الرئيسية / فنون وثقافة / سيغموند فرويد :الشاعر والتخيل

سيغموند فرويد :الشاعر والتخيل

Sudan voices

هذه مقالة يتقصى فيها فرويد حقيقة الشعر، وكيفية تخلّقه داخل نفس الشاعر، وهي من بواكيره في ميدان التحليل النفسي للأدب. يبين فيها آليات الإبداع عند الشاعر والبُنى النفسية العميقة التي تتحكم في إنتاجه، ويربط كل هذا برغبات وشهوات لا واعية، تمد بجذورها في وعيه منذ الطفولة.

الشاعر والتخيل
Der Dichter und das Phantasieren

سيغموند فرويد
ترجمة وتقديم: حميد لشهب

ليست هناك عقدة من العقد التي “اكتشفها” التحليل النفسي لا تجد جذورها العميقة في الأدب أو الشعر أو الفن التشكيلي: عقدة أديب وعقدة إلكترا وعقدة لوليتا وعقدة بيتر بان إلخ. أكثر من هذا فإن للكثير من مصطلحات التحليل النفسية ارتباط وثيق بالميادين التي ذكرناها كمفهوم السادية والمازوخية والنرجسية إلخ. كانت رواية “كراديفيا جنسن” الدهليز الخلفي الذي قاد فرويد[1] من العيادات السريرية ليحفر في الذاكرة البشرية وتراثها الثقافي الأدبي، على الرغم من أن هذا الأخير لم يكن الهم الرئيس لفرويد في بداياته التحليل نفسية. وباهتمامه بهذا العمل الروائي دشن فرويد العلاقة “الحميمية” بين تخصصه وعالم الإبداع والفن عموما. وكُلِّلَ هذا الإهتمام بكتابه: “التحليل النفسي للفن” (دار الطليعة). بعدها نهج أتباعه نفس النهج وبحثوا في الشعر والأساطير والروايات التي سبقتهم، مُقتفين آثار “أستاذهم” في محاولة لتطبيق الطريقة التحليل نفسية على هذه الميادين. وتجدر الإشارة إلى أن الحركة السريالية في الأدب، على الأقل في شقها الفرنسي (1920- 1938)، لم تكن تعترف بالقيمة الشعرية لديوان أو قصيدة ما، إلا إذا كان الشعر من نتاج اللاشعور، ومنظوم بطريقة عفوية.
عندما وصل التحليل النفسي للعالم العربي، حاول الكثير ممن درسوه واهتموا به إدراجه في الأدب العربي، ولعل مؤلف الدكتور إبراهيم فضل الله: “علم النفس الأدبي مع نصوص تطبيقية” (بيروت، 2011) من أهم المراجع في هذا الميدان. وتكمن أهمية هذا الكتاب في الإطلالة الجميلة التي يقدمها على عالم التحليل النفسي الأدبي، مؤكدا على تنوع مناهجه، بهدف استشراف مخلفات اللاشعور في عمل أدبي ما. أما المرجع العربي الثاني الذي نود التنبيه إليه في هذا الإطار فهو: (علم النفس الأدبي. منهج سيكولوجي في قراءة الأعماق لأنور الموسى، بيروت)، وتكمن أهميته في محاولة تقديم منهجية نظرية وتطبيقية لطلاب الجامعات، ممن يهتمون بالتحليل النفسي وعلاقته بالأدب.
يُعتبر نص فرويد الذي نقدمه للقارئ العربي هنا: “الشاعر والتخيل” من بواكيره في ميدان التحليل النفسي للأدب. وهو نص عام، حاول فيه تبيان ميكانيزمات الإبداع عند الشاعر والبُنى النفسية العميقة التي تتحكم في إنتاجه وربط كل هذا برغبات وشهوات لاواعية له، تمد بجذورها في وعيه منذ الطفولة. ولا يُعتبر هذا بحال من الأحوال تقليل من أهمية الإبداع الشعري، بقدر ما هو محاولة فرويدية لفهم عملية الإبداع بصفة عامة. وحتى وإن لم نكن نتفق جملة وتفصيلا مع كل ما جاء في النص الذي بين أيدينا، لأن الإبداع بصفة عامة والشعري بالخصوص هو أكثر من حالة نفسية لاشعورية، فإن ما يجب تسجيله هو أن فرويد فتح بمقاربته هذه مجالا خصبا للمتخصص في التحليل النفسي، لتحليل شخصيات إبداعية مختلفة. ونؤكد في هذا المقام بأن التحليل النفسي للأدب، ليس هو التحليل الأدبي المتعارف عليه، يعني النقد الأدبي، بل وسيلة للبرهنة على كون أدوات التحليل النفسي قادرة على “تفتيت” وتحليل ليس فقط الشاعر أو الأديب عموما، بل وأيضا الشعر والأدب، وإظهار أعراض مرضية، مدسوسة تحت غطاء “الإبداع” في المنتوجات الأدبية.
