الرئيسية / مقالات / جدلية تقرير المصير!! (1)

جدلية تقرير المصير!! (1)

Sudan voices
عبدالعزيز ابوعاقلة
مدخل  : * يقول المفكِّر الهايتي «جان كازيمير» (Jean Casimir) إنه عندما يكتب المرء عن قصة وصول كريستوفر كولومبوس إلى هايتي، أو «آيتي» كما كان السكان الأصليون آنذاك يُطلِقون عليها، فعليه أن يتخذ قرارًا مهمًّا لتحديد أين يقف: هل هو مع كولومبوس على متن القارب، أم يراه من على شاطئ الجزيرة؟
*إذا كنت محايداً في حالات الظلم فقد اخترت أن تكون بجانب الظالم. – ديزموند توتو
@ لاشك ان مبدأ حرية تقرير المصير في الوقت الراهن أصبح موضوع جدل بين مؤيد له ومعارض له وذلك للاختلاف في الهدف للممارسة الفعلية له ومن حيث بروز إشكالية في فهم ذلك المبدأ والنظر اليه نظرة احادية والقفز مباشرة الي النتائج دون البحث في جذور المشكلة من ينادون به ,وحتى الذين يستوعبون اصل المشكلة يصطدمون به كأنه لم تعرفه الشعوب لنيل حقوقها المستحقة إدراكا منها هو الطريق لإعلاء صوتها بالظلم  والاضطهاد التاريخي والتعافي من الغبن . وهنا يمكن القول هذا المبدأ لم يأتي اعتباطا او صدفة او مغامرة عابرة هناك ظروف سياسية واقتصادية وممكن ان تتمدد الي دينية واجتماعية وثقافية الي ان تصل ( إشكالية الهوية في وطن واحد ) دون وحدة طوعية بين مكوناته والتي نعتبرها صورة ايضا (لتقرير مصير ) مما خلق هذا الواقع ليكون حاضرا الآن في أجندتنا السياسية الراهنة . ولو تم معالجة هذه المعضلات مبكرا منذ الاستقلال ما كان يحدث ذهاب ثلث السكان الى وطن اخر لانهم تم التعامل معهم اخرين ولا يتمتعون بالمواطنة الحقة….الخ وهم ذاهبون ولسان حالهم يرددون ( الجوع أفضل من الخبز مع المذلة وعدم الكرامة )
علي أي حال وتاريخيا اقترن حق تقرير المصير منذ القرن السابع عشر بتعبير حرية الإرادة ، حيث عرفه معظم المفكرين على انه حق الشعب في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظله أو السيادة التي يريد الانتماء إليها. ومنذ منتصف الاربعينات يعتبر مبدأ حرية حق تقرير المصير للشعوب في العالم بصفة عامة من المبادئ الأساسية المتضمنة في القانون الدولي باعتباره حقا مضمونا لكل الشعوب التي قهرت بواسطة المستعمر خارجي وتطور هذا المبدأ واخيراً جاءت حقبة التسعينيات من القرن الماضي، لتبلور تنفيذ وتطبيق، الاعتراف الدولي بهذا الحق بشكل اكبر وأعمق ليكون حق داخلي ، بعد تفكك دول الاتحاد السوفيتي، ما أدى الى إعلان القوميات والاعراق المختلفة استقلالها، حيث تم اعلان استقلال استونيا ولاتفيا وليتوانيا استقلالا تاما، وانقسمت يوغسلافيا السابقة الى سبع دول: صربيا، وكرواتيا والبوسنة والهرسك ومقدونيا وسلوفانيا والجبل الاسود، وكوسوفو وتبعتها عام 1993 ارتيريا من اثيوبيا واخيرا عام1999م انفصال تيمور الشرقية من دولة إندونيسيا. وجنوب السودان من دولة السودان عام 2011 وكلها تم تقرير مصيرها برعاية الأمم المتحدة واعتراف معظم الدول . وليس هنا بتذكير القارئ ما حدث في عامنا هذا 2017 من تحرك عملي لتقرير المصير للأكراد في العراق وايضا كمطالبة عملية لإقليم كتالونيا في دولة اسبانيا، من الملاحظة المهمة هنا في الآونة الراهنة أصبحت الممارسة الدولية تميل الي ان هناك تعارض بين مبدأ حرية تقرير المصير مع السلامة الإقليمية للدولة بمعنى كلا منهما خصما علي الاخر لذلك لم تشجع في الراهن الان علي رعاية تقرير المصير او تتدخل بصورة مباشرة بالرغم من القوانين التي سنتها الاخيرة ووافقت عليها معظم الدول( مشكلة الأمازيغ في المغرب ) كحالة ماثلة لم تحسم بعد .