الرئيسية / فنون وثقافة / عادل محمد يكتب “رَواكِيبْ الخَرِيفْ ( 2 )

عادل محمد يكتب “رَواكِيبْ الخَرِيفْ ( 2 )

Sudan voices

 * رواكيب الخريف مجموعة قصصية  ( تحت الطبع ) للقاص (عادل محمد سيد احمد ) تتشرف (سودانفويسس ) بنشر هذا العمل في ملحقها الثقافي كل خميس اجزاء من الكتاب حصريا .  المحرر الثقافي

العم مبروك

لم يُولد (العم مبروك)، هكذا، كهلاً، منهكاً، يسِمَهُ مرُّ السنين… ولكن، أعراض الكهولة كانت ملائمة لهُ، و خايلة فيه، و تُناسب حظه في الحياة المجعدة الجافة، التي تحاكي تجاعيد وجهه وجفاف أيامه ولياليها…و كان مقطع الأغنية الشهيرة، لسانُ حالٍ له:

  • يا زمن…

     وقِّف شوية!

     و أهدي لي لحظات هنيّة…

     و بعدها شيل باقي عمري

     و شيل عينيا…

            و كثيراً ما كانت تدهشه صورته في المرآة … فتراه يبسُمُ ضاحكاً، إن لم يقهقه في بعض الأحيان، و يقول:

  • جيت أحلق دقني، لقيت لي زول عجوز بيعاين لي من المِراية (المرآة)، فسألته: من أنت؟؟؟ و ماذا تُريد؟؟؟

وعندما يرجع (العم مبروك) إلى الماضي، بخياله، فانه لا يندهش فقط من كيف مرّتِ الأيام؟؟؟ …. و إنما يحزن، أيضاً، على ما كان يمكن أن يكون عليه ماضيه وما وجب أن تتسم به مسيرة حياته و ضياع فرص ذهبيّة عليه، لو أن أشياءً بسيطة، قابلة للحدوث، فعلاً، قد جرت معه وغيرت مجرى حياته، كآخرين، يعلمهم و قابلهم، بحذف الشظف العصيْ على التصديق، والمعاناة النابعة من رحمِ لَظى‘…التي لازمتهُ… و يندُب حظه من التعليم، باعتبار أن حرمانه منه كان أس و أساس سوء الطالع الذي ميّزهُ عن أقرانه الميسورين … و جعل حياته العمليّة عبارة عن عمل بدني شاق، أو التحاقا بوظائف دُنيا: مراسلة، بائع شاي… جنايني و سائق تاكسي,,, و هكذا دواليك! و لكن ذلك لا يقدح في ثقافة مبروك المتواضعة و وعيه الفطري ، تلك الثقافة التي بناها بجده و اجتهاده، دون فضلٍ من أحد، كأنه العصامي في جميع شئون الحياة!

و لم يبعث فيه، كل هذا الشقاء و الكبَدْ، رفضاً متوقعاً و مفهوماً للحياة… بل سيطرت روحه الوثّابة، و ساد تفاؤله الظليل!

 وما أن يلعَن الشَّيطان، يقُول وهو يُخاطب أبناءه وأحفاده المتحلقين حوله :

  • ومع ذلك نحن أكعب من ناس، و ذي ناس …و أخير من ناس!

ثم يختتم قوله، بعد تنهيدة، طويلة،بطول السلبة:

  • الحمد لله القدير !.

والحقيقة إن (حمده لله)، هذا، كان صادقا …و نابعا من تامورة القلب، فقد ذاق العم مبروك، أخــــيراً، نعمة نجابة الأبناء واستمتع بحصادها … وذاق قبض المواهي من أولاده المتميزين : كلٍ في مجاله…

ولكن سعادته كانت منقوصة، لأن ذلك جاء متأخرا من ناحية: فما عادت المُتع هي المُتع… و لا البهجة هي البهجة.

كان يقول لخاصته و هو يضحك:

  • رعينا خريفين… و أكلنا حقّنا و حق غيرنا!

ومن الناحية الأخرى، فان أبناؤه الذين شبّوا عن الطوق، وشقوا طريقهم نحو النجاح المهني المسنود و المسبوق بالتفوق الأكاديمي، قد باتوا مستقلين عنه بعض الشيء، وبعضهم، ممن أشتد ساعده، تجاوزه على طريقة : علمته الرمايّة، بحيث انفرط عقد سطوته الأبوية التي، حافظ عليها باستماتةٍ … و عضّ عليها بالنواجذ لعقود، متقلبا بين المهن جميعها رغم ضآلة قدراته وبساطة شخصيته، متحدياً الحياة بمعدنه الأصيل… كنخلةٍ مِجوادة، و كان ذلك ( التهميش) قاسياً عليه و غير معتاد و لا مفهوم: بالقدرِ نفسه… و لكنهُ صار واقعاً على أي حال: العم مبروك في المعاش الإجباري .