لا داعي للتنبيه إلى “النكهة” “الإستعمارية” “السلطوية” للتحليل النفسي على ميادين أخرى، بما في ذلك الأدب، وهي نزعة انتبه إليها الكثير من المحللين النفسيين أنفسهم، ذلك أن التحليل النفسي لشخصية شاعر أو أديب معاصر أو قديم من خلال مؤلفاته، قد يتضمن الكثير من المخاطر على التحليل النفسي ذاته، وقد يقوده هذا إلى عتبة “اللامعقول”.
النص:
“لطالما شغل اهتمامنا نحن العامة معرفة من أين تأخذ تلك الشخصية الغريبة، المتمثلة في الشاعر، مواضيعها – في معنى السؤال الذي كان ذاك الكاردنال طرحه على أرييسطو Ariosto[2]- وكيف تنجح في أخذنا مع مواضيعها هذه وتُنتج فينا مشاعر قد لا نكون نعرف بأننا قادرون على الشعور بها. ويتعاظم اهتمامنا بالخصوص عندما نسأل الشاعر نفسه عن هذا الأمر ولا يقدم لنا أي جواب أو يقدم جوابا لا يشفي غليلنا ولا نشعر بالضيق لمعرفتنا بأن حتى معرفة أفضل للشروط الشعرية لاختيار الموضوع وفن النظم لا تساهم لنصبح شعراء. يا ليتنا كنا أو كان أشباهنا يتمتعون بنفس النشاط الذي نجده عند الشاعر. وتسمح لنا دراسة هذا النشاط بشرح أولي لإبداع الشاعر، حتى وإن كان الشعراء يحبون تقليص الهوة بينهم وبين عامة الناس، ويؤكدون باستمرار بأنه يكمن في كل شخص شاعر وسيموت آخر شاعر مع آخر إنسان.
أليس حريا بنا البحث عن آثار النشاط الشعري عند الطفل؟ إن أحب وأعمق انشغال للطفل هو اللعب. وقد يكون بإمكاننا أن نقول: كل طفل يلعب يسلك كالشاعر بخلقه لعالمه الخاص، وبالتدقيق فإنه ينظم أشياء عالمه من جديد. وليس من الصحة الإعتقاد بأنه لا يأخذ عالمه هذا محل الجد، بل على العكس من هذا، فإنه يأخذ لعبه محل الجد ويحيطه بمشاعر كبيرة. ومقابل/ ضد اللعب/ اللهو ليس هو المعقول، بل الحقيقة. يميز الطفل جيدا بين عالم لعبه، على الرغم من ارتباطه العاطفي به، وبين الواقع ويربط بسرور مواضيع خياله وعلاقاته بأشياء ملموسة ومرئية في العالم الحقيقي. وهذا الربط بالضبط هو الذي يميز “اللعب” عن “التخيل”.
ويعتبر الشاعر كالطفل الذي يلعب، يخلق عالما متخيلا، وهو عالم يأخذه محل الجد، يعني يؤثثه بمشاعر كبيرة، على الرغم من أنه يميز عالمه هذا عن الواقع بدقة. وقد وثَّقَت اللغة للقرابة بين لعب الطفل والإبداع الشعري، باعتبارها نشاط الشاعر الذي يحتاج إلى ربطه بمواضيع واقعية وقابلة للتقديم كلعب: لعب الرغبة/ اللذة Lustspiel لعب الحزنTrauerspiel واعتبار الشخص الذي يمثله هذا اللعب ممثل Schauspieler. ينتج عن عدم واقعية العالم الشعري نتائج مهمة للتقنية الإبداعية، فالكثير من الأشياء التي قد لا تُستحسن أو لا يمكن تذوقها تصبح، في ضوء لعب الخيال، مُستحسنة ومُتذوقة ومصدر لذة لمستمع ومشاهد الشاعر.
