنسية. وقد يتخذ هذا الاستلاب أشكالاً عديدة، منها ما يسميه بـ (العصاب الجنسي الأليم)، ويظهر ذلك في سلوك الزنجي عند وصوله إلى أول مدينة أوروبية، حيث يقصد أول بيت للبغاء لممارسة الجنس مع امرأة بيضاء، وذلك لاعتقاده، كما يقول فانون: “عندما تداعب يداي تلك النهود البيضاء أحسّ بأنهما تمسكان بالمدينة والكرامة البيضاء وتجعلانهما ملك يدي”[17].

ولقد ذهب الإنسان الأبيض بعيداً في تأكيد هذه الرغبة الجنسية الجامحة للإنسان الزنجي، وذلك عندما ربطه بجملة من الصور النمطية، منها على وجه التحديد، الزنجي الملاكم صاحب التركيب البيولوجي الصلب، وصاحب الفحولة الجنسية، والتفوق الرياضي، والوحشية، والمحب للخطيئة. ويقدّم فرانز فانون نسباً مذهلة حول هذه الصور النمطية التي يصل اقتناع الإنسان الأبيض بها إلى نسبة 60% من مجموع العينة التي درسها. وعلق على هذه النسبة بملاحظة نابهة مؤداها أنه لو لم يكن هو الذي أجرى هذه العينة بوصفه زنجياً لكانت النسبة أعلى بكثير. وعليه، فإنّ الصورة النمطية التي تشوّه هويّة الزنجي وتحصره في الفحولة والخطيئة، والتي لا تماثله إلا صورة اليهودي المحب للمال والخديعة، تُعدّ صورة صريحة للاعتراف المشوّه.

وفي تقدير فانون، فإنّ تفسير سلوك الزنجي المصاب بالعصاب الجنسي، والذي يخضع للصور النمطية للإنسان الأبيض لن يكون إلا بالتحليل النفسي الذي يعني في هذه الحالة البحث عن التعويض. إنّ الزنجي العاجز عن تحقيق ذكوريته اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً يعوّضها بالرياضة والجنس. ولا فرق في ذلك بين الزنجي والزنجية، فكما يبحث الزنجي عن المرأة البيضاء، كذلك تبحث الزنجية عن رجل أبيض، وعن ولد مهجن يميل إلى البياض أكثر مما يميل إلى السواد. وهذا يعني أنّ الزنجي يعاني من عقدة (التبييض) كما قال.

إنّ هذا الاستلاب الذي يعاني منه الإنسان الزنجي ومن يماثله في الوضعية الدونية والمنزلة القانونية، ما كان من الممكن وضع حد له، سواء بنقده أو تجاوزه، لو لم يتمكن بعض الأفراد من الانعتاق منه والتحرر منه، بحيث أصبحوا بالنسبة للزنجي أولاً، ولبقية المستعبدين في العالم ثانياً، نموذجاً في التحرر. ومن هؤلاء الذين توقّف عندهم فرانز فانون الشاعر والكاتب والمناضل المارتنيكي إميه سيزار الذي قال ذات يوم: “ما أجمل أن يكون الإنسان أسود”! وبهذه العبارة تمّ الإعلان عن عودة الوعي وإدراك الهويّة.

وإذا كانت هذه العبارة قوية في دلالتها الرمزية، فإنّ تحقيقها على مستوى الواقع يحتاج إلى خطوات عملية. ويمكن القول إجمالاً إنّ المسار العام للوعي السياسي عند فرانز فانون قد مرّ بمرحلتين: الأولى قوله بالاتحاد بين الرجل الأبيض والرجل الأسود، ولكنه تبيّن له أنّ هذا الاتحاد يعني عند الأبيض: (أن تصبح مثلي)، كما قال. في حين أنّ الرجل الأسود يستحيل أن يصبح مثله، ومن هنا تبدأ حركة التحوّل نحو التحرر، وتظهر الحاجة إلى الاعتراف.