و رغم حبه الدفّاق للحياة، فإن العم مبروك، كغيرهِ من الناس … قد تعرّض لعوادي الدهر، و عملت الأيّام و السنون في جسده النحيل، الهصور، عمائل!

و تجلد العم، بالصبر و لاذ بالصمت، إلا مع الخاصّة، وابتلع معاناته مع كلِ شيء: وهن العظم، صعوبة المشي، تعذُّر المضغ… و تغيُّر أصوات نطق الحروف الناجم عن خلوِّ فمه من الأسنان… و لكنه ظلّ، مع ذلك كلّه، ظلّ مشاكساً للحياة… و عيناهُ تبرقان بالعناد!

و صار يتساءل، على بساطته، بينه و بين نفسه عن أسرار الكون و مغزى الموتِ و الحياة، ويطرح على نفسه أسئلة ظلت قيد البحث منذ مئات السنين، وما أن يصل (العم مبروك) لطرف نتيجة أو طيف قناعة في مناجاته لذاته، هذه، حتى يعمر بها مجالسه، في حماس طفولي، ويتباهى بها أمام الأولاد والأحفاد!

ورُويداً رُويدا، فقد الأقربُون القدرة على احتمال هذه الشطحات الفلسفية، فصاروا يتجنبوه أولاً، ثم بدؤوا في مقاطعة حديثه ومغالطته، حتى انتهوا بالسخرية التامّة من نظريات (العم مبرُوك) الغريبة وأفكاره الطريفة، مع إن الأستاذة )هادية مبروك(، كانت ترى: ضرورة توثيق كل ذلك و جمعهُ… و لكنها لم تجد من يحمسها، و لا حتى د. الفاتح : أخيها الأكبر.

و هكذا، فإن مُتعه الحديث … و أعمار المجالس، لم تعد مُتاحة (للعم مبرُوك) بالقدر و القيمة اللتان من شأنهما أن تشبعا حنينه إلى زمن البرامج المُترفة و البطولات الشبابيّة على سذاجتها و سطحيتها…رغم النداوة و الطلاوة فيها… و كان العم مبروك يناجي مجالسه، في هكذا مقام، بما قاله الحلاج منذ مئات السنين:

  • و ما شرب العشّاقُ إلا بقيتي…

و ما وردوا في الحبِ إلا على وردي!

كما كان يخص د. الفاتح مبروك بحكايات تمرّده على المجتمع و مغامراته الدونجوانيّة حينما كان شابّا في ريعانِ الشباب… و حينما كان العمر يبذل رخيصاً في اللهوِ و المرح!

ما الذي يمكن أن يُلهي و يشبع العم مبروك و يملأ عليه حياته … دون أن يكون مصدراً للشفقة أو السخرية من أي من كان؟؟؟ كان هذا هو السؤال الدائر في أذهان أولاد و بنات العم مبروك… و كان، فعلاً، سؤال المرحلة!

و لكن (العم مبروك)، مســـــــــتبقاً الجميع: أجاب على السؤال! و فاجأ أهل البيت بإعلان رغبتهِ في الزواج، بل: و حدّد العروس،: إمعـــــــاناً في أذى و إذلال (أم الأولاد) ، شريكة عمره، و تجريحها…من حيثُ يدري و لا يدري.

ولمّ تكُن هذه (الضَّربة الفنيّة) بإعلان الرغبة في الزواج: غير متوقعة من جميع أفراد الأسرة فحســـب، و إنما غير محسوبة العـــواقب من (العـــم مَبرُوك)، نفسهُ، أيضاً…تلك الرغبة التي صاغها وجدانه الشبابي العامر… و طيف مغامراته الجريئة في العشق و الهوى!

و تباينت رُدود الأفعال و اتسع نطاقها من حيثُ المخبر، و خرج الخبر الذي كان قبل أيّام مُجرَّد أُمنية يستبطنها العم مبروك، وذاع، و فلّتْ من نطاق البيت إلى الشارع: لأهلِ الحيْ الذين استنكروهُ بادئ الأمـــــر، ثمّ ما لبثوا أن انقسموا على أنفسهم بين مؤيدٍ و مُعارض…

 و رحّب البعضُ، ليس لصواب الفكرة و وجاهتها بقدر ما هو: نكاية في أسرة (العم مبروك) المستورة سمحة السيرة، و أم عياله التي لم يعلو لها صوتاً فوق صوتِ سعادة أسرتها و هنائها …و لم تتفوه بسوءٍ أمــــام كائن من كان … تشهد بذلك جاراتها و رفيقات دربها و يلهج به الصغير قبل الكبير…

و لم تَجد حُسْنَة، (أم العيال)، سبباً للترحيب أو عُذراً للمرحبين، بعزم زوجها على الزواج، سوى : الحسد و الغيرة…

 و شكتهم بينها و بين نفسها على: الله!