ولذلك اصبح لنيل هذا الحق طريق مزروع بالأشواك ووصمه بالخيانة الوطنية والتشكيك أحيانا في أهدافه و يحتاج الي مزيدا من النضال والصبر .لذلك لابد ان نصل الي نتيجة مفادها حق تقرير المصير مرتبط بالواقع السياسي الاقتصادي والثقافي ، وأن شرعيته ومشروعيته رهينة بالظروف المطروحة . والدولة الديمقراطية التي تضمن المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية وجكم القانون وعدم التمييز بكل صوره والمشاركة الفعلية في القرار هي وحدها التي يتمسك بها جميع المواطنين مما نسميه ( الوحدة الطوعية )
@ ولابد الاشارة هنا ان القانون الدولي يعطي هذا الحق الكامن لمجموعة السكان الذي يربطها وجود مشترك في إقليم معين وتشكل شعبا واحد يعاني من المستعمر وتسلط دولة مما يترتب عليه حرمانه من إقامة النظام الذي يرتضيه ( انظر”الدولة العاصية ” د .احمد عبدالانيس ص 306 رسالة دكتورة جامعة القاهرة ويشرح فيه بأنه ويتيح لأصحاب هذا الحق استخدام كل انواع النضال بما فيها النضال المسلح بشرط لا يهدد السلم العالمي لنيل هذا الحق . ) انتهي .
وفي هذا الصدد لابد ان نذكر بعض الأسباب التي تجعل شعبا او جماعة يطالب بتقرير مصيره داخل الدولة أهمها :
اولا : ان يثبت انه يتعرض من الدولة المركزية للقتل العمد وانتهاك حقوق الإنسان والابادة الجماعية للمدنيين وطمس هويته .
ثانيا ان الحكومة المركزية لا تستطيع ادارة الاقليم الذي يقطن فيها الا بالقمع والانتهاكات الجسيمة بمعني لا يوجد سلم مدني .
ثالثا عدم كفاءة الحكومة المركزية في احترام حقوق الإنسان سياسيا وثقافيا ودينيا واقتصاديا , وهكذا شمل هذا الحق بصفة خاصة الشعوب التي تسيطر عليها حكومات ظالمة تضطهد اثنيات محددة اصيلة داخل الدولة الواحدة بمجرد الهوية او اللون او الاثنية او الثقافة او الدين . والمبدأ بني علي اساس العدالة و المساواة بين الناس وينحاز الي الانسان أي كان وفي أي مكان وهو الاصل الذي وحده القادر مع غيره مع بني وطنه ان يقرروا بحرية كيانها السياسي وان يواصلوا بحرية نموها “الاقتصادي والاجتماعي والثقافي”. وعلي بناء مجتمع قوي وقادر علي ما يواجهه من مخاطر وتحديات سواء من قبل الداخل او الخارج .، مع صعود حقوق الإنسان في العلاقات الدولية . تطور القانون في وقتنا الحاضر ووصل الي مرحلة العدالة الانتقالية وعدم افلات الجناة من العقاب .لذلك كانت هناك صلة قوية ومباشرة بين مفهوم المطالبة بحق حرية تقرير المصير بكل صوره و أشكاله ( حكم ذاتي / فيدرالية / كونفدرالية / انفصال تام ) ، وبين مفهوم حقوق الإنسان كفرد أو جماعة عرقية أو ثقافية من جهة، والديمقراطية في صيغتها القديمة والحديثة من جهة أخرى ( بمعني ليس هناك ثوابت ) في علم السياسة . وتتضح أهمية هذا الحق كونه يشكل الإطار العام في إطار شعب فاقد لحقه في اختيار النظام الذي يرتضيه لحرية تقرير مصيره. وهو حق تاريخي لكل الشعوب والقوميات ويترتب عليه الاختيار الحر بدون أية ضغوط أو تدخل لمنع هذا الحق وخاصة استعمال القوة والتدخل من إرهاب الدولة. مما عضد هذا الكلام ما تم في إعلان هلسنكي الختامي لعام 1975 الذي أكد على أن “لجميع الشعوب دائما الحق في تحديد، بكل حرية، وقت وكيف ما شاءت، وضعها السياسي الداخلي والخارجي”.