ولا تختلف حالة الزنجي عن حالة المستعمر، فكلاهما في نظر الرجل الأبيض الذي هو المستعمر يخضعان للنظرة العنصرية والدونية. فإذا كانت العنصرية تجعل الإنسان الزنجي عبارة عن وحش يحب الخطيئة، فإنّ المستعمر أو الأهلي قد تمّ تحويله من قبل السياسات الاستعمارية إلى (حيوان/ دابة) أو إلى (شيء/ جماد). والاستعمار بما هو نظام قائم وفريد من نوعه يخلق شعوراً قوياً ودائماً بالنقص في نفوس الشعوب المستعمرة، لذا فإنّ الخروج من هذه الوضعية أو الحالة لا يمكن أن يتمّ في نظره إلا من خلال العنف.

ومعلوم أنّ كتاب: معذبو الأرض، يتضمن طرحاً جديداً لموضوع العنف يصعب الإحاطة به في هذا المقال. ويكمن مصدر هذه الصعوبة من جهة في أنّ الكتاب، وكما وصفه بحق بعض الدارسين، يُعدّ: “من أعظم الوثائق السياسية في عصرنا”[18]. ومن جهة أخرى، فإنّ موضوع العنف نفسه قد أثار العديد من المناقشات التي تحتاج إلى دراسة قائمة بذاتها سواء ما تعلق بطبيعته، أو بعلاقته بأشكال العنف المختلفة أو بمصادره، أو بجدواه، وذلك حتى نجلي حقيقة موقف فرانز فانون منه. وعليه، فإننا سنكتفي بالإشارة إلى موضوع أساسي يفرضه السياق التاريخي الذي طرح فيه موضوع العنف عند فرانز فانون، والوضع الحالي الذي تمرّ به الثقافة العربية. ونقصد بذلك علاقة العنف بالمقدس والدين، وبخاصة الدين الإسلامي. والحق، فإنّ هذا الموضوع يشكل هدفاً أساسياً لهذه القراءة التي نقترحها.

وفي تقديرنا، فإنّ المدخل المناسب لتناول هذا الموضوع يتطلب النظر من جهة إلى العلاقة بين التحليل النفسي والعنف والمقدس، وذلك بحكم الصلة المباشرة بين فرانز فانون والتحليل النفسي. ومن جهة أخرى، يجب طرح علاقة الدين، وبخاصة الدين الإسلامي، بالعنف، وذلك بحكم السياق التاريخي المتمثل في حدث الثورة التحريرية الجزائرية، وفي استعمال العنف من قبل جماعات إسلامية في وقتنا الحاضر.

لا تسعفنا نصوص فرانز فانون على تقديم إجابة فاصلة عن هذه الأسئلة، وذلك بحكم عدم تخصيصه لمسألة المقدّس والدين مكانة خاصة، وإنما أشار إلى الدين في سياق تحليله لثقافة المستعمَر التي تتسم بالتبعية لثقافة الاستعمار[19]. وذهب إلى القول إنّ استعمال الدين أو توظيفه سياسياً سينجم عنه فقد وتضييع للجانب الروحي فيه. وأنّ الوضع الاستعماري يفرض جملة من الممارسات التي يسميها بالممارسات الاستراتيجية التي لا تحتاج إلى الدين. وأنّ نزع الاستعمار (décolonisation) يتطلب التخلص الكامل من الماضي. وعلى هذا الأساس، رأى في المجاهد الجزائري على سبيل المثال، أنّ له طريقة خاصة في القتال إلى حد الموت، ولكنه مع هذا لم يقرن ذلك بوعد ميتافيزيقي، وأنّ ما يقوم به إنما هو دليل على نكران الذات من أجل حماية الشعب.