لنتوقف عند علاقة أخرى تتعلق بمناقضة الواقع واللعب. عندما يكبر الطفل ويتوقف عن اللعب، وعندما يحاول نفسيا على مدى عشرات السنين أخذ واقع الحياة بالجد المطلوب منه، فإنه قد يصل في يوم من الأيام إلى وضع نفسي يرفع فيه التمييز بين اللعب والواقع. قد يستحضر الراشد الطريقة الجدية التي كان يأخذ بها لعبه محل الجد ويُؤمن لنفسه مستوى أعلى من لذة الفكاهة والطرافة. يتوقف الراشد عن اللعب، يستغني ظاهريا على الرغبة في اللذة التي كان يُحرزها عن طريق اللعب. لكن من يعرف نفس الإنسان، يعرف أيضا كم هو عسير عليه الإستغناء عن لذة تعرف عليها مرة من المرات. في الحقيقة ليس في استطاعتنا الإستغناء عن شيئ ما، بل إننا نُعوض شيئا بشيئ آخر؛ وما يظهر بأنه استغناء ما هو في الحقيقة إلا تعويضا، يعني تشكيل بديل Surrogatbildung. وبهذا فإن الراشد لا يستغني عن شيئ ما عندما يكف عن اللعب، بل يستبدله بالإستناد إلى الأشياء الواقعية؛ وعوض أن يلعب، فإنه يتخيل. يبني قصورا من الرمال، ويخلق ما يسميه المرء أحلام يقظة. أعتقد بأن أغلبية البشر يتخيلون طول حياتهم. وهذا أمر لم ينتبه المرء إليه قديما، ولهذا لم يعطيه الأهمية التي يستحقها.
من الصعب ملاحظة تخيل الطفل كما نلاحظ الطفل أثناء اللعب. فحتى وإن كان الطفل يلعب منفردا أو يشكل نظاما نفسيا مغلقا مع أطفال آخرين بهدف اللعب، فإنه لا يوهم الراشد ولا يخفي بأنه يلعب. أما الراشد فإنه يخجل من خياله ويخفيه عن الآخرين، معتبرا إياه كشيئ حميمي خاص به، وقد يعترف بجرائمه عوض الحديث عن خياله. قد يعتقد بأنه الوحيد الذي يحدث معه هذا التخيل ولا يتصور بأن نفس الشيئ يحدث مع الآخرين. ويجد اختلاف سلوك الذي يلعب والذي يتخيل أساسه في تبرير القيام بهما، حتى وإن كانا ينتميان لنفس النشاط.
يُقاد لعب الطفل من طرف رغبة الطفل ذاته، وفي الحقيقة من تلك الرغبة التي يريد الطفل تحقيقها: أن يكبر ويصبح راشدا. يلعب دائما لعبة “الكبير” ويقلد في لعبه ما تعرف عليه من حياة الكبار. ولا يوجد عنده أي سبب لإخفاء هذه الرغبة. على العكس من هذا فإن الراشد يعرف بأن المرء ينتظر منه ألا يلعب وألا يتخيل، لكن السلوك/ الفعل في العالم الواقعي. لكن هناك من بين ما يتخيله رغبات يصعب عليه إخفائها، ولهذا يستحيي من نفسه عندما يتخيل ويعتبر خيالته طفولية وغير مسموح بها.
قد يتسائل المرء من أين أتت كل هذه المعرفة عن خيال الإنسان، في الوقت الذي يكون هذا الخيال محاطا بالكثير من الأسرار عنده. هناك نوع من الناس تلقوا أمرا، ليس من إلاه، لكن من إلاهة صارمة -الضرورة- للإحساس بما يُتعسهم أو ما يُفرحهم. إنهم الحادي الطبع (العصبيون) الذين ينتظر منهم الطبيب أثناء معالجتهم الإعتراف بخيالاتهم، وهذا هو المصدر الذي يسمح لنا افتراض كون مرضانا لا يقولون لنا شيئا آخر من غير ما يمكن لأي شخص سوي أن يقوله لنا.
