الرئيسية / مقالات / مفاهيم على ورق “الأحزاب السياسية وإدارة التنوع في السودان”

مفاهيم على ورق “الأحزاب السياسية وإدارة التنوع في السودان”

Sudan voices

محمد ادم اسماعيل    

تعتبر مفردة التنوع والتعدد” من اكثر المفردات شيوعا” في البرامج والرؤى السياسية وأكثرها استخداما” في الخطابات ، وفي الاونة الاخيرة صار مفهوم ادارة التنوع احد أعمدة وركائز برامج القوى السياسية الجديدة ، بل اصبح من اهم مقومات بناء الدولة الوطنية الحديثة في السودان ، فالمعلوم ان الدولة السودانية منذ ميلادها ظلت قابعة في فخ الحروب والنزاعات ، والتي بدورها أدت الى انهيار الدولة بمعناها الوظيفي في كافة المستويات “الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ” وهذا ما يعزيه معظم السياسين والمفكرين السودانيين ، لفشل أنظمة الحكم ، في ترسيخ مفاهيم السلام الاجتماعي ، وسيادة القانون من خلال الادارة السليمة للتنوع ، بما يضمن تحقيق العدالة والمساواة ، وكل قيم المشروع الوطني الخالص بما فيها التوزيع العادل للسلطة والثروة ، لجميع المنضوين في الكيان الجغرافي المحدد ” السودان”
وقد تأجج نيران الحرب في الوقت الذي عجز فيه العقل السياسي السوداني على ابتداع افكار لها القدرة على تحقيق السلام الاجتماعي كاساس متين لبناء دولة حقيقة تستمد قوتها من التنوع كمصدر ثراء ، من خلال دراسة المجتمعات والتعرف على ثقافاتها ، أنظمتها الإدارية ، ادواتها الانتاجية ، بيئتها الاقتصادية ، وسماتها المختلفة ، ..الخ”
ومن ثم تطوير هذه الثقافات وتنميتها بما قد يخدم مصلحة تطور الدولة وازدهارها على كافة المستويات

السودان متنوع ثقافيا” وسياسيا” و ..الخ
من الجمل الاكثر استهلاكا” في الخطابات ، والبرامج السياسية ، غير ان التطرق لقضايا التنوع عادة لا يجد متسع من الحديث وايضا” من الكتابة ، خاصة وان سوء الادارة في كل الانظمة السياسية قد خلف ازمات ومشكلات معقدة ومتعددة بقدر تنوع هذه المجتمعات وتعددها
مثلا”
في دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون يمكن تطوير المجتمعات الزراعية عبر تطوير ادواتها الانتاجية ، وتسخير نسبة من عائدات انتاجها لتنمية انسان المنطقة وتزويده بالخدمات بما قد يساعد في زيادة الانتاج ومن ثم انشاء قطاع صناعي يعمل على تصنيع المنتجات الاولية ، وذلك من خلال ربط مفاهيم التنمية بالتعليم في المنطقة “سياسة التوطين واستيعاب الطاقات الشبابية ومحاربة البطالة مثلا” “
وايضا” الاهتمام باللغات المحلية باقامة مراكز دراسات اللغات والثقافات المحلية و الاستفادة من انظمة الحكم الموجودة بالمنطقة وتطويرها بما قد يدفع بالمجتمعات بان تصبح اكثر تمدنا”
وبذات القدر الالتفات نحو الصناعات المحلية البسيطة ودعمها

وعلى هذا النحو بقية المجتمعات ، يمكن اعتبار التنوع بهذه الشاكلة مصدر ثراء للدولة في حد ذاتها لما قد يفضي اليه من تنوع في الانتاج والفكر والابداع مما يجعله يساهم في “تحقيق التوازن المحلي والاندماج في السوق العالمي ” ودفع عجلة التقدم والازدهار للدولة
لكن ماهو موجود في واقعنا اليوم هو تنوع الازمات والمشكلات التي تتسبب فيها الدولة دائما”
وفي ظل كل هذه الازمات نجد التفاف عظيما” على المفهوم اعلاه من قبل تيارات قومية معارضة تطرح مشاريع وطنية مماثلة ، غير انها لا تعرف طبيعة هذه الازمات و ما تعانيه المجتمعات بسببها
واود الاشارة الى ان التنوع ليس شعارا” براقا” يلوح به في الخطاب بل يقتضي الالمام بكل تعقيدات المجتمعات وازماتها والتعامل معها بواقعية وخصوصية تفضي الى تنوع الرؤى والخطط المستقبلية لبناء المجتمعات
بمعنى ان هناك من يتحدث عن التنوع ولا يستصحب هذه التعقيدات في طرح الحلول
وكالعادة ساحاول شرح الفكرة بعرض قضية تتعلق بشرق السودان وكسلا على وجه الدقة
في الحقيقة الامر بمثابة تلميح وليس طرح قضية بكافة تفاصيلها
على سبيل المثال
يعتبر دلتا القاش اهم مصدر انتاج اقتصادي في الولاية ، كما انه يعد من اهم المشاريع الزراعية في السودان ، و يعتبر من المشاريع المروية التي بها اخصب الترب في السودان ، اضافة الى ان الولاية تقع في منطقة حدودية مع دولة ارتريا يمكن من خلالها ان تسهم في التجارة الدولية والاقليمية
وكغيرها من ولايات السودان تزخر الولاية بتنوع ثقافي يمكن تسخيره والاستفادة منه بما يخدم المصلحة المحلية في المنطقة ومصلحة الدولة عامة
لكن واقع الامر يقول ان الولاية ترزح في براثن المرض والفقر والجهل وتدني الخدمات وارتفاع معدلات البطالة ومن ثم انهيار الخدمة المدنية واحتكارها من قبل مجموعات بعينها
وقد افضت هذه المشكلات الى ظواهر خطيرة منها التطرف حيث تشهد انتشار واسع للمجموعات السلفية الجهادية افضت الى تسجيل حالات انضمام الى “داعش ” ، كذلك تشهد الولاية انتشارا” مروعا” للمخدرات في اوساط فئة الشباب
و تسجل الولاية اكبر معدلات الهجرة الى اوربا
ويمكن تصنيف المجتمعات فيها بالمجتمعات الاقل نموا” حيث ان معظمها تعاني قهر الدولة الثقافي وحرمانها من التنمية

وان استدعاء هذه المشاهد بغرض معاينة الواقع كما ينبغي ، وقراءة واقع الأزمة في سياق خصوصيته
هو ما عجزت عنه الأحزاب السياسية
ما أدى الى استبداله بخطابات تعميمه كقراءة الفقر في سياق عموميات الواقع وان نسبة كذا في المئة من مواطنين دولة السودان تحت خط الفقر .
متناسين ان المرض وتدني الخدمات الصحية تحصد ارواح الكثيرين في منطق جنوب طوكر
في الوقت الذي تضم فيه طوكر المدينة مشروع دلتا طوكر والذي يعد ايضا” من اكبر المشاريع الزراعية في السودان واكثرها تنوع في منتجاتها الزراعية
وهذا ما يعني ان الخطابات السياسية التي تتحدث عن التنوع كظاهر انسانية كظاهرة في الدولة السودانية لا تكاد تعرف حقيقة التنوع في حد ذاته .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*