ومما لا شك فيه، أنّ هذه القراءة للثورة الجزائرية ولمبدأ الاستشهاد فيها، تطرح مشكلات عديدة متعلقة بمفهوم الثورة، وبمرجعياتها، وأيديولوجيتها، وطبيعة الفاعلين التاريخيين فيها، لا يتسع المجال لمناقشتها. وتكفي الإشارة هنا إلى أنّ المفكر الإسلامي علي شريعتي قد حاول تأسيس ما يمكن أن نصطلح عليه بـ (لاهوت التحرير في الإسلام) وذلك انطلاقاً من قراءة خاصة لفرانز فانون[20].

وإذا كانت مسألة العلاقة بين العنف والمقدّس والدين تطرح مشكلات منهجية ومعرفية عديدة، ليس أقلها حديث فرانز فانون عن: “العنف المطلق”[21]، فإنّ ما يجب الإشارة إليه هو أنه في مقابل العنف بمعناه الماركسي، أي إعطاء الأولوية للعنف الثوري كما تمثله الطبقة العاملة، يرى فانون أنّ طبقة الفلاحين هي الطبقة الثورية في البلدان المستعمرة، لذا فإنّ الثورة تزرع بذورها في الريف ثم تنتقل إلى المدن لتنتشر عند الفلاحين المنبوذين والمهمشين الذين يعيشون على أطراف المدن الكبرى في المستعمرات. وقد وصفهم بقوله: “مجموعة من الجرذان في وسعك أن تركلها بأقدامك أو أن ترميها بالحجارة، ولكن على الرغم من كل ما تفعله فإنها تظلّ تقضم وتحفر عند جذور الشجرة”[22]. وهذا يعني أنه في مقابل النموذج الماركسي للعنف القائم على الطبقة العاملة، ينتصر فانون لما يُسمّى في الأدبيات الماركسية بالبروليتاريا الرثة. أي، تلك الفئات المهملة والمهمشة، ولكنها تبحث بطرقها الخاصة عن الاعتراف بحقوقها.

ولا يتردّد فانون في وصف الاستعمار بالعنف الشامل الذي يتضمّن كل أنواع العنف السياسي والعسكري والثقافي والنفسي. ويعتبر التعذيب الجسدي والنفسي مثالاً صارخاً للعنف الاستعماري، وعنصراً أساسياً في النظام الاستعماري، وليس عرضاً من عوارض الاستعمار. أي يجب النظر إليه بوصفه آلية ملازمة للاستعمار. يقول: “ليس التعذيب عرضاً ولا خطأ، ولا يمكن فهم الاستعمار خارج إمكانية التعذيب والاغتصاب والمجازر. إنّ التعذيب نموذج من نماذج العلاقات بين المستعمِر والمستعمَر”[23]. ولا يمكن القضاء على العنف وأشكاله المختلفة إلا بعنف مماثل ومعاكس في جميع الاتجاهات. ولقد شكلت التجربة الجزائرية، وبخاصة ثورة التحرير الوطنية، نموذجاً ملهماً له، وكذلك بعض التجارب الإفريقية التي تعرّف عليها عندما كان ممثلاً للثورة الجزائرية في عدد من البلدان الأفريقية.

يقول: “إنّ العنف على نطاق الشعب هو الذي يصهر القبيلة والإقليمية ويشدّ أبناء المجتمع بعضهم إلى بعض ملزماً كل فرد بواجبه نحو نفسه ونحو الآخرين”[24]. وعليه، فإنّ طريقة غاندي النضالية ضد الاستعمار تُعتبر طريقة غير أصيلة بحكم عدم اقترانها بالعنف. ولقد تعزّز هذا المنظور الخاص بالعنف بما كتبه سارتر في مقدمة كتاب: معذبو الأرض، قائلاً: “إنّ المواطن من السكان الأصليين لا يشفي نفسه من العصاب الاستعماري إلا بطرد المستوطنين بقوة السلاح (…). فعندما ينفجر غضبه يعيد اكتشاف براءته، ويصبح قادراً على معرفة نفسه من حيث أنه هو الذي يخلق نفسه (…). إنّ إطلاق النار على أوروبي هو بمثابة قتل عصفورين بحجر واحد، فهو يعني أن يقتل في آن معاً الرجل الأبيض والرجل الخاضع لظلمه”[25]. وهذا يعني أنّ العنف قد تحوّل إلى عامل مطهّر لعودة الوعي، واكتشاف الهويّة، وتحقيق الذات. لماذا؟ لأنه: “على مستوى الأفراد يُعتبر العنف عملاً مطهّراً، فهو يحرّر المواطن من السكان الأصليين ممّا يعانيه من مركب النقص واليأس والكسل”[26].