لنهتم عن قرب ببعض خصائص المُتَخَيِّل. من حق المرء أن يقول بأن السعيد لا يتخيل أبدا، بل إن الذي يتخل هو التعس فقط. يتمنى التعس القوة الدافعة للمُتَخَيِّل وكل تخيل هو تحقيق لرغبة ما وتصحيح لواقع غير مُشبع. وتختلف القوى الدافعة طبقا لنوعية الجنس والطبع والأوضاع المعيشية للشخص المُتَخَيِّل. ويمكن التمييز بين نوعين منهما دون عوائق. فإما أن الأمر يتعلق برغبات الطموح التي تخدم سمو الشخصية أو إنها رغبات شهوانية. تسود عند الشابات تقريبا رغبات الشهوات فقط، بينما تسود عند الذكور من الشباب، إلى جانب رغبات الشهوات، رغبات الطموح. ما نود التركيز عليه هنا ليس هو اختلاف هاذين الإتجاهين، بل تكرار تلاحمهما (اتحادهما) الغالب، كما نلاحظ ذلك في اللوحة القديمة لتمثال المذبح في ركن صورة المانح[3]. وبهذا يمكننا أن نكتشف في أغلب رغبات (خيال) الطموح في ركن ما السيدة، ويحقق المُتَخَيِّل كل بطولات البطل، الذي توجد عند قدميه كل النجاحات. نرى هنا بأن هناك ما يكفي من الأسباب القوية التي تُخفى ، بحيث إن المرء لم يرسم إلا شذرات قليلة من الحاجات الشهوانية لتلك المرأة المُربيَّة بطريقة حسنة؛ أما الشاب في اللوحة فعليه أن يتعلم كيف يكبت الإفراط في تقدير الذات، الذي أخذه معه من دلع الصبى، في مجتمع غني مليئ بمحبي ذواتهم.
يجب ألا نتصور بأن منتوجات هذا النشاط الخيالي والخيالات الفردية وقصور الرمال أو أحلام اليقظة جامدة لا تتغير. على العكس من هذا، إنها تندمج في انطباعات الحياة وتتغير بتغير وضع الحياة وتتلقى من كل انطباع جديد مؤثر ما يسمى بـ “الطابع الزمني”. إن علاقة الخيال بالوقت مهمة للغاية. بإمكان المرء أن يقول: يسبح أو يُحلق الخيال بين ثلاثة أزمنة، اللحظات الثلاثة لتصورنا. يربط النشاط النفسي عمله بالإنطباع الحيني، أية مناسبة تحدث في اللحظة الراهنة، والتي يكون باستطاعتها إيقاظ رغبة كبيرة لشخص ما وترجع انطلاقا من هنا إلى تذكر مُعاش سابق، في غالب الأحيان طفولي، وهو مُعاش كانت تلك الرغبة قد تحققت فيه وتخلق وضعا متجها نحو المستقبل، وهو الوضع الذي يُمثل تحقق تلك الرغبة، يعني حلم اليقظة أو الخيال، اللذان يحملان في ذاتهما آثار أصلهما (منبعهما) وتذكرهما. يعني صَفَّ الماضي والحاضر والمستقبل مع بعضهما، كحبل متصل للرغبة.
سأوضح عرضي بمثال بسيط. لنأخذ مثال شاب فقير ويتيم أعطيتم إياه عنوان مشغل قد يُشغله. وفي طريقه للعنوان قد يسقط في حلم يقظة، انطلاقا من الوضع الذي يوجد فيه. قد يكون مضمون ما سيتخيله هو قبول تشغيله وسيُعجِب مشغله الجديد ويُصبح لا غنى عنه في عمله وتُحبه عائلة مشغله هذا ويتزوج بنت المشغل ويصبح من المُلاك ووارث صهره. يغطس الحالم هنا في طفولته السعيدة من جديد: منزل يحميه ووالدين يحبانه وبدايات مواضيع ميولاته العاطفية. نرى في مثل هذا المثال كيف تستغل الرغبة مناسبة حاضرة لكي تتحقق وتُشكل تمثلا عن المستقبل انطلاقا من نموذج الماضي.