و لكنها أعادت رواية فُصول تاريخها المشترك مع ( أبي العيال) بعين السُّخط…و بخسّت تضحيات و مواقف العم مبروك، بل و بطولاته أيضاً، كلّما وجدت آذاناً صاغية … و كلّما استطاعت إلى ذلك سبيلاً! مُختتمة حديثَها في كل مرّة، بالتعبير المُتنهِّد … الساخط:

  • يعرِّس رُكبيهْ…!

و ظللت البيت حالة من الحزن والكآبة، فقد انهار ركنٌ هامٌ من أركان المودة والاحترام بين مبروك وحُسنة، كان بشكلٍ من الأشكال، أحد ركائز سعادة الأسرة وفخر الأبناء والبنات، و جاءت الرسائل المتسائلة الحزينة من أفراد الأسرة، جميعهم، المنبثين في مشارِق الأرضِ و مغاربها، فأضافت متسائلين جُدد: لا غير.

وما أن استفاقوا من الصدمة، حتى بدؤوا في التفكير في إثناء العم مبروك عن مسعاه.

 ولما تيقنوا من جديته و إصرارِه، قرروا حماية ميراثهم من مبروك، ذلك الميراث المُتمثل في البيت الذي هُم قاطنوه، وقطعة الأرض الزراعيّة التي كانت جدباء ومُهملة، إلى وقتٍ قريبٍ، لولا أنهم قد أعملوا فيها ما استطاعوا من جهد، وبذلوا فيها ما تيسر لهم من مال.

 أما البنات فقد شككن في سلامة أبوهن العقلية، ودفعن بإخوانهن للتفكير في نفس الاتجاه، واتفقوا على أن يشيعوا أمر مرضه العقلي، وسط الناس،  كأحد الوسائل لمنعه من الزواج…مُعولين على وُصُول أمــــر مرضه إلى أسرة العروس المرتقبة، في ديارٍ: لا تخفى فيها الأســـــرار. 

وهكذا، تفتّت أواصر المودة والعشرة التي ظللت الأسرة، لعقودٍ من الزمان، لأرقامٍ وحسابات وكيدٍ وكـــيدٍ مضاد، و انقسموا خفيّاً لمعسكرين: المتعاطف مع الأب … و المتضامن مع أمِّهِ.

ولكن إرادة الله الغلابة ، سرعان ما حسمت الأمر، وذلك بانتقال العم مبروك إلى الدار الآخرة… وبهدوءٍ لا يتناسب مع الجلبة التي أحدثها المرحوم باتخاذه قرار الزواج، قبل أسابيع، فقط، من تسليمه الروح لبارئها.

وأسدل موتُ (العم مبروك)، أسدلَ الستارَ عن مأساة الأسرة، التي باتت وشيكة الحدوث، و التي خدشت تماسك واعتزاز الأسرة بذاتها.

وأعادت حُسنة (للعم مبروك) اعتباره: بإعادة إنتاج الروايات لفصول أيامهما المشتركة بعين الرضا وذكر المحاسن… فناحت معددةً فضائله وسمح خصاله! و ناحت معها، من النساء، من باكتهن في مآتمهن، كما أيدها في ذلك رهطٌ من المعزين،… الذين لهجوا بشكر و حمد الرجل العزيز المتوفى للتو… و في الدافنة ، مدح الأقارب القادمون من البلد مقاطع من ( النور البرّاق)، واسترسِل المُنشد في هذا الإنشاد الديني الحنين…وختمه ب: 

وأختم قولي بالصلاة مُعظما

فيا ربنا صلي وبارك وسلما…

            على المصطفي والآل والصحب دائما ..

صلاة تفوق المسك عطرا مُفخّما

يطيب بها كل الوجود ويتلألأُ ..

اللهم صلي وسلم على حبيب الله …

ولكن ، وقبل مماتِهِ، كان هنالك من يعمل بصمت لإفشال الزواج النزوة… ألا وهو (د.الفاتح) … الابن الأكبر لمبروك من حسنة…

كان من الممكن اســــــتيعاب طاقة العم مبروك وملء فراغه بالمزيد من إعمــــار المزرعة… وتحميله واجــــــبات أكثر و مهام اكبر في زهزهتها و نضـــــارها (أي المزرعة)…من وجهة نظر د. الفاتح.

