الرئيسية / منوعات / مواقع التواصل الاجتماعي تدمر السياسة

مواقع التواصل الاجتماعي تدمر السياسة

Sudan voices

لندن – باتت النقاشات السياسية الحادة التي تسيطر على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل تويتر وفيسبوك، سببا في أزمات اجتماعية ونفسية أدخلت المستخدمين في عصر جديد قوامه تجنب الحديث في السياسة والدين وقضايا قد تشعل اشتباكا فكريا في أي لحظة.

ويعرف هذا الشعور بـ”الدوامة”، فمبجرد الدخول في دائرة النقاشات الحادة، لا يستطيع المستخدم السيطرة على انفعالاته.

تبدأ الدوامة باستدراج هذا المستخدم بشكل لطيف في البداية، وهو ما يتمثل في سماع نشرة الأخبار باعتبارها استراحة قصيرة من الكتابة أو أعباء الوظيفة أو الأعمال المنزلية، وهو ما يمثل أخذ استراحة قصيرة وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي.

ويقول خبراء في التكنولوجيا إن تصفح مواقع التواصل الاجتماعي هو شيء بعيد عن أي نوع من أنواع المتعة أو الاسترخاء، لكن عندما يستفيق الناس على هذا الواقع، يكونون قد دخلوا “الدوامة” بالفعل، وأخذهم التيار القوي لدرجة أنهم لا يستطيعون التراجع مرة أخرى.

ويقول الكاتب في صحيفة “الغارديان” أوليفر بوركمان “في أغلب الأحيان أُطلق منشورا ساخرا لاذعا أقف من خلاله متحيزا في صف بعض المشاركين الأذكياء ممن يتبادلون آرائي ويدعمونها. وفي الوقت نفسه أنتظر بشغف آراء المعلقين ممن تثير وجهات نظرهم وتعليقاتهم غضبي”.

وأضاف “وبحلول ذلك الوقت تندلع الصراعات والنقاشات الحادة بين المؤيدين والمعارضين ويتطور الأمر أحيانا إلى أن يتحول إلى نزاع شخصي، ولكن هذه ليست حقيقتي، فأنا في معظم الأحيان أغضب بداخلي وأطرح التساؤلات دائما في خاطري حتى أكتشف في النهاية أنني قضيت ساعات في الجيم، أو في السوبر ماركت وأنا ملاحق عقليا أتساءل وأفكر مليا في النقاش الذي دخلت فيه مع مجموعة من المعارضين الذين لا يقدرون حتى مدى اهتمامي وتقديري لفكرة بعينها”.

أوليفر بوركمان: قد نخدع أنفسنا ونقول نحن هنا من أجل إعلام الناس، أو الحصول على معلومات، لكن دوافعنا الحقيقية تكمن في “التحيز للقبيلة”

القبلية الغاضبة

في الآونة الأخيرة تغيرت مسألة مناقشة الأمور السياسية المثيرة للجدل على الإنترنت إلى الأسوأ. فالأخبار المزيفة باتت منتشرة في كل مكان؛ ولا يبدو أن الحقائق تستطيع تغيير قناعات أناس كثر يدعمون الشائعات عموما؛ ويتحيزون دائما لإثبات الفكرة بدفع الناس إلى البحث فقط عن المعلومات التي تعزز من وجهات نظرهم ورفض أي تحد من الممكن أن يقف في طريقهم.

مثال على ذلك، في الثلاثة أشهر الأخيرة من حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، وفقا لتحليل موقع “بز فيد”، فقد تمت مشاركة أفضل 20 خبرا زائفا على الإنترنت أكثر من مشاركة أفضل 20 خبرا حقيقيا، إلى حد يشير إلى أن الأخبار أصبحت زائفة في مجملها.

وعندما يتعلق الأمر بكابوس النقاشات السياسية على الإنترنت التي تبعث على الانقسامات بين فئات المشاركين المختلفة، وكذلك على الاكتئاب وتراجع العزائم والطاقات، فإن الأمر يشبه ازدحام الطرق.

ومن أبسط الصفات التي تتميز بها تلك الدوامة هي “الخداع” حول ما يقوم به الناس عندما يتصفحون منتديات مواقع التواصل الاجتماعي للمشاركة في نقاش سياسي، خداع يظهر واضحا في نتاج مقالات العديد من الناقدين وكتاب الأعمدة.

ويقول بوركمان “قد نحاول خداع أنفسنا ونقول نحن هنا من أجل إعلام الناس، أو من أجل الحصول على معلومات، أو في محاولة لإقناع أولئك الذين يختلفون معنا في الرأي. ومع ذلك، تنبع دوافعنا الحقيقية من الظاهرة التي يطلق عليها علماء النفس ‘التحيز للقبيلة’”.

وتقوم هذه الظاهرة على سعي الكثير من الكتاب لتوصيل أفكارهم كأعضاء في مجموعات لأعضاء آخرين في نفس هذه المجموعات؛ مثل مؤيدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو هؤلاء ممن يعتقدون أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جنون، أو معارضي المثليين، أو غيرهم.

