الرئيسية / مقالات / محمد أحمد الحَّبُوب.. يترجل من صهوة جواده

محمد أحمد الحَّبُوب.. يترجل من صهوة جواده

Sudan voices

عبدالوهاب الأنصاري

«فلأذهبْ إلى موعدي، فور عثوري على قبر لا ينازعنيعليه غيرُ أسلافي، بشاهدةٍ من رخامٍ لا يعنيني»

(محمود درويش)

رحل عنا في يومٍ حزين (الأحد) أمس 19 نوفمبر، بعد أن شَّقت نعيه الأسافير مُناديا لا مُخبرة؛ العميد بالجيش الشعبي لتحرير السودان؛ محمد أحمد الحبوب، بمدينة (كاودا) عاصمة الصمود والحرية والتحرير، وعرين الأسود الضارية الباسّلة، بعد أن أمضّى أنضر أيام حياته، في الأحراش مقاتل من أجل الحرية، مقِدام عند النِّزال، ومُعف عند المّغانم، متشرف مشارف الغد المؤجل.. غَّد الحرية والمساواة والعدالة؛ من أجل وطن يتساوى فيه الناس كأسنان المشط، لا يتفاوتون فيه كبنان الكّف، وخرج من هذه الفانية كما ولج إليها لأول مرةٍ فقيراً، نظيف اليد نقي الذمة متقلداً شرف الإنتماء للفقراء والأرض.

الفقيد إنضم للحركة الشعبية لتحرير السودان وجيش التحرير، منذ شبابه الباكر مقاتلاً، ومناضلاً من أجل الحرية والعدالة الإجتماعية، وإنحاز بلا لجلجة لصّف الفقراء والمهمشين وذوي المسغبة، مظاهراً للمظلومين، ومؤازراً للمكلومين؛ متحملاً أحمال خياره الثقيلة, بعد أن حمل روحه على راحتيه “والقى بها في مهاوي الردى، ولنفسه غايتين ورُّود المنايا ونيل المنى كنفس الشّريف” ما برِح، ثابتاً على المباديء، حارساٌ لقيم الحق والإستقامة، مستمسكاً بعروة الفضيلة والإباء كبنيانٍ مرصوص.

كان الحبوب.. إنساناً نبيلاً بحق، قبل ن يكون مناضلاً فالنُبل والنضال صنوان صَّوى طريق الثائرين، حتحت بأظافره الصّخر ليشكل أيقونة على جدار التاريخ تدوزن لحن الخُلود، وبغرق المتصوفة في بهيمٍ غاسق “متخيراً وعر الدروب، وسائراً فوق الرصاص منافحاً”، كما في أشعار الفذ (محمد المكي)؛ وحافاً كعابدٍ عاكفٍ بأدبٍ جم، ورباطة جأشٍ مُسّتحيل، رسم مسارات طريق نضاله الوعرة المتعرجة في صمت العارفين، “وصدور الأحرار بطون الأسرار”.

بدأ محمد أحمد الحبوب، حياته بعد نهاية دراسته الثانوية؛ معلماً في المرحلة الإبتدائية في بداية ثمانينيات القرن المتصرم، وخاض غمار العمل العام؛ بعنفوان الشباب متسلحاً بوعيه الباكر، وسريعاً ما أظهر مقدرته القيادية في العمل النقابي في إتحاد المعلمين (المرحلة الإبتدائية) الذي نفذ حينها المعلمين إضراب عن العمل تاريخي أرغم سلطات دكاتورية عسكر مايو إلي الإنصياع لاغلب المطالب التي كانت تتمحور في ترقية بيئة العمل المدرسية وتحسين مرتبات المعلمين المتدنية بسبب الغلاء، شارك بقوة في تنفيذ الإضراب، وقوبل بعدها بعسّف السُّلطة كما هم العسكر دائماً وبأي شعار؛ و كمثقف ثوري، وتربوي لماح ذو ذائقة بصرية حادة تجاه هموم الناس، ومناصرة الحق في صلابه لا تلين، كان يعي ذلك ومستعداً لتحمل الصعاب، وغير هياب العواقب في سبيل ذلك، فكان يعرف أن الإقدام قتال.