ولمّا لم يكن مرجُوا منه أي جهد بدني، فان علاقته  منذ النشأة بالزراعة، وخبراته في حياته العملية الطويلة في إدارة العمال، كانت ستجعل منه مُديرا تنفيذياً ناجحاً، مع الاعتبار بأن الجزء الرئيسي من أهداف إحياء المزرعة هو: توظيف العم مبروك، بعيدا عن حسابات الربح والخسارة : فان كان ربحاً، فحمدا لله … وأما إذا جاءت الخسائر  فهي صدقة في سبيل بر الوالدين…

هكذا فكر وقدر (د.الفاتح مبروك) طبيب الأمراض الباطِنة بالمستشفى الكبير.

و لكن، خالفه إخوته في ذلك… و اقترحوا مشتلاً للزهور و الثمار الظليّة، يكون هو، و فقط، ما يُسأل عنه العم مبروك من أنشطة المزرعة، و ضربوا مثلاً بسهولة رعاية الورد الإنجليزي و نبات الفراولة و مردودهما الكبير، عكس ما يتطلبه ازدهارهما من جهد.

و اقترح الابن الأوسط، كبديل لفكرة د. الفاتح بإنعاش المزرعة، اقترح أن يُدير أبوهُ كشكاً للجرائد و المجلات… و دافع عن رأيه بأن الكشك : يلم الناس، و قال:

  • الكشك بجيب ليهُو الناس … يونسوُهُوا و يشترُوا منُّو … و يقرأ هو في جرايدُو و مجلاتُو حتى ينتهي اليوم: سربٌ من العصافير بحجرٍ واحد!

و لم ترُق الفكرة: بعمل كشك الجرائد الأولاد، و لكنها راقت بناتِهُ الثلاثة.

و في النهاية، و قبل مماته … أجمع الأولاد و البنات معاً… بضرورة قيام العم مبروك برحلةِ استجمامٍ طويلة الأمد، إلى البلد …يستريح فيها و تستريح أعصابُهُ، و يعيد التفكير في قراره الكارثي الأخير… و  يعطيهم فرصةً لمزيد من البحث في شأن زيجته المزعومة، و وافقت حُســـنة و رحبت بهذه الفكرة بحرارة، لما تعلمه من وقـــعِ رحلة البلد على زوجها و ما يُمكن أن تفعـــله، كفعل السحر، بوجدان (العـــم مبروك) … أبو الأولاد  . 

وراقته هو أيضا فكرة النزول للبلد، فقد كان بحاجة إلى استنشاق رائحة الجُروف ورُؤية الخُضرة الممتدة، لا سيّما وانه في الآونة الأخيرة صار منعزلا، فقد صار يرفض الذهاب للنادي، حيثُ الضُّمنة و الكشاتين بموجب: (نزعة آخر العمر الدينية)، وصارت بهجته الأساسية هي تأدية فروضة الخمس، في مسجد الحي: من الفجر إلى العشاء.

كانت أحب سور القرآن لديه هي سُورة الضُّحى، و كان يخشع أكثر ما يخشع حين يتلو:

( و الليلِ إذا سَجى).

ولم تكن مؤسسات العمل العام لتعجبه أو لتجذبه، لاستقامته، من ناحية ولما فيها من صراعات لا تتسم بالنزاهة و التجرُّد، بالمقارنة مع تجربته الكبيرة في الجمعيات التعاونية ومجالس الآباء، في أزمان غابرة.

وحين يذكُر ذلك التاريخ فانه يذكُره بحنينٍ صادق وزفراتٍ حرى، ويترحّم على من زاملُوه في ذلك الزمن البهيج:

  • حليل ناسنا! الله يرحمنا جميعا …

و كان في تسامره مع د. الفاتح، يردد نفس المعنى:

  • أنا ناسي كلهم بي غادي… ما فضل لي زول بي جاي!؟؟

وفي العيد اللاحق لوفاة العم مبرُوك، أحسَّ الجميعُ بفقده ومكانته الشاغرة، وشعر أولاده باليتم، وعانت حسنة من الترمل صباح العيد، وتأملوا جميعهم في صمتٍ رهيبٍ:

هناك جلسته، وهكذا كانت ضحكته… والآن أوان مباركته العيد للكبير ونفحه الصغار عيديتهم، و هذى الوجبة كانت الأفضل بالنسبة له، لاسيّما اللقمة بمُلاح الرُّوب…لتناسبها مع فمه الخالي، و حلقه الجاف.

 ومِسْخَتْ عليهم برامجُ العيد في الراديو، بالذات تلك التي كانت تشجيه: المدائح النبوية وحقيبة الفن.