@ وفي حالة دولتنا هذه استمرت الحروب الداخلية معظم سنوات عمرها قرابة 60 عاما ولم تتوقف إلا بصورة متقطعة و لم تستقر علي سلام دائم بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة بغد الاستقلال ديمقراطية منها او ديكتاتورية عسكرية شاهرة دوما اجندة الحروب في وجه شعبها الذي يطالب بحق مساواتها ومعاملتها كمواطنين لهم حقوق في هذا الوطن و من البديهي والطبيعي ان تطالب شعوب علي المستوي الداخلي في اوطانها بتقرير مصيرها مادام تعيش علي هامش الدولة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا ولم يتم إشراكها بصورة فعلية في الحكم ولم تنصف شرقا او غربا وجنوبا وأقصى الشمال النوبي وبل زادت عليها بتعرضها لمظالم تاريخية لكل أنواع الاضطهاد الإنساني و الظلم والحروب المستدامة والتشرد والابادة الجماعية وطمس الهوية ومصادرة اراضيها والسطو ونهب ثروتها اعوام واعوام واستخدمت بحقهم الاسلحة الكيمياوية ودمرت الاف القرى في دارفور وجنوب كردفان ( جبال النوبة ) وج النيل الأزرق بل لا حقتهم الدولة حتى في معسكرات النازحين بالطائرات مما نتج عنه الغبن المستدام اجيال واجيال وكل هذا لا لشيء سوى لانهم طالبوا بحقوقهم المستحقة . وظلت هذه الشعوب تقاوم هذا الظلم والاستعلاء من اجل فقط الكرامة الإنسانية والهوية . ومن الطبيعي ان تظل هذه المطالب مشروعة مادام هناك دولة تقمع مواطنيها بمجرد تمسكهم بأرضهم وهويتهم الأصلية بشكل حاسم .فتطارد الدولة هذه الهوية بمجرد انها اخر مختلف مع توجهها المفروض قسرا بالقتل والتشريد للمدنيين والأطفال والنساء ولا سلمت الدعوات العقلانية التي تدعو الي وحدة طوعية في الماضي التي ظهرت بين الحين والآخر في فنتازيا السياسة السودانية الفاشلة في مرحلتها الاولي قوبلت بالصد بل تجريمها وتخوينها ومحاكمة فكرتها ويكون مكان من نادي بها السجون . وليس هنا مطالبين بإيراد أمثلة كثيرة عن قبح نخب الساسة السودانيين واستعلائهم في كل الحقب السابقة إلى الآن فالكتب والمقالات التي كتبت من قبل كانت كفيلة بأن تري النخب السودانية الكتابة في الحيطان ولكن كانوا يدفنون رؤوسهم في الرمال و يغلقون عيونهم وعقولهم والريبة والشك حاضرة دوما كآنهم وحدهم الاوصياء علي تركة الوطن ومستقبل أجياله لأن الأجندة الخاصة تغطي علي سلام الوطن وحرية شعوبه ورفاهيته . ولذلك يبرز سؤال دوما للذين يطالبون بحرية حق المصير الي أي وطن ننتمي ؟؟ والإجابة نتركها للمتابعة القادمة… نواصل …

12/11/2017

aziz14463@gmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*