هناك الكثير مما يمكن قوله فيما يخص الخيال، وأود تلخيص كل هذا في تفسير مختصر. إن التكثير المبالغ فيه في التخيل، إلى درجة أنه يُصبح قوة كبيرة، يُمثل الشروط المواتية للسقوط في الإضطراب العصبي والذهان. ويعتبر التخيل درجة من درجات أعراض المرض التي يعاني منها مرضانا. وفيه بالضبط يتفرع طريق جانبي واسع يقود للمرض. لا يمكنني غض النظر عن العلاقة بين الخيالات والأحلام. فالأحلام التي نقوم بها ليست شيئا آخر من غير هذه الخيالات، كما وضحنا ذلك في تفسير الأحلام. وحسمت اللغة في حكمتها التي لا يمكن تجاوزها إشكالية جوهر الأحلام منذ القدم، بتسميتها لخيالات المُتَخَيِّل بـ “أحلام اليقظة”.
وإذا بقي معنى الحلم في غالب الأحيان غير واضح على الرغم من إشارتنا له، فلأن لهذا الأمر علاقة بوضع يتمثل في كوننا نخجل من هذه الرغبات الليلية ونخفيها عن أنفسنا، وبهذا تُكبت وتُمرر إلى لاوعينا. ولا يمكن اعتبار هذا إلا تعبيرا مشوها لهذه الرغبات المكبوتة ومثيلاتها. وبعدما نجح العلم في شرح تشويه الحلم Traumentstellung، لم يعد صعبا اعتبار أحلام الليل بمثابة تحقيق رغبات، تماما كما هو الأمر بالنسبة لأحلام اليقظة والخيالات المعروفة عندنا.
يكفي كل هذا عن الخيالات ولنرجع إلى الشاعر. أمِن حقنا اعتبار الشاعر كـ “حالم في واضحة النهار” واعتبار إبداعاته أحلام يقظة؟ هناك تمييز أولي يفرض نفسه. لابد من التمييز هنا بين الشعراء الذين يستعيرون مواضيع شعراء آخرين كالرواة وشعراء التراجيديا وبين الشعراء الذين يبدعون مواضيعهم بِحُرِّيَة. لنتوقف عند الآخيرين ولنختر ليس الشعراء الذين نالوا حظا وافرا من الإهتمام والنقد، بل أصحاب الروايات والأخبار والقصص، الذين يبحثون عن قراء كثيرين يهتمون بهم. هناك خاصية معينة لهؤلاء الكُتاب من اللازم أن تشد انتباهنا. لهم كلهم بطل، يكون محور اهتمامهم، ويحاول الكاتب أو القاص كسب عطفنا عليه بكل السبل ويُحيطه بعناية إلهية خاصة من أجل حمايته. عندما ننهي قراءة جزء أول من رواية ينتهي بفقد البطل للوعي وإصابته بجروح بالغة، فمن الأكيد أننا سنلتقي به في الجزء الثاني من الرواية كبطل يُعتنى به ويشافى. وإذا انتهى الجزء الأول من هذه الرواية بغرق باخرة البطل، فإننا على يقين بأن الجزء الثاني منها سيبدأ بالحديث عن نجدته العجيبة، وهذه النجدة بالضبط هي التي تُؤَمن تتمة الرواية. إن الشعور بالأمان الذي أرافق به البطل في قدره الخطير هو ذاك الأمان الذي يقفز به البطل الحقيقي في الماء لإنقاذ غريق أو يواجه به نار العدو والهجوم على بطارية آلة حربية؛ يعني ذاك الشعور الحقيقي الذي يعطيه شاعر من شعرائنا (أنتنغروبر Anzengruber) تعبيرا جميلا: “لن يحدث لك أي شيئ”. أعتقد بأن المرء يتعرف دون صعوبة في هذه الخاصية الأبوية المسمات الحصانة جلالة الأنا، بطل كل أحلام اليقظة وكل الروايات.
هناك خصائص لهذه الروايات الأنانية تشير إلى نفس القرابة. فعندما تسقط كل النساء في حب بطل الرواية، فلا يجب فهم هذا كعرض للحقيقة، بل يجب فهمه بسهولة كمضمون ضروري لحلم اليقظة. نفس الشيئ يمكن قوله عندما يتوزع الأشخاص في الرواية إلى خيرين وسيئين، بالإستغناء عن خاصية التنوع الموجودة في طبع الإنسان كما هو في الواقع. ذلك أن “الخيرين” يصبحون المساعدين، بينما يصبح “السيؤون” بمثابة الأعداء والمنافسين بالنسبة لبطل الأنا.