و لم يعُد بمقدور أي من أفراد الأسرة، أغنية يا قائد الأسطول، الأغنية المحببة لدى المرحوم…

ولكنه، أي (العيد) كان مناسبة لتأكيد رد الاعتبار للعم مبروك، ليس من أولاده وبناته فحسب، و إنما من أرملته المُلـــــــــتاعة (حُسنة) أيضا.

وفي طريقهم إلى زيارة قبرِهِ، أدخلت حسنة يدها في جيب د.الفاتح مبروك،  واضعة فيه (صُرة) صغيرة، وهمست له تخنقها العبرات:

 

  • دي زكاة المرحُوم، أمانة عليك تفرقها بين المحتاجين ممن تجدهم في المقابر!

فَفعلْ!

وهاجت ذكراهُ و صخبت في وجدان أهل البيت، بُعيد العيد، فتم تكبير صورته التي يظهر فيها بكامل هيئهِ، بطلعته ذات القسمات الصارِمة و عيناه البرّاقتين وشاربه المبعثر، مستنداً إلى عصاه الكريـــزة، و وُضعت، الصورة، في بروازٍ ضخم مذهّب و زاهــــــي، و عُلِّقت بجوار صُورة توأمِهِ الراحل منذ زمنٍ بعـــــيد، على جُدران الصَّالون: مُقابل البَابْ!

جَارُ النَّبِي

كان كل من يعرف جار النبي على يقين من حسن حظه، ومن فأله الطيب فيما يخص جميع مناحي الحياة، ولكن في الآونة الأخيرة، والعشر سنوات الماضية على وجه الخصوص: لازمَهُ الحظ العاثر، وألم به النحس، في: كلما يرتبطُ بالسكن و بيوت الإيجار…فعاش، بمصادفات غريبة، بعضها طريف والآخر مُحزن، في حالة من اللجوء عدم الاستقرار.

ولم يستطع، طيلة هذه السنوات العشر ،أن يسكُن داراً ويستقر فيها، ويألف الجيران، لمدة تزيد، في جملتها، عن ستة أشهر…

ولم يكن رحيل جار النبي، في أغلب الأحوال، كرحيل العرب: عزّاً و وجاهة، بل كان (جار النبي)، يفارق جيرانه وداره: مرغما ذليلا، لا بطل!  و كان (فصل الخريف) من أشق الفُصُول عليه، إذ تسبَّب الخريف وحده في رحيل (جار النبي)، على ما يذكُر، هو: أربعة مرّات! 

و في خضم بحثه عن السكن المستقر… تنازل (جار النبي)، أو هكذا ظن، و عمل حارساً لعدد من البيوت تحت التشييد… كان، قلبه على الدوام يُمنِّيه و يُحادثه، بأنها لن تكتمل، في تضاد مع مصلحة المُلَّاك، الذين تناسى أغلبهم (الإيجار) مقابل سكن: جار النبي المؤقت … البسيط!

و كان لجار النبي معادلات طريفة يخفف بها من ضغوط المعيشة، فعندما كان يبلغ به الضيق، من تأخر المرتب، مداهُ، يذكِّر نفسهُ، عنوة ب: مواعيد الإيجار… فيشكر القدر على جعله الأيام بطيئة تسير بتؤدة و تقدل متهادية، كما يمشي الوجي الوحلُ!  

كان من الطبيعي إذن، أن يبحث جار النبي عن سُكنى، تكون: ملكاً له، يستحيل على كائن من كان، أن يغض مضجعه فيها أو يطرده منها، ولكن هذا الحل كان من سابع المستحيلات، لان الطرق الرسمية لأمتلاك أرض حكومية كانت مغلقة في وجهه، و في وجه أمثالهِ من بسطاء القوم، ولأن سعر الأرض التجاري، لمن أرادها، كان فوق سقف ما يملكه جار النبي… بل وفوق تصوراته الذهنيّة، المجرَّدة، عن: المبالغ المالية، بشكلٍ عام، وأرقامها الكبيرة، على وجه الخُصوص… فقد كان أكبر مبلغ يعرفه جار النبي هو : (مليون!)، ومع ذلك، فقد كان يرهَب مجرَّد النُّطق بكلمة (المليون)، وتتملكه حاله من التوجُّس، والبلبلة حينما تُذكر، في حضرته، مبالغ أكبر!

وفي كل مرة كان ينتقل فيها (جار النبي) إلى سكنه الجديد، كان يتعرف، مع سبق الإصرار  و التَّرصُّد، على بقالتين على الأقل، ويوطد صلته بالمكوجي…و الفوّال،  ويسأل جاره، بعد جسٍ كافٍ للنبض، عن: مكان أو المنزل القريب الذي يزود الحي بالخمور البلدية…

و لكنهُ لم يكن ليأبه بمحل (الغاز)… لأن تقليد الدين و الجرُورة، لم يصل إلى تلك التجارة الرائجة … المرتبطة بنار الحياة، بعد!