ويريد هؤلاء غالبا أن يشعروا بذلك الشعور الدافئ الذي يربطهم سويا عن طريق تأييد آراء عضو بعينه في المجموعة، أو بمعنى آخر تأييد آرائهم هم من خلال الضغط على أزرار الإعجاب أو نشر ردود فعل إيجابية أخرى. فإذا كان العالم سينتهي وسيذهب إلى الجحيم فجأة، فالكثيرون يريدون على الأقل أن يشعروا أنهم مسافرون إلى الجحيم مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء.

وأخيرا، وربما الأهم من ذلك، يريد كثيرون أن يجعلوا أولئك الذين لا ينتمون إلى مجموعهم من المجموعات الأخرى يشعرون بالخجل والعار. هذه الظاهرة تطلق عليها ظاهرة “ادعاء الفضيلة”، والتي تصنف أحدهم على أنه منتم إلى الفصيل اليميني الذي يعتقد أعضاؤه أنهم يفكرون دائما بشكل عقلاني ومنطقي، وبعبارة أخرى هم بالأحرى “مدعو الفضيلة”.

الأدب النفسي مليء بالأمثلة الحية على ظاهرة “التحيز للقبيلة”، التي غالبا ما تنطوي على الأطفال. ففي تجربة نموذجية تم إجراؤها في بيروت في ستينات القرن الماضي، قام علماء النفس بتقسيم الأولاد بعمر 11 عاما في مخيم سكني إلى مجموعتين، تتكون كل منهما من خمسة مسلمين وأربعة مسيحيين، وأطلقوا عليهم أسماء “الأشباح الزرق” و”الشياطين الحُمر”.

لم يمض وقت طويل حتى نشب صراع، اضطر فيه الفريقان إلى الاستعانة بسكاكين مطبخ المخيم لقتال بعضهم البعض، ليس بسبب قضية الخلاف بين المسلمين والمسيحيين، ولكن بسبب الخلاف بين الفريقين الأزرق والأحمر.

وبالطبع، التحيز ضد دونالد ترامب ومؤيديه، كمثال واضح على هذا، هو أقل تعسفا، ولكن إذا كان دافعك في المقام الأول هو إحراج مؤيدي ترامب وجعلهم يشعرون بالسوء والخجل، في حين جعل أولئك الذين يتفقون معك في الرأي يشعرون بالسعادة والرضا، بدلا من محاولة تغيير عقول الناس، أو تحقيق أهداف سياسية محددة، فهذا هو قطعا “تحيز للقبيلة”.

فعلى سبيل المثال، يتضح ذلك في طريقة منتقدي ترامب في الرد مباشرة على تغريداته. ويظهر من دوافع هؤلاء أنهم لا يأملون في إقناعه ليتصرف بشكل لائق، ولا يرغبون حتما في إقناع مؤيديه بالتخلي عنه، لكنهم بدلا من ذلك يبحثون عن زيادة عدد متابعيهم ومعجبيهم على مواقع التواصل الاجتماعي ممن يؤيدون وجهات نظرهم. بالإضافة إلى ذلك، هم يرغبون أيضا في رؤية آرائهم تثير غضب بعض الحشود ممن يهتفون بشعار “فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى”.

وإثارة غضب واستياء العامة بهذه الطريقة، قد تؤدي بهذه الحشود إلى اتخاذ بعض الإجراءات المفيدة، لكن الأدلة النفسية على هذه الظاهرة مختلطة إلى حد كبير، حيث يبدو أن الغضب، المتكرر دون وجود دليل ملموس على أن أي شيء يتحسن، قد يؤدي إلى صعود ظاهرة “العجز المكتسب”، بمعنى أن الاحتجاجات اليومية ستستمر، مما يقلل من مصداقية ومعنى أي نشاط سياسي.

في هذه الأثناء، الدليل على أن هذا الشكل من أشكال “القبلية الغاضبة” هو جعلها التوافق السياسي بعيد المنال، بينما تعزز حظوظ الديماغوجية كل يوم.

التشبث بالمواقف

يقول بوركمان “هناك اتجاه ينادي بإغضاب من هم أقرب إليك على الطيف السياسي من هؤلاء البعيدين، ربما لأن نزاهة المجموعة تعتمد في الأصل على ضبط أنظمة حدودها. فعلى سبيل المثال أرى أن ردودي قد تكون انفعالية وغاضبة أكثر ضد السياسي المروج لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، دانيال هانان، عن تنظيم داعش”.

وهناك علامة أخرى تدل على أن أحدهم محاصر في تلك الدوامة وهي ظاهرة “التمسك بالموقف”، وهي وجهة النظر التي يتبناها هؤلاء الذين يفكرون بمنطقية وعقلانية، ثم يجدون أنفسهم مضطرين في نهاية الأمر إلى الدفاع عنها، وهي وجهات نظر لم يكونوا ليدافعوا عنها أبدا في محادثة هادئة وهم يشربون الشاي.