لا ننفي بتاتا كون الكثير من الإبداعات الشعرية بعيدة كل البعد عن حلم اليقظة الساذج، لكن لا يمكننا إخفاء الإعتقاد بأن حتى الإنحرافات القصوى الناتجة عن سلسلة غير منقطعة للتحولات التي تحدث في هذا المثال/ النموذج قد تكون لها علاقة بأحلام اليقظة. لاحظت في الكثير مما يُسمى بالروايات النفسية بأن شخصا واحدا فقط، ويتعلق الأمر بالبطل من جديد، يُقدم من الداخل ويجلس الشاعر في نفسه في نفس الوقت ويشاهد الأشخاص الآخرين من الخارج. يرجع كل فضل خاصية الرواية النفسية إلى ميول الشاعر المعاصر تجزيئ أناه عن طريق الملاحظة الذاتية إلى أنا جزئي Partial-Ich ومن تم تشخيص الصراعات الداخلية لحياته النفسية في شخصيات مختلفة. على عكس نموذج حالم اليقظة، فإن الروايات ذات بطل واحد، والتي يمكن اعتبارها كـ “أنانية”/ محبة للذات، يلعب البطل فيها دورا صغيرا، بل يظهر وكأنه متفرج يشاهد كل أفعال وألم الآخرين تمر أمامه. وتنتمي إلى هذا النوع الكثير من نصوص زولا Zola. وعلى الرغم من ذلك لابد من ملاحظة تكمن في كون التحليل النفسي يقدم لنا في بعض النصوص لما يُسمى معيار الإستثناء أنواعا مماثلة لحلم اليقظة، حيث يكتفي الأنا بدور المتفرج.
إذا كان من اللازم أن يكون وضعنا للشاعر وحالم اليقظة، للإبداع الشعري وحلم اليقظة، على نفس المستوى، فمن اللازم أيضا أن يكون هذا الوضع منتجا كذلك. لنحاول مثلا أن نطبق الفرضية التي أشرنا لها سابقا، والتي تؤكد على العلاقة بين الخيال ولحظات الوقت الثلاثة والرغبات المستمرة على عمل الشاعر، لنتمكن من دراسة العلاقة بين حياة الشاعر وما يُبدعه. لم يعرف المرء في السابق بأية تصورات كان عليه البدء للدخول في هذا الموضوع، وغالبا ما كان يتصور هذه العلاقة بطريقة بسيطة. وانطلاقا مما توصلنا إليه فيما يخص الخيالات، علينا التأكيد على الأمر التالي: يوقظ مَعاش قوي في الشاعر ذكرى مَعاش سابق عاشه، يكون عاشه في الطفولة غالبا. ومن هذا المُعاش تنطلق رغبته من جديد لتتحقق في شعره، ويسمح الشعر معرفة عناصر المناسبة الجديدة التي أيقظت تلك الرغبة والذكريات القديمة.
لا يجب الفزع من هذه المعادلة المعقدة. أعتقد بأنه سيتضح بأنها في الواقع مخطط ضعيف، لكنها تحتوي على مقاربة أولية للحقيقة الواقعية. وبعد بعض المحاولات التي قمت بها، فإنه بوسعي أن أقول بأن مثل هذا التفكير في الإنتاج الشعري لم يكن دون جدوى/ غير مثمر. ولا يجب أن ننسى هنا بأن التأكيد، الذي قد يبدو غريبا، على تذكر أشياء حدثت في طفولة الشاعر تنبني في آخر المطاف على فرضيتنا القائلة بأن الشعر، تماما كما هو الحال بالنسبة لحلم اليقظة، هو استمرار وبديل للعب القديم للطفل.
لا ننسى الرجوع إلى فئة من الشعر، حيث لا نجد إبداعات حرة، لكن دراسة مواضيع مشهورة تطرق لها آخرون من قبل. يبقى للشاعر في مثل هذه الأعمال حيز من الحرية، يُعبر عنها في اختيار موضوعه والتغيير المستمر لهذا الأخير. وطالما أن المواضيع تكون موجودة، فإن مصدرها يكون متجدرا في الأساطير والحكم والقصص. لم ينته المرء بعد من دراسة هذه الأشياء التي تؤثر في نفس الناس، لكن من الراجح أن الأساطير مثلا تحتوي على بقايا من أحلام أمم أوائل البشر.
