الرئيسية / شباب وجندر / الزاكي طلحة:قراءة في رواية “عاصف يا بحر” للروائي عاطف الحاج سعيد

الزاكي طلحة:قراءة في رواية “عاصف يا بحر” للروائي عاطف الحاج سعيد

Sudan voices

الهروب من الجحيم إلى الجحيم
قراءة في رواية “عاصف يا بحر” للروائي عاطف الحاج سعيد
بقلم : الزاكي طلحه

“عاصف يابحر”هي الرواية الحائزة علي جائزة الطيب صالح للرواية العام 2015 التي ينظمها مركز عبدالكريم ميرغني بأمدرمان وكاتبها هو الروائي السوداني عاطف الحاج الذي يقيم بالعاصمة الفرنسية باريس ,وهي روايته الاولي والرواية صدرت في صفحة 162 موزعة علي خمس فصول مكتوبة بلغة سهلة وبسيطة , تنساب خلال بناء فني محكم .
في رواية “عاصف يا بحر” غوص في المجتمع بإشكالاته المرئية وغير المرئية. وتضع الرواية تساؤلات هامة حول تلك الإشكالات فالكاتب الحاذق هو الذي يجيد وضع التساؤلات وتشريح الإشكالات وعرضها عرضاً جمالياً أمام الضمير العام من غير أن يدفع بالحلول، فاقتراح الحلول قد يفسد فنية العمل الأدبي. نصطدم كذلك، في هذه الرواية، بتساؤلات عن عالم الصحافة وقذارته وتحكم أجهزة الدولة فيه وعن المشكلات الأخلاقية المتفشية في المجتمع من القاع إلى أعلى هرم السلطة وتساؤلات عن عوالم الهجرة غير الشرعية ودروبها ابتداءً من البلدان المصدرة لها مروراً بالصحراء انتهاءً بركوب البحر نحو المصير المجهول، وعن أولئك الذين ينشطون فيها.
يطرح الكاتب تساؤلات ساخرة عن الأفكار والطوائف الاجتماعية والصراعات التي تنشأ بينها والتي لا تقود إلا للفناء. كل ذلك قدمه الكاتب داخل حبكة محكمة تصيب القارئ بالدهشة والمتعة التي لا يخالطها ملل، فكل أحداث الرواية شكلت نغمة واحدة تجدها، وأنت تصغي لها، تبدأ هادئة عند عالم الصحفي عاصف ثم تأخذ في التصاعد شيئا فشيئاً إلى أن تحولت إلى صخب عالي جسّده الصراع العقائدي والدماء التي سكبت بسببه علي سطح البحر.
يعمل عاصف محجوب، الشخصية الرئيسية في الرواية في جريدة النهار، وهو أعزب في عامه الثالث والثلاثين، في شخصيته شيء من اللامبالاة و العدمية، فهو أشبه بشخصيات أدب العبث، تقوده الظروف للعمل بجريدة النهار ليصطدم مع رئيس تحريرها عادل عبد الصادق، يقول عاصف:
” إني غير واثق من ان العمل الذي اقوم به هو ما يجب ان امضي فيه حياتي” ص31
“هل أوهمني الضجر والملل ان اتوهم أشياء لا وجود لها” ص33
يصف لنا الراوي كيف تحول عادل عبد الصادق من مراسلة في الصحيفة إلى رئاسة تحريرها عبر رحلة طويلة من الفساد، ونفهم بذلك كيف تصنع السلطة الأقلام الصحفية في البلاد. في هذا الجو الفاسد تأتي صفاء بكل نقائها وبراءتها لتدخل عالم عاصف المضطرب لتزيده قلقا واضطرابا وتدفع به إلى ما لا يمكن تداركه أو تلافيه. يوم خطاب الوثبة المشهور الذي يسخر منه عاصف على طريقته:
“بدأ الزعيم خطابه وبدأت الكلمات تخرج من فمه بصعوبة ومرتبكة وكثيرا ما يعيد نطق الممفردات التي اخطأ في نطقها لينطقها مرة اخري “ص80
يدع عاصف الزعيم غارقاً في متاهته ليبحث عن صفاء. عندما انهي الرئيس خطابه الذي لم يقترح فيه حلول حقيقية لمشاكل الأمة السودانية، كان عاصف انهي لقاء حميم داخل حمامات القاعة الفخيمة ونجح في تخصيب احدي بويضات صفاء عالية الخصوبة وقاده ذلك إلى ما لا يحمد عقباه. يشي به عادل عبد الصادق، الذي ازداد حنقه عليه بسبب صراعهما على صفاء، إلى الأجهزة الأمنية وهنا يثير الراوي تساؤلات مهمة عن تجارة البشر في شرق السودان وعن الأشخاص الذين يديرونها.
تبتز الأجهزة الأمنية عاصف بينما ثمرة لقائه الحميم مع صفاء تواصل النمو في رحم صفاء وتتحول إلى جنين. وهنا يضع الكاتب يده علي قضية إنسانية منسية ويثير تساؤلات حول الحق في الإجهاض وحقوق الأطفال مجهولي الأبوين. ويطوف بنا الراوي في العوالم الخفية حيث تجري عمليات الإجهاض. ومنها وضع الكاتب يده بخفة علي مشكلة لم تنل حقها من النقاش في مجتمعنا رغم اهميتها وما تسببه من تصدعات في المجتمع ويقول النص علي لسان الراوي:
