الرئيسية / حقوق إنسان / د.بشرى قمر يكتب: مذكرات معتقل قضى عاماً في سجون النظام السوداني( 5)

د.بشرى قمر يكتب: مذكرات معتقل قضى عاماً في سجون النظام السوداني( 5)

Sudan voices

في الحلقة الخامسة من مذكرات د.بشرى قمر رحمة، الذي اعتقل في 25 يونيو 2011، وقضى في السجن عاماً كاملاً، يحكي عن التحقيق الذي أجراه معه ضباط جهاز الأمن، ونقله من سجن كوبر إلى نيابة أمن الدولة ومنها إلى معتقلات الأمن السياسي، ثم حراسة نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة وسجن كوبر والشخصيات التي قابلها أثناء فترة إعتقاله، وأطلق سراحه في يونيو من عام 2012، بعد قرار الطبيب بإجراء عملية جراحية في السلسلة الفقرية، ومكث في المستشفى قرابة الشهر، وبعدها أطلق سراحه بالضمان العادي. سجل د.بشرى كل ما تعرض له أثناء اعتقاله الطويل.

وزعنا بالزنازين، أنا وعبيد في (زنزانه 8)(29)، ضحية وجمال (زنزانة 15)، خيرالله (زنزانة 6). حيث وجدنا متهمين أمن الدولة محصورين بين الزنازين (8 – 15) نطبخ ونأكل مع بعض بالزنزانه (15) حيث الميز.

في يوم (27/07/2011) أخذنا من السجن للقاضي بغرض تجديد الحبس، ودار حوار بيني وبينه عن جدوى التجديد إن كان لديهم شاهد كما يدعون فليحضروه للمحكمة. قال: سأجدد حبسك أسبوعاً أما إذا حضروا المرة القادمة سيكون لي رأى، ثم أرجعنا للسجن.

في يوم (03/08/2011) أخذنا من السجن للقاضي بغرض تجديد الحبس. دار حوار بيني والقاضي على خلفية الحوار السابق فقال أنا مقتنع بعدم وجود سبب لحبسك ولكن عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم (لم أفهم ذلك إلا لاحقاً عندما أعيدت للأمن)(30). وتم التجديد وأرجعت للسجن.

في يوم (10/08/2011) أخذنا مجدداً للقاضي ولكن. بقينا بالسيارة فى إنتظار أن يدخلوني إليه فإذا بأحد الجنود المرافقين يدخل كما كل مرة للإستئذان فإذا هو يأتي ويركب السيارة ويأمر بالتحرك. وعندما سألت علمت بأنه تم التجديد لثلاثة أيام. فثرت وهددت بأن المرة القادمة لن أبارح المحكمة إلا بعد أن أقابل القاضى مهما كلف ذلك حتى ولو حياتي.

ملحوظه: كانت زيارات أسرتي منتظمة كل يوم إثنين، قابلت والدتي وإبنتي وأشقائي وشقيقاتي حتى شقيقي د.محمد الذي أتى من الممكلة العربية السعودية للإطمئنان علي، وتمكنت من الإتصال بشقيقى د.عزالدين بالسعودية (رفضت مجيئه لدواعي أمنية ولعدم تعريضه للإعتقال فهو نشط في العمل العام). كانت كل هذه الزيارات تتم بعد أخذ إذن مكتوب من نيابة أمن الدولة.

يوم الأحد (14/08/2011) أخطرنا بأن نجمع أغراضنا وأخذنا للنيابة (إرتبت فى الأمر من البداية). هناك قابلت شقيقي د.محمد فقد جاء لإستخراج إذن زيارة كما قابلت صديق، وجميعهم أكدوا لي بأن المتحري أكد لهم بأنه تم التجديد لي وسأرجع للسجن (لكن النيابة كانت تدبر أمراً). أدخلنا جميعنا لغرفة (ليس الزنزانة) وأقفلنا فيها لأكثر من ساعتين ثم فتح الباب وأخرجت ومعي ضحيه لمكتب مجاور (وعند الردهة لا حظت تواجد أفراد من الأمن ووكيل النيابة(31) يراقب)، في المكتب أخطروني بأنه تم إطلاق سراحي وعلى التوقيع على ذلك. وقعت وخرجت فقوبلت بفرد من الأمن عند باب المكتب في الردهة يقول لي نريدك في الإدارة السياسية لأمر بسيط. ذهبت من فوري للمتحري (وكيل النيابة إختفى تماماً) وسألته هل هذا إطلاق سراح أم تسليم لجهاز الأمن؟ تظاهر بعدم معرفته بما يحدث، وتحت ضغطي أجاب: (وكأنه تذكر أمراً.. أأ.. إنهم يريدونك لأمر بسيط وسيطلقون سراحك اليوم أو غداً).

سُلِمت أغراضي التي في الأمانات وأركبت السيارة ومعى إثنان(32) (طبعاً في السيارة عصبت أعيننا وكلبشنا وقيدنا) وبعد حوالي نصف ساعة أنزلنا بإدارة القسم السياسي بجهاز الأمن وفوراً أُخذنا لمكتب الأمانات وسَلّمْنا أغراضنا وبعدها أُرسلنا فوراً لسجن كوبر (لم تؤخذ البيانات الكثيرة تلك وكذلك في السجن لم يؤخذ منا عينة الدم – مما يؤكد نيتهم منذ البدء لعب هذه التمثيلية).