قد يقول المرء بأنني تحدثت عن الخيالات أكثر منه عن الشاعر الذي أشرت له في بداية نصي هذا. أعرف هذا وأحاول أن أشفع لنفسي عنه بمحاولة الإشارة إلى ما توصل إليه العلم حاليا. لم يكن في وسعي في هذا المقام أن أقدم لكم أكثر من اقتراحات ومطالبات، تشمل -من خلال دراسة الخيالات- إشكالية اختيار الموضوع الشعري. ولم نتطرق بأية طريقة من الطرق هنا إلى إشكالية كيفية تأثير الشاعر على المشاعر، التي يوقظها من خلال إبداعاته. أود أن أوضح لكم على الأقل في الأخير الطريق الذي يقود طبقا لشروحاتنا حول الخيالات إلى الإشكالية الشعرية المتعلقة بالمشاعر.
لنتذكر ما سبق قوله والمتمثل في كون حالم اليقظة يخفي أحلامه بكل ما أوتي من قوة عن الآخرين، لأن له كل الأسباب ليخجل منها. وأضيف في هذا المقام: حتى ولو أفشاها لنا، فإنه لن يبعث فينا أية رغبة/ لذة/ شهوة. فعندما نُخبر بمثل هذه الخيايالات، فإننا نرفضها أو لا نعيرها أي اهتمام يذكر. لكن عندما يعرض الشاعر قافيته أمامنا أو يحكيها لنا، وهي قافية نميل لاعتبارها أحلام يقظة خاصة به، فإننا نشعر بشهوة كبيرة، نابعة من مصادر مختلفة. وتبقى كيفية نجاح الشاعر في ذلك سرا خاصا به، مستعملا في ذلك تقنية تجاوز ما يُقرِف، ويكمن فن القافية Ars poetica في الحدود/ الحواجز التي توجد بين أنا الأفراد والآخرين. ويمكننا التمييز بين إمكانتين لهذه التقنية: يُلَيِّن الشاعر الخاصية الأنانية لحلم اليقظة عن طريق تغيير وتغطية الرغبات ويُسَلِّينا برغبات إستيقية شكلية خالصة، يقدمها لنا في عرضه لخيالاتنا. ويسمي المرء تحقيق مثل هذا النوع من الرغبات عن طريق ما يُقدم لنا، وهي رغبات تُمكن من توليد رغبة أكبر من مصادر نفسية عميقة جدا بمكافأة الإغراء Verlockungsprämie أو ما قبل الشهوة Vorlust. أعتقد بأن كل الشهوات التي يقدمها لنا الشاعر تحمل خاصية ما قبل الشهوة هذه، وبأن المتعة الحقيقية التي يُحدثها شعر ما في نفوسنا نابعة من تحررنا من الضغط في نفوسنا. وقد يُساهم الشاعر في وضعنا في حالة نتمتع فيها بمُتعة خيالاتنا دون متاعب وخجل.

[1] Sigmund Freud: Kleine Schriften I – Kapitel 12, 1908
[2] إضافة المترجم: لودوفيكو أرييسطو Ludovico Ariosto هو شاعر إيطالي من عصر النهضة، عاش بين 1474 و 1533. والكاردينال المعني بالأمر هنا من طرف فرويد هو الأمير الإيطالي هيبوليت ديستي Hippolyte d’Este الذي كان يُوظف أرييسطو.
[3] إضافة المترجم: عُرف المانح، أو راعي الفنون، في فن الرسم الغربي في العصور الوسطى بالخصوص وبدأ يختفي شيئا فشيئا فيما يُسمى عصر الباروك Barock، ويتعلق الأمر بشخص غني في غالب الأحيان يكلف رساما برسم لوحة فنية يُدمجه فيها بطريقة من الطرف. وتكون اللوحة في غالب الأحيان ذات موضوع ديني كأن تُرسم مريم العذراء وابنها اليسوع. وعندما تقع عين المشاهد على اللوحة ويدعو للإثنين، فإنه يدعو بطريقة غير مباشرة أيضا للمانح.

 

  • نشر بالكلمة الثقافية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*