وكان يبدأ التعامُل، من فوره، بنظام الآجل والاستدانة من البقالة الأوفر حظاً، من الناحية التجاريّة وطريقة عرض البضائع، تليها الأخرى، الاحتياطيَّة، في حالة الحوجة الماسَّة لِ: الشاي، أو الزيت، أو الفحم، أو الأمواس، أو الصابون، أو ملح الطعام…

لم يكن بُطيني أو طُفيلي، و كانت علاقات (جار النبي) بجيرانه: سويَّة … يظللها الإحترام و تكللها المودة و التراحُم… و كان إذا ما دعاه الداعي… يهبُّ خفيفاً في ملمات الحي… و لكنهُ مع ذلك كان يُفضِّل أن يكون تواصله مع جيرانهُ، في أضيق حدود… و كأنه يخاف التعلُّق بهم … لدرجة تُصَعِّب عليه الرحيل المُتوَّقع: في أيِّ لحظة! أو هكذا قالتِ الأيّام…

وفي السكن الأخير، قبل المجيء إلى هنا، بدأ له إن الأمور تسير على ما يرام، وانه قد جاوز الستة أشهر… مما يعني انه قد (قدَّ عين الشيطان)، وان بقائه لا شك سيطول… ولكن، قادته طمأنينته إلى خطأ فادح، دفع ثمنه بشكل فوري، إذ واصل(جار النبي) التراخي ، عن: دفع الإيجار عن مدةٍ فاقت (الشهور الثلاثة!)، ولم يُحاول أن يسترضي سيد البيت بأعذار  كان يمكن ان يقبلها تماشيا مع الظرف العام، وإنما استعداه… بدلاً عن ذلك، وتحداه، ولما بلغ به الإحساس بالذُل مداه، وتجمَّعت عندهُ مشاعرُ الهوانِ الشَّخصي، الذي راكمه الرحيل من ثمانية عشر بيتاً، على الأقل، قال منفُوشاً، و بجسارة تفوق جسارة طارق ابن زياد:

  • دا العندي، وأعلى ما في خيلك: أركبو!

وفعلا، استجاب صاحب البيت للاستفزاز، وركب بزَّةً رسميةً، تعلُوها الدبابير، كان يتشدق بها أحد أقاربه، مُصطحباً إيَّاه في الصباح إلى قسم البوليس.

وما هي إلا أيَّام، حتى أطاحا، سيد البيت و قريبه، باستقرار جار النبي، وطردوه من المنزل شرَّ  طردة، قاذفين عفشهُ القليل، المتواضع، بلا رحمة، إلى قارعة الطريق!

و لكنه، في مرّة أو مرتين، رحل طائعاً مُختاراً… عندما (سمسر) في بيته، وفق تفكير (جهنمي)، لم يسبقهُ عليه أحد، ليؤجره لمن يجد في نفسه الكفاءة، و المقدرة، فيسكُن… أمّا هو، فيستفيد من (خلو الرجل)، و عمولة إضافيَّة، عبارة عن حفنةِ جُنيهات، يدفعها (سيد البيت)، من: (مقدم الإيجار! )…

و في بعض الأحايين، كان (جار النبي) يلجأ لتأجير هذه الغرفة أو تلك من مسكنه الصغير، بغرض الحصُول على بعض الجنيهات، القليلة، كانت على قلَّتها، تعينهُ في تسيير أمور الحياة و تصريف عوادي الدهر… و كان في مثل تلك الأحوال، يحرص على عدم إطلاع المؤجرين بالأمر، و يُحبذ جهلهم و عدم معرفتهم به… فإن عرفوا، يدعي إن من يشاطرونه السكن هم من أقاربه أو أصدقاء طفولته، أو زملاء دراسة!… و قد أعانتهُ، بعضُ تلك الجنيهات في الإيفاء بالتزامات، و القيام بمهام، جليلة، ما كان له بها قِبَلْ… منها: مساهمته، مرَّتين، في إقامة مراسم تزويج أختيه اللائي يصغرنهُ مباشرة، و كان ذلك مفاجئاً … و لكنهُ كان أيضاً، مصدراً لسعادة لا توصف، لأبيه، و بعض أفراد أسرته، من الذين يعرفون: البئر و غطاها… و لسان حالهم يقول:

  • يجعل سرُّو في أضعف خلقهُ!