إلتحق بعدها الفقيد، بجامعة القاهرة، فرع الخرطوم كلية الآداب، وكان عضواً ناشطاً وفاعلاً في العمل الطلابي، وتخرج منها في العام 1987 ثم سافر إلي أثيوبيا، قبل أن يستخرج شهادته الجامعية، ملتحقاً بالحركة الشعبية لتحرير السودن والجيش الشعبي، الذي قاتل في صفوفه، في جميع جبهاته جنوباً وشرقاً. 

الفقيد الحبوب؛ كان كاتب مسّلول اليراع، فصيح البلاغ، ساحر البيان، بالغ الحجة، و ثاقب الفكر، يتميز بتواضع صوفي نبيل وإنسانية سيالة، لا مُنتَّهى لها؛ كتب في (جريدة أجراس الحرية)، العديد من الكتابات والمقالات الراتبة.

إلتقيته بعد غياب طال، في الخرطوم، إتبان العمل السّري، للحركة الشعبية، قبل توقيع إتفاقية السلام الشامل، وهو كان مُوفّد من قبل الدكتور جون قرنق في مهمة تنظيمية دقيقة، فأعدنا ذكريات خلدت في حنايا الذاكرة وكان إجترارها غير عسير، ثم ظل توصلنا، في دهاليز الهم العام؛ والتوق لي سودان جديد يجعل من العيش والإنتماء إليه مفخرة، وطن يسع الجميع؛ حيث كان آخر لقاء لنا، في كادوقلي قبل الحرب الأخيرة بيومٍ واحد، ثم ظللنا نتساقط الأخبار.

كنت في وداعه، بعد أن رجع للخرطوم في مهمة ليعود، مع وفد المقدمة للحركة الشعبية، بعد توقيع إتفاقية السلام الشامل، وأوصلناه إلى مطار الخرطوم بسيارة، الأستاذ حسن نابليون زميله بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، وصديقنا المشترك. الذي كان قد عاد لتوه من أستراليا بعد غياب طويل، والأستاذ محمد موسى حريكة؛ الكاتب الصحفي بجريدة الأيام حينها؛ ثم عاد إلينا الحبوب؛ بعد يومين مع وفد المقدمة مع المجوعة المُتخذة من نُزل فندق (القرين فيلدج) بالخرطوم مقاماً لها، حيث إنقسم الوفد لضخامته بين فندقي (القرين فيلدج) وفندق الصداقة بالخرطوم بحري كما هو معلوم.

كان كعادته راهب الأرض، لزم فروة نضاله، ممسكاً بلوح قضيته، مقاتلاً من أجل العدالة متبتلاً في محاربيها المقدسة عاشقاً للأرض التي أحب، رافضاً أنصاف الحلول، وظلت سنا تقابة نضاله متقدة حتى إنتقلت روحه إلى ربها في عليائه.

الحبوب.. وسيم الروح، صبوحاً وضيئاً منبسط المُحيا طلق الكلام، بعيداً كل البعد من التكبر والكبر، والغطرسة الجوفاء، والأنانية النرجسية، وحب الذات المُسّتقبح، ووهمة الأنا، إنسان معجون بهموم الناس و كرس حياته كلها من أجلهم حتى فاضت روحه الطاهرة في ميادينها.

اللهم أغفر لعبدك محمد أحمد الحبوب؛ وهو بين يديك في هذه اللحظات؛ وأمن عليه بنزل صدق يا من تحب الصادقين؛ وأسّبغ على أهله وأسرته وأصدقائه وزملائه ورفاقه عزاءاً حسناً وألزمهم الصبر الجميل

العزاء الصادق لزوجته الأستاذة (رشا) ولأبناءه، منتصر، وإخوته وشقيقته؛ موصلاً العزاء لصهره الأستاذ تاج السر خطاب وجميع أفراد أسرته.

والعزاء موصول أيضاً؛ لإخوانه وأخواته وأبنائهم، وبناتهم، ولجيع أفراد أسرته الكريمة بالثورة الحارة الخامسة، ولجيرانه وعموم معارفه.

” إنا لله وانا اليه راجعون”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*