وكما أشرنا سابقاً، فقد قيل الكثير عن مفهوم العنف عند فانون، إذ تكفي الإشارة إلى نقد حنة آرندت الذي وصفته بالمبالغات الخطابية، وبتأثره بالتحليل الوجودي لسارتر. ولكن مع ذلك، فإننا نرى أنّ ما عبّر عنه إميه سيزار أقرب إلى الحقيقة، وذلك عندما قال: “إنّ عنفه، بدون مفارقة، هو عنف رجل غير عنيف، وأقصد بذلك أنّه عنف العدالة وتطهير النفس”[27].

يعني هذا أنّ الهويّة المستلبة تحتاج إلى أن تكتشف نفسها، وأن يتمّ الاعتراف بها وبحقوقها. وإذا كان العنف يمثل وسيلة لتحرير الهويّة المستلبة، فإنه لا يكون بالضرورة صالحاً لكل الحالات، وبخاصة عندما يحقق بعض أهدافه المتمثلة في حالة الاستعمار بتحقيق الاستقلال. ولقد علمتنا التجربة التاريخية للبلدان المستقلة حديثاً أنها تعيد إنتاج بعض مظاهر الهيمنة الاستعمارية، فهل يجب في هذه الحالة أن تسلك الهويّة الوسيلة نفسها المتمثلة في العنف، أم أنّ عليها أن تجد وسائل أخرى تمكنها من تحقيق أهدافها المتمثلة في الاعتراف بحقوقها؟

وإذا اعتمدنا الأطروحة القائلة إنّ هويتنا تتشكل جزئياً بالاعتراف أو بغيابه، وكذلك بالإدراك الخاطئ أو المشوّه الذي يملكه الآخرون عن هويتنا، فإنّ هذا يتطلب في تقديرنا أن تسلك الهوية السبل المناسبة لتحقيق أهدافها، وأن تعتمد على الحوار مع الآخر الذي لا يتحدد بوصفه عقبة فقط، وإنما بوصفه إمكانية وحاجة للوعي ولاكتمال الذات كذلك، لأنه باعترافه تستعيد الهوية جزءاً من وعيها، وتحقق قدراً من إمكاناتها. وإذا استحضرنا الهدف من العنف، وهو تحقيق العدالة، فإننا نستطيع القول إنّ علاقة الهوية بالعنف يجب أن تكون علاقة وظيفية وليست علاقة وجودية، بما أنّ الهدف هو تحقيق الاعتراف بهذه الهويّة، وبحقها في العدل والحريّة والكرامة.

* نشرت هذه المادة ضمن مجلة “يتفكرون”، العدد 5،

*باحث وأكاديمي جزائري، أستاذ الفلسفة المعاصرة بقسم الفلسفة، جامعة الكويت. متخصص في فلسفة ميشيل فوكو، وباحث في فلسفة اللغة والسياسة. تتوزع اهتماماته بين الترجمة والتأليف. من أهم أعماله المترجمة: “يجب الدفاع عن المجتمع” لميشيل فوكو، و”تأويل الذات” لميشيل فوكو. ومن أهم تآليفه: “مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو”، و”الفلسفة واللغة”، و”نقد المنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة”، و”ما بعد الحداثة والتنوير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*