و قد كانت (المرَّة الوحيدة) للرحيل، التي يمكن تفاديها، عندما: سكن (جار النبي) بجوار المسجد، للاستفادة من حماماته، اذ كان البيت على بهائه، يخلو من: (المنافع!)…

ولا ضرر، فقد كان (جار النبي) يعمل في الوردية المسائية… و تخلو له الحمامات، و يصفو لهُ الجو، في آوان ذهابهِ للعمل، بعد صلاة العشاء، و إيابهِ عند الفجر، وماهي إلا شهور معدودات حتى تم تحويله إلى ورديّة الصباح، بحيث لم يعُد قادراً على المزاحمة اليومية في الحمامات، فجر كلِّ يوم…

وكان ذلك أثر مُشادة، لا داعٍ لها، مع رئيس وردية الليل، في أمر ٍكان: (قابلاً للحل!)، من أمور العمل… و أودت به المُشادّة إلى الورديَّة الصباحيَّة، وقد كان (جار النبي) في خضم انفعاله قد نسى أمر الحمامات وارتباطها بزمن الوردية، وإلا لكان إرعوى وصمت شأن الكثيرين من زملائه الذين صمتوا، ولا يزالون، لشيءٍ في نفس يعقوب، كلٍّ: حسب (مأساته!)…

الآنسة نجاح محمد إدريس

قُــــلْ لمـــن يدَّعـــــي في العـــلمِ فلســــفةً…

حفظتَ شيئاً و غابتْ عنكَ أشياءُ

(أبو نوّاس)

كانت الأسرة تُعاني فقراً مدقعاً، لا يُشبه الفقر السائد في البلاد، بل يتعداهُ بكثير… و لهذا السبب فقد كانت الظروف في المنزل البائس: استثنائية، الجوع الكافر مخيِّم، الحر القائظ يلهب و الإضاءة الخافتة الشحيحة تُعيق المُذاكرة… الحشرات النهاريّة و الليليّة تبعث على السأم و الضجر… و الرتابة التي تسوِّر كل شيء في مجريات البيت تقتل بالملل… الملابس المهترئة تبعث على الخجل و الضيق، و على العُموم كان كلُّ شيء يوحي بالجدب الذي لا يُمكن له أن يُنتج فكراً أو يُتيح علماً!

و لم تكن (مدرسة نجاح) بأحسن حال من البيت، أو قُل: كان الحال من بعضه…أضف إليه الإتاوات و الرسوم التي تفرضها المدرسة، من حينٍ لآخر، على نجاح و زميلاتها….

و قد سرت همهمات، صارت فيما بعد: (أصواتاً مسمُوعةً!)، تدعو الأسرة لأن تقذف ب(نجاح) إلى دُنيا العمل الذي يدرُّ دخلاً، و تترك الدراسة، بحجة: ألا طائل منها، أولاً، و ثانياً لأن: الأسرة بحاجة إلى الدخل الإضافي، الذي سيدره عليها اشتغال (نجاح) في وظيفة أو امتهانها أي حرفة، جالبة للجنيهات التي عزّ مزارها!

كان والدها (العم إدريس) ضد الرأي الذي يُنادي بترك (نجاح) الدراسة، و كان لديه تصوُّر غامض، و يحدوهُ أمل خافت، بأن: يطرُق الباب، بعد نهاية هذه السنة (الثالثة الثانوية)، عريسٌ يبعده من شر أن يجني على بنته بقطع دراستها، و يعفيه من الإقرار، و لو بينه و بين نفسه، بالعجز عن الإنفاق على دراسة نجاح، خصوصاً، و على الأسرة ككل، بشكلٍ: عـــام!

و لاحظت إحدى مدرساتِها، ما على (نجاح) من همٍ و غمْ!… يكاد يلازمها…وتقرَّبت منها و صادقتها، حتى استطاعت الإطلاع على ظروف (نجاح)… وأحوال أسرتها، فباتت تُقدِّم المساعدات بخفية وبطرق ذكية لنجاح، وكان من ذلك ان علمتها غزل التريكو، فصارت إنتاج (نجاح) قابل للتسويق بعد حينٍ قصير، كمَّاً ونوعاً، وجذبت تلك الحرفة والدتها وأختيها اللائي يصغرنها، فانتعش البيتُ… وأضفن لصناعة التريكو، تجارة بيع الملايات، وبعض الأواني المنزلية يسوقنها لدن نساء الحي… ورويدا رويدا لاذ دعاة ترك نجاح للمدرسة بالصمت وواصلت نجاح غزلها ودراستها، رافدةً بجدارة، تجارة بيتية لأمها وأختيها… وفي هذا الخضم، و بموجب تميُّزها الأكاديمي، أولاً، ثمَّ لظرفها البائس، ثانياً، و على سبيل التشجيع و المؤازرة، دفعتها أستاذة آمال لترأس مجموعة المذاكرة، فكانت نجاح تتقمص شخصية معلماتها و هي تشرح لزميلاتها و تستفيض، حتى أتقنت مواد الفهم و حفظت مواد الحفظ عن ظهر قلب…. من موقع المساءل لا السائل… و أصبحت مستعدة للامتحان قلباً و قالباً، ظاهراً و باطنا …. و أمست تنتظر صبيحة الامتحانات بفارق الصبر! و قد كانت مُساعدات الأستاذة الجليلة (آمال)، المؤثرة و الخفيّة، بالجد، فعّالة للحد الذي ارتاحت فيه الأسرة، و أبدعت عندهُ (نجاح)، و أبلت بلاءً حسناً في امتحانات الشهادة الثانويّة، مما أدى إلى نجاحها نجاحاً باهراً: أثلج صدر (آمال) التي كانت من أوائل المُهنئين، و قرظته هيئة التدريس بمدرسة (نجاح)، و فخُرت به الأسرة، و تحدّث به أهلُ الحي.

