الرئيسية / شباب وجندر / حياتنا الافتراضية….!!

حياتنا الافتراضية….!!

Sudan voices

نهي الصراف *

اليوم، كانت عاصفة أخرى، ضمن سلسلة متتابعة من إنذارات فصل الشتاء الغاضب. تهاوى واحد من الألواح الخشبية في سياج الحديقة، مثلما يحدث في كل مرة، وريثما يتم شراء لوح جديد وتثبيته بدلاً عن القديم، سيكون جزء من الباحة الخلفية للمنزل في مرمى الغرباء؛ كبار السن يتسلون خلال أوقات فراغهم في مزرعة متاخمة للمنزل، ثعالب، أوراق أشجار كثيرة تركها الخريف من دون أن يكنسها، عيون غير ودودة لكلب الجيران الضخم ذي السحنة المخيفة، الذي قضيت وقتاً طويلاً في محاولة إقناع نفسي بأنه حيوان طيب شأنه شأن بقية الكلاب الوديعة في شارعنا، من دون جدوى.

جدران الخصوصية تنهار أحياناً بفعل العواصف، وفي أحيان كثيرة بسبب أحدث صيحات التقنية؛ أجهزة ذكية فوق العادة بتحديثات غير بريئة لاقتحام حياة الناس.

في عالمنا الافتراضي هذا، لم يعد بإمكان أحد أن يبقى حزينا أو سعيدا أو مصابا بالاكتئاب الموسمي من دون أن تظهر ملامحه بالتفصيل، بتجاعيدها وتعرجاتها،على شاشة هاتفه النقال، وعلى صوره في الفيسبوك، في لون النغمات التي يستقبل بها مكالماته الهاتفية وحتى في المسحة الضبابية الخفيفة، التي يتركها صوته في صندوق رسائل الأصدقاء والغرباء على حد سواء، هؤلاء الذين يتابعون حياتنا الشخصية الإلكترونية كصفحة مهترئة في كتاب يطالعونه بشغف في لحظة ما، ثم يتركونه بإهمال على طاولة الشاي لإتمام طهي الطعام ومواصلة نهار عملهم المكتظ.

مثل عاصفة هوجاء، في يوم ما، ستبتلعنا هذه التقنية ولن تبقى فينا سوى أجساد خاوية تعمل بالريموت كونترول، تنفذ أوامر جهاز ما في المطبخ وتتبع تعليمات روبوت في غرفة المعيشة، أجساد تتحرك بأمر من شاشة وامضة ووجوه تبكي بأمر من شاشة أخرى.

ستسمح لنا التعليمات بفعل أي شيء يخطر في بالنا، لكنها لن تسمح لنا بممارسة حياتنا البشرية؛ فكل ما نراه ونسمعه في يومياتنا أصبح محض افتراض، صور، ألوان، أصوات وأشخاص افتراضيون، بملامح افتراضية وقلوب افتراضية ومشاعر مثلها، افتراضية.

الشيء الوحيد، الحقيقي، الشيء الذي يمكننا أن نلمسه؛ هو تراكم السنوات في عمرنا القصير، ففي وسط لهاثنا في لجة هذا العالم الافتراضي المجنون، لن يكون بإمكاننا أن نلحظ تقويم الأيام على جدران المنزل وهو ينزع عنه أوراقه بسرعة مخيفة، من دون أن يسمح لنا حتى بالتقاط أنفاسنا!

هل بقي شيء ما لم تسحقه جيوش التقنية التي أتت على أخضر يومنا ويابس أحلامنا؟ ربما، هنالك سر ما.. ما زلنا نحتفظ به في مكان قصيّ من خصوصياتنا، نجحنا في زرعه على وسادة أرقنا، دثرناه بحسرة، وظللناه بغيمة صنعتها دمعة ضيعت دربها، سر صغير، كنسمة هواء عذبة تهب على حبل أيامنا اليابس.

هذا الكنز الفريد؛ الذي ما زلنا نمسك به جيداً، نتشبث بأسماله، هو ملكنا الخاص، ملاذنا ورفيقنا في ساعات الوحدة الطويلة، لن تلمع على حافاته أي ومضات ضوئية ولن تتداول محتوياته في أي جلسة نميمة إلكترونية.

ذكرى حلم جميل، ضاع منا أو تركناها يسقط، ببساطة، كرمل ناعم من بين أصابعنا وانشغلنا عنه بالسؤال المعقد: من منا سيرسم خط النهاية؟

*كاتبة عراقية

* نشر بالعرب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*