أُدخلنا نحن الثلاثه فى غرفة(33) غير مهيأة (كانت هناك أعمال صيانة)، وفي المساء وصل الإثنان الآخران عبيد وضحية ووضعوا بالغرفة المجاورة (تفصلنا غرفه بها شخص لا يتحدث اللغة العربية، قصير القامة، خمسيني العمر. هناك قول بين المعتقلين بأنه أمريكى من أصل صومالي يتبع لتنظيم القاعدة، ومسجون منذ أكثر من سنتين بأمر من السفارة الأمريكيه – ما يرجح ذلك التمييز الذي يتمتع به رغم اللوائح الصارمة) (34). وبقينا بهذه الغرفة وأضيف لنا أخرين في أيامٍ لاحقة حتى وصل عددنا الكلي ستة وهم (ما يرد حسب إفاداتهم لنا):

ü الصادق: في الثلاثينات من العمر، يعمل موظفاً لدى مسجل الأحزاب (عيّنه دوسة عندما كان مسجلاً للأحزاب)، له صله بوزير العدل/ دوسة، يدعي بأنه من سلمه لجهاز الأمن، لأن إحدى السيارات التى أُستخدمت في العمليه تتبع للوزير. متهم بتهريب أموال من جنوب السودان لتبديلها عند تغيير العملة بعد إنفصال الجنوب، فلقد قُبضت عربة محملة بالنقود قادمة من مدينة ربك (حيث الميناء النهري الذي يصل الشمال بالجنوب). ولقد تم إعتقال السائقين من قبل إعتقاله ومحتجزين أيضاً لدى جهاز الأمن في غرفة أخرى.

ü هيثم: في الثلاثينات من العمر، متهم بالتجارة عبر النت غير مصرح له بها (بحسب إفادته). كما يدعي بأن هذا الإتهام للتبرير أما السبب الأساسي هو موضوع شخصي مع أحد ضباط الأمن.

ü الريح: فى الخمسينات من العمر، عضو بالمؤتمر الوطني، متهم بتزوير أربعة خطابات بتوقيع مستشار رئيس الجمهورية/ مصطفى إسماعيل معنونة لوزراء بغرض تحصيل أموال، وقد نجح حامل الخطابات في التحصيل من وزير الصناعة/ عوض الجاز مبلغ خمسه عشرة ألف جنيه سوداني (أُستُرِد منه لاحقاً). يصر على دعم النظام بشكل عنصري ويسخر من الآخرين وبالأخص رموز الحركة الشعبية ولا يتحرج في وصف مالك عقار بالعبد.

لم يتم إستجوابي أو إخطاري لماذا أنا بالحبس ولم يسمح لي بالإتصال بالأسرة أو محامي، وبقيت هاكذا حتى سمحوا لأسرتي بالزياره فى يوم (24/08/2011)، ثم زياره أخرى(35) بمناسبة عيد الفطر يوم (02/09/2011) بحضور مدير المعتقلات(36)، وفي هذه الزياره أخطرته بأني طالب بجامعة السودان المفتوحة وهنالك إمتحانات قادمة في نوفمبر وأطلب أن يسمح لي بجلوسها مما يعني السماح بدخول الكتب، كان رده بأنه سيرفع الأمر للسلطات العليا. ولكن طبعاً لم يسمح لي رغم إلحاحي وتبليغي لهم تكراراً.

بقيت الزيارات شبه منتظمة كل ثلاثه أسابيع إلى شهر (مدة الزيارة عشر دقائق فقط) مع وجود فردين يسمعون ويرون ويسجلون بتلفوناتهم ما يدور كما يكتبون على ورق، وصل عدد المراقبين في بعض الزيارات إلى أربعة أفراد. هناك لائحة شفوية تحذيرية للزيارة تقال للمعتقل ولزواره وهي (يمنع التحدث في غير الأمور الأسرية الإجتماعية، يمنع التحدث بخلاف اللغة العربية، يمنع الحديث بالإشارة. المخالفة تعرض الزياره للقطع وتأخير التالية وعقاب المعتقل).

الهوامش:

 

29- يجاورنا بالزنزانه (10) القتله المختلين عقلياً وإسمها المتداول بين المنتظرين هو عشرة ولايات.

30- علي ما يبدو كان يعلم بأن عدم التجديد سيعيدني لحراسات الأمن.

31- يدعى سامي.

32- ضحية مسار وجمال.

33- مساحتها (3X4) متر , قمنا بنظافتها فقد كانت وسخه جداً.

34- فهو لديه راديو ومنبه – نسمعه كثيراً، كما له موقد يطبخ عليه – شممنا رائحة طبيخه, كما تأتيه مأكولات من النادي الوطني – نجد مغلفاتها بالقمامة، كما يخرج به شبه يومياً من بعد المغرب ويحضر قبل منتصف الليل – غالباً للتنزه, يجتهد الحراس أن لا نراه.

35- هذه أقرب مده بين زيارتين, لم تتكرر أبداً.

36- برتبة عقيد يطلقون عليه إسم حلفاوى.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*