و كانت أولى بشائر ذلك النجاح، و حصاده، القبول المجاني ل(نجاح) بالجامعة، في ظل باهظيّة التعليم العالي، و الذي صار يتطلّب مالاً وفيراً، للولوجِ فيه و الانتساب إليه… و نزل ذلك الوفر: برداً و سلاماً: على الأسرة، و أبعد عنها شبح احتمال تركها مقاعد الدراسة و أخرس القائلين بهِ إلى الأبد!… و بعدها توالت و انهالت الهدايا العينيّة، و العطايا الماليّة، من الأهل و الأقارب و من كلِّ فجٍ عميق! كانت أجمل تلك الهدايا: اللوحة المزينة بخطِّ النسخ من الأُستاذة (آمال)، و التي كُتب عليها:

*(إن نعم الله على عباده كثيرة، و أجلهن: نجابة الأبناء)…*

و استطاعت (نجاح)، أن توسِّع من عمل الأسرة في التريكو، و تجارتها في الملايات… و الأواني المنزليّة، و كإضافة نوعية لأعمال الأسرة، فقد ابتاعت (نجاحٌ)، ابتاعت جهاز حاسوب محمول (لابتوب)، لشقيقها (أحمد)، الذي يصغرها بثلاثة أعوام، و فتحت، بذلك، أمامه، الطريق للعودة إلى المدرسة مرّة أخرى… بعد أن غاب عنها، إجباريّاً، لمدة عامين…و لأنهُ تدرَّب على أعمال الطباعة و أتقنها، أصبح يتعاون مع محل الخدمات المكتبيّة المجاور، بحيث يطبع الورقة الواحدة بنصف جنيه… فوفَّر، ليس مصروفه الدراسي فحسب، و إنما صار يساهم، بقدر استطاعتِهِ، في مصاريف البيت… و في جُدران غرفته، وضع هو الآخر لوحة كوفيّة، تزينها كلمات الشاعر (أحمد شوقي):

العلمُ يبني بيُوتاً لا عِمادَ لها

و الجهلُ يهدمُ بيتَ العزِّ و الشرفِ

و صارت، بعد فترة، تعطي دروساً في فنون التريكو و التطريز، للراغبات من زميلاتها في المدرسة و جاراتها في الحي، دروساً مفيدة، ذات قيمة جمالية … كانت تشوبها روح اجتماعية سمحة و اهتمام زائد من الحاضرات، و كانت تتحصَّل قيمة ماليّة رمزيّة، منهِن، على تلك الدُّرُوس.

و في يوم، و مع بداية العام الدراسي الجديد، عندما كانت (نجاحٌ) تهمُّ بالخروج من المنزل للجامعة، في الصباح، بثوبها الأبيض المُطرّز، و حقيبتها السوداء، اللامعة، يرافقها أخوها (أحمد ) ببنطاله البُنِّي، و قميصه الأبيض الزاهي، ودعاهُ فسالت دمعة حارّة على خدود العم (إدريس)، والد (نجاح)، الطالبة بالسنة الثالثة بكلية الهندسة و المعمار ،و شقيقها الحبيب … لم و لن يجد لها تفسيراً أوحداً: فلا الحُزن، و لا الفرح، و لا الشجن، تكفي!..

فقد كانت مشاعرُهُ، خليطاً من ذلك كلِّهِ: حُبّاً و شوْقاً و حنينا… و همهم العم (إدريس)، الذي وهن العظم منه و اشتعل رأسُهُ شيبا، همهم في سرِّهِ ، خاشعاً… مبتهلاً… يفيض وجدانه شُكراً و ثناءْ، دونَ أن يرهُ أحد:الحمدُ لله كثيراً، الحمدُ للهِ بُكرةً و أصيلا!

 

  • عادل محمد سيد احمد
  • خريج هندسة جامعة الخرطوم / الديوم الخرطوم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*