هل خسرت كلينتون الانتخابات الرئاسية لعام 2016 بسبب قضية التحيز ضد المرأة؟ أو بسبب التدخل الروسي؟ أو بسبب عنصرية ترامب؟ أم أن سياستها المائلة إلى يمين الوسط التي كانت تنادي بها من منصتها كانت السبب في خسارتها للانتخابات؟

كل هذه الأسباب مجتمعة كانت السبب في الخسارة. هذا الفارق الصغير في الأصوات جاء في مصلحة فوز ترامب بالانتخابات، وغياب أي من هذه العوامل كان من الممكن أن يغير النتيجة ككل. ولكن في “الدوامة” كان من الممكن اختيار أحد هذه الأسباب لتصب غضبك عليه وتقاتل من أجل إثبات وجهة نظرك المضادة لهذه الادعاءات، مثل أن قضية التحيز ضد المرأة ليست لها علاقة بالخسارة، وما إلى ذلك.

المؤسسات الإعلامية تعتمد على نشر أخبارها وإعلاناتها عبر الإنترنت باستمرار تحت إغراء جعل أخبارها مثيرة للغضب، وبالتالي أكثر قابلية للمشاركة
يقول بوركمان “وأنا أكتب أحيانا ما أجد نفسي متعمدا لإثارة غضب من أعتبرهم حمقى. هذه هي الفكرة التي تدور حولها الدوامة: فأنت تحاول التحدث عن شيء ما، وإن لم تكن حذرا، ستجد نفسك منغمسا في الدوامة التي تستعبدك حينها ولا تستطيع الإفلات منها. تجد نفسك تندد بوقاحة آراء الناس وتشجب افتقارهم للكياسة والفطنة. تبدأ في رؤية الجميع كمتحيزين لإثبات فكرتهم باستثناء نفسك، وهو ما يعتبر في حد ذاته تحيزا لإثبات الفكرة”.

وأضاف “ثم تبدأ أحد الأعراض الرئيسية للقبلية الغاضبة في الظهور؛ وهو تزايد اليقين بأن الناس الذين يؤمنون برأي مختلف يتصرفون بحماقة كبيرة”.

لم تبدأ هذه الصراعات بظهور الإنترنت، ولكن انتشار هذه الظاهرة هو خيط واحد فقط في سلسلة طويلة ومعقدة من قضية قديمة وهي قضية التحيز للأحزاب السياسية. كما أن ظاهرة الصراعات السياسية على الإنترنت تنم عن عاطفة بشرية متأصلة وهي “العداوة بين المجموعات”.

واليوم، زاد “اقتصاد الانتباه” من سوء الأمور. حيث تقع المؤسسات الإعلامية التي تعتمد على نشر أخبارها وإعلاناتها عبر الإنترنت باستمرار تحت إغراء جعل أخبارها مثيرة للغضب، وبالتالي أكثر قابلية للمشاركة، وبالمثل تفعل جميع مواقع التواصل الاجتماعي.

فإذا ما أراد أحدهم اكتشاف، بناء على سلوكه على الإنترنت، بُغض من حوله على مواقع التواصل أو مضايقته معجبيه لغيرهم من المشتركين، فهذا ما سيراه حقا، حتى ولو كان جزء من تفكيره يريد أن ينسحب من هذه “الدوامة”.

فلولا وجود مواقع التواصل الاجتماعي، يمكننا أن نضمن أننا لم نكن لنشعر أبدا بغضب نحو العديد من شخصيات اليمين المتطرف في الولايات المتحدة أو أوروبا أو الإسلاميين المتشددين في العالم العربي، لأننا لم نكن نسمع عنهم أبدا.

وأحد الأسباب التي تجعل من الصعب جدا علينا تقبل فكرة تواطؤنا في تلك الصراعات، ينطوي على نوع من “التكافؤ الأخلاقي”. ولقبول أن أحد المعتدلين قد يتصرف على الإنترنت وفقا لطريقة “القبلية الغاضبة”، عندما يكون الطرف المتلقي للهجوم هو من المتعصبين أو النازيين أو المتطرفين الإسلاميين على سبيل المثال، فيجب الاقتناع بأنه ليس أفضل حالا من هؤلاء. فالمشكلة في “الدوامة” هي أن التعبير بقوة عن الآراء التي تؤمن بصحتها لا يبدو أنه يجذب العالم نحو الاتجاه الذي تريده أنت.

وهذه بالتأكيد هي السمة الأكثر إحباطا لـ”الدوامة”: وهي أن كل هذا الغضب والسخط على وجهات نظر معارضينا لا يفعل شيئا سوى أنه يزيد من تمسك الطرف الآخر برأيه، والذي كنا نأمل منذ البداية في تغييره.

ففي الولايات المتحدة، فشل المنتقدون من الليبراليين على تويتر، ردا على الاتهام الأخير الموجه لترامب بالنفاق والكذب، في التقليل من التصريحات الكاذبة التي تصدر يوميا عن البيت الأبيض.

ولكن على العكس استطاعوا هم أنفسهم إثبات قناعة مؤيديه على الجانب الآخر بأن الليبراليين يحتقرونهم، وهو المحور الأساسي الذي قامت عليه حملة ترامب الانتخابية والذي من الممكن أن يرشحه لفترة رئاسية ثانية.

  • نشر بالعرب الدولية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*