الرئيسية / أخبار / وداعا الحبوب وفي الخالدين

وداعا الحبوب وفي الخالدين

Sudan voices
كتب :وائل محجوب محمد صالح 
مضى محمد أحمد الحبوب حاملا معه هسيس مئات الغابات التي طافها وعاش بها وأرقته بباعوضها وحماها وكمائنها الضارية، حاملا معه اصداء الجبال التي إرتقى واعر صخرها وعاش بمغاراتها المظلمة وسط دوي القنابل والبراميل المتفجرة، ومياه الخيران الموسمية الجارفة التي تحتم عليه عبورها ومن معه لأن الحياة في الضفة اﻷخرى وما دونها الممات وخرط القتاد، حاملا معه سهول البلاد البعيدة التي طافها فحفظت وقع اقدامه ونبضاته المتسارعة..
سمومها وغبارها..
بروقها وأمطارها..
ليلها ونهارها..
والصحاري البعيدة والقريبة..
وإنسانها..
ترى كم ميلا على ارض البلاد.. شرقها.. غربها.. شمالها وجنوبها قطع بقدميه بحثا عن حلمه ورؤياه.. وكم وجها إنطبع في ذاكرته وكم موقفا لصديق غائب إختزن فغاب الصديق وحضرت الذاكرة.. وكم مرة صادفه الموت وأغفله؟!
نذر الحبوب حياته بكاملها في سبيل حلمه بسودان عادل ومنصف وديمقراطي، حلم إستلزم عمرا بأكمله في دنوه وإبتعاده ومرابع يأسه المجدبة، وأمله المتأرجح كضوء الفوانيس البعيدة والتي من فرط بعدها يحسبها الناس “طشاشا” ولا يراها اﻹ صاحب قلب سليم.
انسل الحبوب منذ صباه كالسهم مقررا منذ الوهلة اﻷولى موقعه من البدء وحتى الختام ومنحازا لخياره.. ومشى على طريقه المجمر، لم يكن وحيدا ولكنه مثل اغلبية بحكمته وصفاء نفسه وذهنه وقدرته اللامحدودة على الإستماع للأخرين واﻹضافة اليهم بهدوء كما يقتضي السياق بالضبط.
ينتمي الحبوب لجيل القلق والاسئلة الشائكة ثمانينات القرن الماضي في ساحة الحزب الشيوعي السوداني، وهو جيل شغلته منذ تشكل وعيه حالة اﻹنقسام الوطني، وهوامش السودان المنسية، وأزمات دولة ما بعد اﻹستعمار ونقائصها وتشوهاتها الهيكلية، التي كرست اﻹستبداد والتمايز في قضايا الثروة والسلطة والهوية، وشكل فكر جيلهم وتشكل من منابت اشتراكية متعددة، تتراوح مابين انتفاضات الجماهير وقوانين الثورة.. وبين سنن التغيير الراديكالي والثورة المسلحة الزاحفة من الريف على غرار التجربة الصينية.. وهي دعوات تفتقت قبلهم بأزمان واثمرت على أرض السودان من لدن أحمد شامي ويوسف عبد المجيد وقيادتهما الثورية، وتركت علاماتها مبذولة على طول الطريق لمن أراد اﻹهتداء بها.
شق الحبوب طريقه نحو تلال وهضاب اثيوبيا منضما للحركة الشعبية منتميا قلبا وقالبا لمشروع السودان الجديد، وكان واحدا من دعاته وايقوناته والمؤتمنين عليه، ونهض بمهام جسام في مختلف مناطق خدمته، وما أدل على ذلك اﻹ اختياره من زعيم الحركة الشعبية د.جون قرنق لتنظيم وبناء الحركة داخل الخرطوم قبل التوصل ﻹتفاق السلام في العام (2005)، وهي مهمة سرية وبالغة التعقيد يحوم الردى بجانبيها وكان لها.
ظل الحبوب وفيا لفكره رغم الظروف واﻹنتكاسات والعثرات التي إعترته بعد رحيل القائد د.جون قرنق، ونافح عن تلك الرؤية يوم ان انحرفت مسيرتها وآثر لفيف من قادتها التخلي عنها واﻹكتفاء بالجنوب، وظل وفيا لرفاقه يوم أن دوى دوي الحرب من جديد مقاتلا في الصفوف لم يتردد ولم يفكر مرتين.
إن في حياة الحبوب ومماته تجسيد ملحمي لقيم الشجاعة والفروسية والوفاء وسلامة الحس والوجدان واﻹلتزام الشاق والمستمر ﻷجل الفكر والمبدأ.. وقد دون حياته بكاملها في سجل الثوار اﻹشتراكيين وسفرهم الخالد بخلود نضالاتهم ﻷجل البشر.
طبت وطاب مرقدك وفي الخالدين الصديق الكبير محمد أحمد الحبوب وليلهم الله رفاقك واصدقائك وعارفي فضلك وأسرتك جميل الصبر على فقدك اﻷليم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*