“ان هنالك الف متبرع سيخبرون اهلها عندما يساءلون عن اصلي ان جدتي بت خير الله كانت تصفي المريسة اي كانت عبدة وعندما حررها القانون امنتهنت صناعة الخمور البلدية”
وهو سبب كافٍ لرفض عاصف كزوج. لم تترك عاصف تركيبته النفسية العبيثية الغير مبالية الي هذا الحد بل تحالفت مع كل الظروف لتتدفعه لترك صفاء لكي تخوض مصير الجنين لوحدها ويقول “كنت احس انها ستموت لذالك فضلت ان تموت ويموت معها كل شيء” ولكنها لم تمت ويمت كل شيء وتحت ضغط صفاء وممارستها العهر أمامه وابتزاز الأجهزة الأمنية له، اختار عاصف ركوب البحر .
قبل خوض عباب البحر، يغوص بنا النص في عالم تجارة الأعضاء بين السودان ومصر، ثم يرسم لنا مجتمع الانتظار في مدينة الزوارة اللبية وكيف تجمع هؤلاء الناس من كل حدب وصوب ليخوضوا الهلاك وكيف تتشابه الظروف التي دفعت بهم الي هذا المصير في بلدانهم المختلفه التي يقودها قادة اشبه بقائد المركب الذي قادهم الي الهلاك لاحقا واشبه بالدليل حامل الكشاف الذي قادهم وسط الصخور إلى شاطئ الضياع ،قادة يمارسون الإرهاب والقهر ويعرضون في خطاباتهم صور لاحلام وردية تماما كما يفعل المهربون الذين يعرضون على المهاجرين حلم الفردوس الأوروبي وأيضاً تتشابه الوعود علي الأرض والبحر.
من هنا بدأ الولوج الي البحر والي مركب المتناقضات والذي حمل بداخله الاضداد، هنا تاخذ الرواية مسار فكري بحت وتناقش الافكار القادمة من عمق التاريخ السحيق والتي ورثها هؤلاء القوم وتسببت في مشكلاتهم الاجتماعية والتي بدورها دفعتهم الي المركب ويندهش الراوي بسخرية في انهم بدأوا تطبيق نفس الافكار والاختلافات علي سطح المركب. جمع المركب جميع الطوائف مسلمين سنة وشيعة ،مسحيين وغيرهم وتمايزوا علي أساس طائفي وجلسوا ينظرون الي بعضهم نظرة الضحية والجلاد وسخر الراوي من كل هذا واشار ايضا الى ما تتركة الحروبات من اثار نفسية مثلا اهل دارفور وغيرهم. صور لنا الكاتب حال مركب المتناقضات بما فيه من قهر وجوع وانتحار وموت اطفال وهلاك الي ان تنتهي الرواية تلك النهاية الاسطورية الرمزية “واندفع كل من في المركب بقوة الامل علي طرف القارب وكانت دفقة الامل اكبر من ان يتحملها قارب متهالك “
في الرواية كثير من المشاهد الرمزية ونشير إلى بعضها:
اهلك الكاتب المركب في وسط الأمواج وكأنه يقول إن لم نقبل بعضنا البعض سنورد نفس المصير وان الامل لوحده غير كافي لعبور الأمواج.
في الرواية طفلان بصورة واحدة وموت الطفلين يدل علي ان النص يئس من هذا الواقع ويعني ايضا موت الحلم في هذا المجتمع الذي ينخره الفساد. وعهر النساء يدل علي ن الفساد يمخر في أسس المجتمع.
يرمز بقاء عادل عبد الصادق وصعوده وكذلك الوزير الفاسد إلى أن هذا المجتمع وصل حد من الفساد بحيث يصعب عليه إصلاح نفسه، وما يقدمه للفرد يشبه تماما طوق النجاة الذي يمنحه المهربون للمهاجرين ورغم ذلك يردوا الهلاك.
لم يبيقي شئ الا ان نشير الي ان الوصف في الرواية لم يكن ترفاً وإنما ساهم في خلق بيئة متماسكة جرت فيها احداث الرواية وكذالك لابد ان نشير الي ان الكاتب استخدم تقنية الاسترجاع في السرد بإتقان مع حبكة منظمة مما جعل الرواية تناسب كل أذواق القراء باختلاف مشاربهم .
وفي الاخير لابد ان نشير الا ان الرواية شقت لنفسها طريق من حيث البناء الفني والفكري ونالت اشادة العديد من النقاد ونتوقع من الكاتب مزيد من الابداع لا سيما ان حاضرنا في السودان والمحيطين العربي والافريقي اصبح اكتر تشوقا وترقبا لكل ماهو جديد من فن وان ما انجز في الماضي اصبح غير كافي للتعبير عن احوالنا التي نعيشها الان .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*